بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
فِتْنَةُ الْمَحْيَا وَالْمَمَات
كتبه: الشيخ زهير بن حسن حميدات
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الدُّنْيَا دَارَ ابْتِلَاءٍ وَاخْتِبَارٍ، وَجَعَلَ الْآخِرَةَ دَارَ جَزَاءٍ وَقَرَارٍ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، الَّذِي أَمَرَنَا أَنْ نَتَعَوَّذَ بِاللَّهِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مِنْ أَرْبَعٍ، فَقَالَ: «إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ: يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
وَلِعِظَمِ هَذَا الدُّعَاءِ، وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَعْرِفَةُ حَقِيقَةِ هَذِهِ الْفِتَنِ بِتَفَاصِيلِهَا؛ حَتَّى يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ دِينِهِ وَعَدُوِّهِ. وَهَذَا بَيَانٌ شَافٍ لِأَنْوَاعِهَا بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فِتْنَةُ الْمَحْيَا:
فِتْنَةُ الْمَحْيَا هِيَ كُلُّ مَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا فَيَصُدُّهُ عَنِ الطَّرِيقِ الْمُسْتَقِيمِ، وَقَدْ حَصَرَهَا الْعُلَمَاءُ فِي أَرْبَعَةِ أَبْوَابٍ رَئِيسِيَّةٍ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِتَنُ الشَّهَوَات:
وَهِيَ انْقِيَادُ النَّفْسِ لِلْمَلَذَّاتِ الْمُحَرَّمَةِ، وَتَقْدِيمُ الْهَوَى عَلَى الشَّرْعِ. وَتَشْمَلُ:
1. فِتْنَةُ النِّسَاءِ:
وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْفِتَنِ عَلَى الرِّجَالِ، سَوَاءٌ بِالنَّظَرِ الْمُحَرَّمِ، أَوِ الْخَلْوَةِ، أَوِ التَّبَرُّجِ وَالسُّفُورِ.
· الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
· وَقَوْلُهُ ﷺ: «فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ، فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
2. فِتْنَةُ الْمَالِ:
وَتَكُونُ بِجَمْعِهِ مِنَ الْحَرَامِ (الرِّبَا، الرَّشْوَةِ، أَكْلِ حُقُوقِ الْوَرَثَةِ)، أَوْ مَنْعِ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ (الزَّكَاةِ)، أَوِ الْبُخْلِ بِهِ، أَوِ الطُّغْيَانِ بِهِ.
· الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وَفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
3. فِتْنَةُ الْأَوْلَادِ:
حِينَ يَحْمِلُ حُبُّ الْوَلَدِ وَالِدَهُ عَلَى الْبُخْلِ، أَوِ الْجُبْنِ، أَوِ اكْتِسَابِ الْحَرَامِ لِتَأْمِينِ مُسْتَقْبَلِهِمْ.
· الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الْأَنْفَالِ: 28].
· وَقَوْلُهُ ﷺ: «الْوَلَدُ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ» (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ).
4. فِتْنَةُ الْجَاهِ وَالسُّلْطَةِ:
وَهِيَ حُبُّ الرِّئَاسَةِ، وَالتَّصَدُّرِ، وَالتَّنَافُسِ عَلَى الْمَنَاصِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ الَّتِي تُفْسِدُ الدِّينَ.
· الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ» (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ).
الْبَابُ الثَّانِي: فِتَنُ الشُّبُهَاتِ (فَسَادُ الْعِلْمِ وَالْعَقِيدَةِ):
وَهَذِهِ أَخْطَرُ أَنْوَاعِ الْفِتَنِ؛ لِأَنَّهَا تُفْسِدُ الْقَلْبَ وَالْعَقْلَ، وَصَاحِبُهَا قَلَّمَا يَتُوبُ لِأَنَّهُ يَظُنُّ أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ. وَتَشْمَلُ:
1. فِتْنَةُ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ:
وَهِيَ ابْتِدَاعُ أُمُورٍ فِي الدِّينِ لَمْ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ، وَالتَّفَرُّقُ إِلَى شِيَعٍ وَأَحْزَابٍ.
· الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ».
2. فِتْنَةُ الْجَهْلِ وَاتِّبَاعِ الْمُتَشَابِه:
وَهِيَ تَرْكُ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ وَاتِّبَاعُ الْمُتَشَابِهِ لِإِثَارَةِ الشَّكِّ فِي قُلُوبِ النَّاسِ.
· الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 7].
3. فِتْنَةُ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ:
سَوَاءٌ كَانَ بِالشَّكِّ فِي وُجُودِ اللَّهِ، أَوِ الرِّدَّةِ عَنِ الدِّينِ، أَوْ إِظْهَارِ الْإِيمَانِ مَعَ إِبْطَانِ الْكُفْرِ (النِّفَاقُ) لِمَصَالِحَ دُنْيَوِيَّةٍ.
· قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: "وَلَا يَنْجُو مِنْ فِتْنَةِ الشُّبُهَاتِ إِلَّا بِصِحَّةِ الْيَقِينِ وَبَصِيرَةِ الْعِلْمِ".
الْبَابُ الثَّالِثُ: فِتَنُ الْأَحْوَالِ (اخْتِبَارُ الْأَقْدَارِ):
وَهِيَ تَقَلُّبُ حَالِ الْإِنْسَانِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ، وَكِلَاهُمَا اخْتِبَارٌ:
1. فِتْنَةُ السَّرَّاءِ (النِّعْمَةُ):
الْغِنَى، الصِّحَّةُ، الْفَرَاغُ، الْأَمْنُ. اخْتِبَارُهَا هُوَ "الشُّكْرُ"، وَخَطَرُهَا هُوَ الطُّغْيَانُ.
· الدَّلِيلُ: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ﴾.
2. فِتْنَةُ الضَّرَّاءِ (الْمُصِيبَةُ):
الْمَرَضُ، الْفَقْرُ، فَقْدُ الْأَحِبَّةِ. اخْتِبَارُهَا هُوَ "الصَّبْرُ"، وَخَطَرُهَا هُوَ الْجَزَعُ وَالتَّسَخُّطُ.
· الدَّلِيلُ: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 35].
الْبَابُ الرَّابِعُ: الْفِتْنَةُ الْعُظْمَى (الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ):
وَهِيَ أَكْبَرُ فِتْنَةٍ تَمُرُّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مُنْذُ خَلْقِ آدَمَ، وَهِيَ مِنْ فِتَنِ الْمَحْيَا لِمَنْ أَدْرَكَهَا.
· خُطُورَتُهَا: أَنَّ الدَّجَّالَ يَأْتِي بِالشُّبُهَاتِ (يَدَّعِي الرُّبُوبِيَّةَ) وَالشَّهَوَاتِ (مَعَهُ جَنَّةٌ وَنَارٌ وَخُبْزٌ وَمَاءٌ).
· الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «مَا بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ خَلْقٌ أَكْبَرُ مِنَ الدَّجَّالِ» (رَوَاهُ مُسْلِمٌ). وَلِذَلِكَ خُصَّ بِاسْتِعَاذَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ فِي الصَّلَاةِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: فِتْنَةُ الْمَمَاتِ (الْحَصَادُ وَالْخَاتِمَةُ):
وَهِيَ الِاخْتِبَارُ النِّهَائِيُّ الَّذِي يُخْتَمُ بِهِ عَمَلُ ابْنِ آدَمَ، وَتَنْقَسِمُ إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ:
أَوَّلًا: فِتْنَةُ الِاحْتِضَارِ (عِنْدَ نَزْعِ الرُّوحِ):
هِيَ اللَّحَظَاتُ الْأَخِيرَةُ قَبْلَ خُرُوجِ الرُّوحِ؛ حَيْثُ يَشْتَدُّ الْكَرْبُ، وَيَحْضُرُ الشَّيْطَانُ لِيَغْتَنِمَ آخِرَ فُرْصَةٍ لِإِغْوَاءِ الْعَبْدِ، فَيُحَاوِلُ أَنْ يَصُدَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ أَوِ التَّوْبَةِ، أَوْ يَجْعَلَهُ يَسْخَطُ عَلَى قَضَاءِ اللَّهِ.
· الدَّلِيلُ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَعَوَّذُ فَيَقُولُ: «وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ» (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).
· قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: "هَذِهِ الْفِتْنَةُ تَكُونُ حِينَ يَعْرِضُ الشَّيْطَانُ عَلَى الْمُحْتَضَرِ الْأَدْيَانَ الْبَاطِلَةَ".
ثَانِيًا: فِتْنَةُ الْقَبْرِ (سُؤَالُ الْمَلَكَيْنِ):
وَهِيَ الِامْتِحَانُ الَّذِي يَقَعُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ دَفْنِهِ وَتَوَلِّي الْأَصْحَابِ عَنْهُ. فَيَأْتِيهِ مَلَكَانِ (مُنْكَرٌ وَنَكِيرٌ) فَيُجْلِسَانِهِ وَيَسْأَلَانِهِ:
1. مَنْ رَبُّكَ؟
2. مَا دِينُكَ؟
3. مَنْ نَبِيُّكَ؟
· الدَّلِيلُ: قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ... أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).
· حَقِيقَةُ الْفِتْنَةِ: أَنَّ الْجَوَابَ لَا يَكُونُ بِالتَّلْقِينِ وَلَا بِالْحِفْظِ، بَلْ بِالثَّبَاتِ وَالْإِيمَانِ.
o الْمُؤْمِنُ يَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِي الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ.
o أَمَّا الْمُنَافِقُ وَالْمُرْتَابُ فَيَقُولُ: «هَاهْ هَاهْ لَا أَدْرِي! سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَقُلْتُهُ» (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ).
الْخَاتِمَةُ: الْعَلَاقَةُ بَيْنَ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ:
لِمَاذَا جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَهُمَا فِي نَفْسِ الدُّعَاءِ؟
لِأَنَّ "مَنْ عَاشَ عَلَى شَيْءٍ مَاتَ عَلَيْهِ". فَالنَّجَاةُ فِي "فِتْنَةِ الْمَمَاتِ" مَرْهُونَةٌ بِالنَّجَاةِ فِي "فِتْنَةِ الْمَحْيَا".
فَمَنْ جَاهَدَ شَهَوَاتِهِ، وَحَصَّنَ عَقِيدَتَهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ فِي الدُّنْيَا، ثَبَّتَهُ اللَّهُ عِنْدَ السُّؤَالِ فِي الْقَبْرِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾.
اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، وَأَعِذْنَا مِنْ مُضِلَّاتِ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
المصدر: مدونة الشيخ زهير حميدات
https://zuhayr-humaydat.blogspot.com/2026/01/blog-post_11.html