كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى
خطبة الجمعة
للشيخ : زهير بن حسن حميدات
الخُطْبَةُ الأُولَى:
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا، وَلَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا. الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى، وَلَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاء. أَحْمَدُهُ -سُبْحَانَهُ- حَمْدَ مَنْ خَافَ مَقَامَهُ فَأَنَاب، وَتَذَكَّرَ يَوْمَ الْحِسَابِ فَاسْتَعَدَّ وَتَاب.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، الْمَلِكُ الدَّيَّان، مُنْزِلُ الْقُرْآن، وَخَالِقُ الْإِنْسَان، الْقَائِلُ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ مُهَدِّدًا الْغَافِلِين: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، الَّذِي تَرَكَنَا عَلَى بَيْضَاءَ نَقِيَّة، لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا مَنْ عَمِيَتْ بَصِيرَتُهُ، وَانْتَكَسَتْ فِطْرَتُه. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ كَانُوا لِآيَاتِ اللهِ تَالِين، وَلِحُدُودِهِ حَافِظِين، وَبِأَمْرِهِ قَائِمِين، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّين.
أَمَّا بَعْدُ،
فَيَا عِبَادَ الله..
اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُون، وَبَيْنَ يَدَيْهِ مَوْقُوفُون، وَعَنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ مَسْؤُولُون.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُون..
تَعَالَوْا بِنَا الْيَوْمَ نَرْحَلُ بِقُلُوبِنَا إِلَى "أَرْضِ الْمَحْشَر".. هُنَاكَ حَيْثُ تَتَكَشَّفُ الْحَقَائِق، وَتَظْهَرُ الْفَضَائِح، وَتُبْلَى السَّرَائِر.
فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ الرَّهِيب، بَيْنَمَا النَّاسُ يُحْشَرُون، إِذَا بِرَجُلٍ يُحْشَرُ عَلَى حَالَةٍ غَرِيبَةٍ مُفْزِعَة.. يُحْشَرُ "أَعْمَى"!
يَتَلَفَّتُ فَلَا يَرَى شَيْئًا، يَتَخَبَّطُ فِي مِشْيَتِهِ، قَدْ سُلِبَ نِعْمَةَ الْبَصَرِ فِي أَحْوَجِ اللَّحَظَاتِ إِلَيْهَا.
فَيَصْرُخُ هَذَا الْمِسْكِينُ مُنَادِيًا رَبَّه، مُسْتَغْرِبًا مِنْ حَالِه:
﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾.
يَا رَبِّ.. كُنْتُ فِي الدُّنْيَا حَدِيدَ الْبَصَر، أَرَى الطَّرِيق، وَأُمَيِّزُ الْأَلْوَان، وَأُبْصِرُ الْوُجُوه.. فَمَا بَالِي الْيَوْمَ لَا أَرَى شَيْئًا؟ لِمَاذَا حَلَّتْ بِي هَذِهِ الْعُقُوبَة؟
فَيَأْتِيهِ الْجَوَابُ الْمُزَلْزِلُ مِنَ الْجَبَّارِ جَلَّ جَلَالُه، جَوَابٌ يَخْلَعُ الْقُلُوب، وَيُفَسِّرُ سَبَبَ الْعَمَى:
﴿قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.
اللهُ أَكْبَر! "الْجَزَاءُ مِنْ جِنْسِ الْعَمَل".
كَمَا عَمِيتَ عَنْ آيَاتِ اللهِ فِي الدُّنْيَا، أَعْمَاكَ اللهُ فِي الْآخِرَة.
وَكَمَا نَسِيتَ أَوَامِرَ اللهِ فِي الدُّنْيَا، نَسِيَكَ اللهُ فِي الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَة.
يَا عِبَادَ الله..
لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِـ"النِّسْيَانِ" هُنَا أَنْ يَغِيبَ الشَّيْءُ عَنِ الذَّاكِرَةِ سَهْوًا؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُعَذِّبُ عَلَى السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ غَيْرِ الْمَقْصُود.
وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ بِـ"فَنَسِيتَهَا" أَيْ: "تَرَكْتَهَا عَمْدًا، وَأَعْرَضْتَ عَنْهَا، وَأَهْمَلْتَ الْعَمَلَ بِهَا".
يَقُولُ الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيرٍ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي تَفْسِيرِه: "أَيْ: صَدَدْتَ عَنْهَا، وَتَنَاسَيْتَهَا عَمْدًا، وَأَعْرَضْتَ عَنْهَا".
جَاءَتْكَ آيَاتُ اللهِ وَاضِحَةً بَيِّنَة؛ تَأْمُرُكَ بِالصَّلَاةِ، فَنَسِيتَهَا وَتَرَكْتَهَا!
جَاءَتْكَ آيَاتُ الْحِجَابِ وَالْعِفَّةِ، فَنَبَذْتِهَا وَرَاءَ ظَهْرِك!
جَاءَتْكَ آيَاتُ تَحْرِيمِ الرِّبَا وَالظُّلْمِ، فَتَعَامَيْتَ عَنْهَا وَأَكَلْتَ الْحَرَام!
جَاءَكَ الْقُرْآنُ يَأْمُرُكَ بِتَحْكِيمِ شَرْعِ اللهِ، فَأَعْرَضْتَ وَحَكَّمْتَ الْقَوَانِينَ الْوَضْعِيَّة!
عَاشَ هَذَا الْإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا وَكَأَنَّ اللهَ لَمْ يُنْزِلْ كِتَابًا، وَلَمْ يُرْسِلْ رَسُولًا. جَعَلَ الْقُرْآنَ مَهْجُورًا، وَجَعَلَ أَوَامِرَ اللهِ آخِرَ اهْتِمَامَاتِه.
كَانَ "بَصِيرَ الْعَيْنِ" فِي الدُّنْيَا، يَرَى الدِّينَارَ وَالدِّرْهَم، وَيَرَى مَصَالِحَهُ الدُّنْيَوِيَّة، لَكِنَّهُ كَانَ "أَعْمَى الْقَلْبِ" عَنِ الْحَقّ.
فَكَانَتِ الْعُقُوبَةُ الْمُنَاسِبَة: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُون..
إِنَّ "نِسْيَانَ الْآيَاتِ" لَهُ صُوَرٌ كَثِيرَةٌ فِي زَمَانِنَا، تَقْشَعِرُّ لَهَا الْأَبْدَان.
أولاً: هَجْرُ الْقُرْآنِ الْكَرِيم:
كَمْ مِنْ مُسْلِمٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ، بَلْ وَالْعَامُ الْكَامِلُ، وَمُصْحَفُهُ يَعْلُوهُ الْغُبَارُ، لَا يَفْتَحُهُ وَلَا يَنْظُرُ فِيه!
أَتَتْهُ آيَاتُ رَبِّهِ بَيْنَ يَدَيْهِ، فِي مَنْزِلِهِ، فِي هَاتِفِهِ، فَنَسِيَهَا! انْشَغَلَ بِكَلَامِ الْبَشَر، وَبِالرِّوَايَات، وَبِالْمَقَاطِعِ التَّافِهَة، وَنَسِيَ كَلَامَ رَبِّ الْعَالَمِين.
أَلَيْسَ هَذَا مَعْنِيًّا بِقَوْلِهِ: ﴿فَنَسِيتَهَا﴾؟
ثانياً: التَّهَاوُنُ بِالصَّلَاة:
يَسْمَعُ الْمُؤَذِّنَ يُنَادِي خَمْسَ مَرَّاتٍ: "حَيَّ عَلَى الصَّلَاة"، وَهُوَ غَارِقٌ فِي نَوْمِه، أَوْ سَاهٍ فِي لَهْوِه، أَوْ مُنْهَمِكٌ فِي تِجَارَتِه.
يَعْلَمُ أَنَّ اللهَ قَالَ: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاة﴾، فَيَتَنَاسَى الْأَمْرَ وَيُؤَخِّرُهَا عَنْ وَقْتِهَا.
هَذَا نِسْيَانٌ عَمَلِيٌّ لِأَعْظَمِ شَعَائِرِ الْإِسْلَام.
ثالثاً: اِتِّبَاعُ الْهَوَى وَتَرْكُ الشَّرْع:
عِنْدَمَا يَتَعَارَضُ حُكْمُ اللهِ مَعَ هَوَى النَّفْسِ، أَوْ مَعَ مَصَالِحِ الْبَنْكِ، أَوْ مَعَ "الْمُوضَةِ"، فَيَخْتَارُ الْعَبْدُ هَوَاهُ ويُعرِض عن النَّصِّ الشَّرْعِيّ.. هَذَا هُوَ نِسْيَانُ الْآيَات.
يَعْلَمُ أَنَّ الرِّبَا حَرَامٌ، فَيَقُولُ: "ضَرُورَاتُ الْحَيَاة"! تَعْلَمُ أَنَّ التَّبَرُّجَ حَرَامٌ، فَتَقُولُ: "حُرِّيَّةٌ شَخْصِيَّة"!
لَقَدْ تَنَاسَوْا أَنَّ لَهُمْ رَبًّا سَيُحَاسِبُهُمْ، فَعَاشُوا فِي الدُّنْيَا كَالْأَنْعَامِ، بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا.
وَمَا هُوَ الْعِقَابُ يَا رَبّ؟
﴿وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.
هَلْ يَنْسَى اللهُ عِبَادَه؟ حَاشَا لله! إِنَّ رَبِّي لَا يَضِلُّ وَلَا يَنْسَى.
وَلَكِنَّ الْمَعْنَى هُنَا: "تُتْرَكُ فِي الْعَذَاب".
يُعَامِلُكَ اللهُ مُعَامَلَةَ الْمَنْسِيّ. تَدْعُوهُ فَلَا يَسْتَجِيبُ لَك. تَسْتَرْحِمُهُ فَلَا يَرْحَمُك. تَبْحَثُ عَنْ مَخْرَجٍ فَلَا تَجِدُ بَابًا.
تَخَيَّلْ يَا عَبْدَ الله.. أَنْ تَكُونَ فِي قَعْرِ جَهَنَّم، تَلْفَحُ وَجْهَكَ النَّار، وَتُنَادِي: "يَا رَبِّ أَخْرِجْنَا.. يَا رَبِّ ارْحَمْنَا"، فَيُعْرِضُ اللهُ عَنْكَ وَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْكَ، كَمَا أَعْرَضْتَ عَنْ كِتَابِهِ فِي الدُّنْيَا.
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى لِأَهْلِ النَّار: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ ۖ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُون﴾.
"إِنَّا نَسِينَاكُم".. يَا لَهَا مِنْ كَلِمَةٍ تَهْتَزُّ لَهَا الْجِبَال! أَنْ يَقُولَ لَكَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ: إِنِّي نَسِيتُك! تَرَكْتُكَ لِلنَّارِ تَأْكُلُ مِنْ لَحْمِكَ وَعَظْمِك.
هَذَا هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين. هَذَا هُوَ الشَّقَاءُ الَّذِي لَا سَعَادَةَ بَعْدَه.
يُحْكَى أَنَّ أَحَدَ الصَّالِحِينَ دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ يَحْتَضِرُ، وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ مِمَّنْ أَعْرَضَ عَنِ الْقُرْآنِ، وَأَفْنَى عُمْرَهُ فِي الْحِسَابَاتِ وَالتِّجَارَةِ وَلَغْوِ الْحَدِيث.
فَقَالَ لَهُ الصَّالِحُ: "يَا فُلَانُ.. قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله".
فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنُوحُ وَيَبْكِي، وَأَخَذَ يُرَدِّدُ أَرْقَامًا وَحِسَابَات: "عَشَرَةٌ بِأَحَدَ عَشَر.. كَذَا رِبْحُ الْبِضَاعَة.. كَذَا ثَمَنُ الْأَرْض".
فَأَعَادَ عَلَيْهِ: "يَا فُلَانُ.. هَذِهِ لَحَظَاتُكَ الْأَخِيرَةُ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا الله".
فَنَظَرَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ نَظْرَةَ الْمَحْرُومِ وَقَالَ: "لَا أَسْتَطِيعُ قَوْلَهَا! لَا أَسْتَطِيعُ تَمْيِيزَهَا! أَنَا فِي سُوقٍ وَصَخَب!". ثُمَّ مَاتَ عَلَى تِلْكَ الْحَال.
نَعَم.. ﴿كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾.
عَاشَ نَاسِيًا لِلَّهِ، فَنَسِيَهُ اللهُ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِه، وَخَذَلَهُ أَحْوَجَ مَا يَكُونُ إِلَى التَّثْبِيت.
وَبِالْمُقَابِلِ، نَرَى مَنْ عَاشَ مَعَ الْقُرْآنِ، إِذَا نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، تَهَلَّلَ وَجْهُهُ، وَانْطَلَقَ لِسَانُهُ بِالذِّكْرِ، وَكَأَنَّهُ يَرَى مَقْعَدَهُ مِنَ الْجَنَّة.
وَلَا تَظُنُّوا أَنَّ الْعُقُوبَةَ مُؤَجَّلَةٌ لِلْآخِرَةِ فَقَطْ، بَلْ إِنَّ لِلْمُعْرِضِ عَنْ ذِكْرِ اللهِ عُقُوبَةً مُعَجَّلَةً فِي الدُّنْيَا، هِيَ "الْمَعِيشَةُ الضَّنْك".
قَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا﴾.
الضَّنْكُ: هُوَ الضِّيقُ وَالشِّدَّةُ وَالْقَلَق.
تَرَاهُ يَمْلِكُ الْمَالَ، وَالْقُصُورَ، وَالْمَرَاكِبَ، وَلَكِنَّ صَدْرَهُ ضَيِّقٌ كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاء.
لَا يَشْعُرُ بِالرَّاحَةِ وَلَا بِالطُّمَأْنِينَة. يَخَافُ مِنَ الْمُسْتَقْبَل، يَخَافُ مِنَ الْفَقْر، يَخَافُ مِنَ الْأَمْرَاض، يَخَافُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الله.
هَذَا هُوَ "الضَّنْكُ" النَّفْسِيّ، عُقُوبَةً لَهُ عَلَى هَجْرِهِ لِلذِّكْرِ وَالْقُرْآن.
أَمَّا الْمُؤْمِنُ الذَّاكِرُ، فَهُوَ فِي جَنَّةِ الرِّضَا، وَلَوْ كَانَ لَا يَمْلِكُ إِلَّا قُوتَ يَوْمِه.
أَيُّهَا الْمُؤْمِنُون..
إِنَّ الْأَمْرَ جِدٌّ خَطِير، وَالْمَوْقِفَ جَلَل.
إِنَّنَا جَمِيعًا نَخْشَى أَنْ نَقِفَ ذَلِكَ الْمَوْقِف: ﴿رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾.
فَالبِدَارَ الْبِدَار.. قَبْلَ أَنْ تُغْلَقَ الْأَبْوَاب، وَقَبْلَ أَنْ يَقُولَ الرَّبُّ: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُم﴾.
عُودُوا إِلَى كِتَابِ رَبِّكُم. أَحْيُوا قُلُوبَكُمْ بِذِكْرِ الله. حَكِّمُوا شَرْعَهُ فِي حَيَاتِكُم. لَا تَجْعَلُوا الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّكُمْ فَتُنْسِيَكُمُ الْآخِرَة.
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم.
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ الْقُرْآنَ نُورًا لِلْمُبْصِرِين، وَعَمًى عَلَى الظَّالِمِين. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، وَلِيُّ الصَّالِحِين. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُه، إِمَامُ الذَّاكِرِين. صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِين.
أَمَّا بَعْدُ،
فَيَا عِبَادَ الله..
قَدْ يَقُولُ قَائِل: "كَيْفَ أَنْجُو مِنْ هَذَا الْوَعِيد؟ وَكَيْفَ أَكُونُ مِمَّنْ لَا يَنْسَاهُمُ اللهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الْعَصِيب؟".
الْجَوَابُ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَة: "الذِّكْر".
ضِدُّ النِّسْيَانِ الذِّكْرُ. وَضِدُّ الْعَمَى الْبَصِيرَة.
أولاً: صِلَةٌ دَائِمَةٌ بِالْقُرْآن:
اجْعَلْ لِنَفْسِكَ وِرْدًا يَوْمِيًّا مِنَ الْقُرْآنِ لَا تَتَنَازَلُ عَنْهُ أَبَدًا، مَهْمَا كَانَتِ الظُّرُوف. اقْرَأْهُ بِتَدَبُّرٍ، وَافْهَمْ رَسَائِلَ اللهِ إِلَيْك. لَا تَكُنْ هَاجِرًا لِلْقُرْآنِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِين.
ثانياً: مُرَاقَبَةُ اللهِ فِي الْخَلَوَات:
تَذَكَّرْ أَنَّ اللهَ يَرَاك. مَنْ حَفِظَ اللهَ فِي خَلْوَتِهِ، حَفِظَهُ اللهُ فِي جَلْوَتِهِ، وَحَفِظَهُ يَوْمَ الْقِيَامَة.
ثالثاً: الْعَمَلُ بِمَا تَعْلَم:
لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ، وَلَكِنَّ الْعِلْمَ الْخَشْيَة. إِذَا عَلِمْتَ آيَةً، فَحَوِّلْهَا إِلَى عَمَل. إِذَا سَمِعْتَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ، فَإِمَّا خَيْرٌ تُؤْمَرُ بِهِ، أَوْ شَرٌّ تُنْهَى عَنْه.
الَّلهُمَّ اجْعَلْنَا مِمَّنْ حَفِظَ آيَاتِكَ وَعَمِلَ بِهَا، وَلَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ نَسِيَهَا فَنُسِي.
الَّلهُمَّ اجْعَلِ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قُلُوبِنَا، وَنُورَ صُدُورِنَا، وَجَلَاءَ أَحْزَانِنَا، وَذَهَابَ هُمُومِنَا وَغُمُومِنَا.
الَّلهُمَّ ذَكِّرْنَا مِنْهُ مَا نُسِّينَا، وَعَلِّمْنَا مِنْهُ مَا جَهِلْنَا، وَارْزُقْنَا تِلَاوَتَهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُرْضِيكَ عَنَّا.
الَّلهُمَّ لَا تَحْشُرْنَا عُمْيًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الْمُبْصِرِين، الْآمِنِين، الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون.
الَّلهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ أَنْ نَكُونَ مِنَ الْغَافِلِينَ الْمُعْرِضِين.
الَّلهُمَّ انْصُرِ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِين، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِين.
الَّلهُمَّ كُنْ لِإِخْوَانِنَا الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، الَّلهُمَّ إِنَّهُمْ قَدْ نَسِيَهُمُ الْبَشَرُ، وَلَمْ يَنْسَهُمْ رَبُّ الْبَشَرِ، فَكُنْ لَهُمْ عَوْنًا وَنَصِيرًا.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِين.
المصدر : مدونة الشيخ زهير حميدات
https://zuhayr-humaydat.blogspot.com/2026/01/blog-post_20.html