كَفَالَةُ دُيُونِ الْمَيِّتِ
بَيْنَ هَدْيِ السُّنَّةِ وَعَادَاتِ النَّاسِ
كتبه: الشيخ زهير بن حسن حميدات
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، وَمِنْ بَابِ الْأَمَانَةِ الْعِلْمِيَّةِ وَالتَّوَاصِي بِالْحَقِّ، أَكْتُبُ إِلَيْكُمْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ حَوْلَ مَسْأَلَةٍ نَرَاهَا تَتَكَرَّرُ فِي جَنَائِزِنَا، وَهِيَ: قيامُ إِمَامِ الْمَسْجِدِ -أَوْ مَنْ يَنُوبُ عَنْهُ- بِدَعْوَةِ أَقَارِبِ الْمَيِّتِ عَلَنًا أَمَامَ الْمَلَأِ لِكَفَالَةِ دُيُونِهِ، وَالزَّعْمُ بِأَنَّ هَذَا مِنَ السُّنَّةِ!
لَقَدْ سَبَقَ لِي أَنْ وَضَّحْتُ هَذَا الْأَمْرَ جَلِيًّا، مُسْتَنِدًا إِلَى الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، يَوْمَ وَفَاةِ وَالِدِي -رَحِمَهُ اللَّهُ- بِتَارِيخِ 6/7/2025؛ حَيْثُ بَيَّنْتُ لِلنَّاسِ حِينَهَا أَنَّ هَذَا الْفِعْلَ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ فِي شَيْءٍ، بَلْ هُوَ عَادَةٌ قَدْ تُخَالِفُ مَقَاصِدَ الشَّرْعِ. وَإِعَادَةً لِلتَّذْكِيرِ وَتَثْبِيتًا لِلْحَقِّ، أُلَخِّصُ لَكُمْ أَوْجُهَ الْمُخَالَفَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي النِّقَاطِ التَّالِيَةِ:
أَوَّلًا: لَيْسَ مِنْ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ إِحْرَاجُ الْأَقَارِبِ:
يَعْتَقِدُ الْبَعْضُ أَنَّ دَعْوَةَ الْأَقَارِبِ لِلتَّكَفُّلِ بِالدَّيْنِ "عَلَنًا" سُنَّةٌ، وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ. فَالنَّبِيُّ ﷺ لَمْ يَكُنْ يَقِفُ أَمَامَ النَّاسِ وَيُحْرِجُ أَقَارِبَ الْمَيِّتِ قَائِلًا: "تَعَالَ يَا فُلَانُ وَتَكَفَّلْ بِالدَّيْنِ" أَوْ "تَعَالَوْا يَا أَقَارِبَ الْمَيِّتِ وتكفلوا بديون الميت".
إِنَّمَا كَانَ سُؤَالُهُ ﷺ مُحَدَّدًا عَنْ مَالِ الْمَيِّتِ، فَيَقُولُ: «هَلْ تَرَكَ وَفَاءً؟» (أَيْ: هَلْ تَرَكَ مَالًا نَسُدُّ بِهِ دَيْنَهُ؟). فَإِنْ قَالُوا: "نَعَمْ"، صَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّدَادَ سَيَكُونُ مِنْ تَرِكَتِهِ.
أَمَّا مَا وَرَدَ فِي قِصَّةِ الصَّحَابِيِّ (أَبِي قَتَادَةَ) حِينَمَا تَكَفَّلَ بِالدَّيْنِ، فَقَدْ كَانَتْ مُبَادَرَةً شَخْصِيَّةً تَطَوُّعِيَّةً مِنْهُ، وَلَمْ يُجْبِرْهُ النَّبِيُّ ﷺ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَطْلُبْهَا مِنْهُ ابْتِدَاءً أَمَامَ النَّاسِ.
ثَانِيًا: الدَّيْنُ يُقْضَى مِنَ "التَّرِكَةِ" لَا مِنْ جُيُوبِ الْأَقَارِبِ:
مِنَ الْأَخْطَاءِ الشَّائِعَةِ إِلْزَامُ الْأَبْنَاءِ أَوِ الْأَقَارِبِ بِالسَّدَادِ مِنْ أَمْوَالِهِمُ الْخَاصَّةِ، بَيْنَمَا الْمَيِّتُ قَدْ تَرَكَ خَيْرًا (أَرَاضِيَ، عَقَارَاتٍ، أَمْوَالًا).
الْقَاعِدَةُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْمِيرَاثِ وَاضِحَةٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. فَالْأَصْلُ أَنْ يُسَدَّدَ الدَّيْنُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ أَوَّلًا قَبْلَ تَوْزِيعِ الْمِيرَاثِ. فَلِمَاذَا نُحْرِجُ الْقَرِيبَ لِيَدْفَعَ مِنْ مَالِهِ الْخَاصِّ وَلِلْمَيِّتِ تَرِكَةٌ تَكْفِي؟!
ثَالِثًا: خُطُورَةُ كَفَالَةِ الْمَجْهُولِ:
لَا يَصِحُّ شَرْعًا وَلَا عَقْلًا أَنْ يَتَصَدَّرَ أَحَدُ الْأَقَارِبِ -تَحْتَ ضَغْطِ الْمَوْقِفِ- فَيَقُولَ: "أَنَا مُتَكَفِّلٌ بِكُلِّ دُيُونِهِ"، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَهَا!
قَدْ يَكُونُ الدَّيْنُ بَسِيطًا، وَقَدْ يَكُونُ مَبَالِغَ طَائِلَةً! وَالْكَفَالَةُ فِي الشَّرْعِ عَقْدٌ، وَمِنْ شُرُوطِ صِحَّتِهِ الْعِلْمُ بِالْمَبْلَغِ. أَمَّا التَّكَفُّلُ بِمَجْهُولٍ فَهُوَ "غَرَرٌ" قَدْ يُوقِعُ الْكَفِيلَ فِي عَجْزٍ مَالِيٍّ، وَيُدْخِلُ الْوَرَثَةَ فِي نِزَاعَاتٍ نَحْنُ فِي غِنًى عَنْهَا.
رَابِعًا: سَيْفُ الْحَيَاءِ لَا يُحِلُّ الْمَالَ:
إِنَّ دَعْوَةَ النَّاسِ أَمَامَ الْجَمْعِ الْغَفِيرِ لِلتَّكَفُّلِ بِالدَّيْنِ فِيهَا نَوْعٌ مِنَ الْإِكْرَاهِ الْمَعْنَوِيِّ. وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ: "مَا أُخِذَ بِسَيْفِ الْحَيَاءِ فَهُوَ حَرَامٌ".
الْخُلَاصَةُ الشَّرْعِيَّةُ:
إِنَّ بَرَاءَةَ ذِمَّةِ الْمَيِّتِ تَكُونُ بِاتِّبَاعِ الشَّرْعِ لَا بِالْعَادَاتِ. وَالصَّحِيحُ الَّذِي نَدْعُو إِلَيْهِ هُوَ:
1. أَنْ يُعْلِنَ أَهْلُ الْمَيِّتِ قَائِلِينَ: "مَنْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْمَيِّتِ مِمَّنْ لَا نَعْلَمُهُ فَلْيُرَاجِعْنَا".
2. أَنْ يُبَادِرَ الْوَرَثَةُ لِسَدَادِ الدُّيُونِ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ وَعَقَارِهِ قَبْلَ قِسْمَةِ الْمِيرَاثِ.
هَذَا مَا بَيَّنَّاهُ لَكُمْ يَوْمَ وَفَاةِ وَالِدِنَا، وَهَذَا مَا نَدِينُ اللَّهَ بِهِ، حِفْظًا لِلْحُقُوقِ وَرَحْمَةً بِالْعِبَادِ.
رَحِمَ اللَّهُ مَوْتَانَا وَمَوْتَاكُمْ، وَجَعَلَنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ.
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
لَا تَنْسَوْنَا مِنْ صَالِحِ دُعَائِكُمْ