أحمد صقر السويدي
رحمه الله رحمة واسعة، فقد كان د أحمد بن محمد العليمي داعية عالما
منضبطا بحق جمع بين انضباط علم الحديث وهمة الداعية وحرقة المسلم
الملتزم ، ليس الذي أكتبه كتابة الملازم له ولكنها لقاءات متفرقة ومهام
مختلفة وزيارات متفرقة أنبأتني عن معدن نفيس قلما تجده في رجال العصر.
أكتب ليس اجلالا لقدره فلا أستطيع لقلة الملازمة ولكن دروس وعبر من
لقاءات شتى تنبئك عن معدن رجل أصيل زاده العلم والدعوة أصالة ووجاهة
وبهاء، لقيته في جامعة الامارات وأنا طالب وهو مدرس لمادة الحديث، لم يكن
لي شرف الجلوس على مقاعد الدراسة بين يديه، ولكن كانت بعض الدروس في
مجالس أهل الفضل.
الدراسة المبكرة بالمدينة المنورة ومصاحبته العلماء الكبار في الحرمين
وركب الدعوة والبحث والتدريس والتأليف والمحاضرات تركت فيه منبعا صافيا
لم ننهل منه كثيرا فإليك بعض الصور:
أولا: الهمة العالية:
· كان في عمله في مركز الانتساب الموجه برأس الخيمة مطلوب منه أن
يدرس بعض المساقات في المنطقة الغربية فربما قطع في المشورا الواحد ذهابا
وايابا ألف كيلو متر.
· تفرق للتأليف الساعات الطويلة في اليوم الواحد من الصباح حتى
الظهر فقط للتأليف خاصة في الفترة الذي منع فيها من التدريس في الجامعة.
· كنا على موعد ذات يوم في العاشرة صباحا وصل قبلها بساعة للمكتب
تم الاتصال بي طلبت منهم أن يعتذروا له بلباقة أنه وصل قبل الموعد بساعة
وأنا في الطريق وصلت سريعا بعد الترحيب والاعتذار له قال : لا أنا اعتقد
أن الموعد الساعة التاسعة. الغريب في الأمر أنه رحمه الله قبل هذا بأيام
قد أجرى عملية ليزر للشبكية في العين فقد أخذ مرض السكر منه كثيرا وحرصا
منه على الموعد خرج من أبوظبي يسوق هو السيارة وابنه بجانبه يقرأ له
لوحات الطريق، حضر قبل الموعد والقريبون تأخروا.
· كان يحرص على أن يقضي اجازته الصيفية في اليمن محاضرا ومدرسا
وداعية قطع بطون الأودية ورؤوس الجبال، كان له عندهم اجلال كبير جدا.
· صارحني يوما أنه يرغب في الانتقال للمدينة المنورة فسألته عن
السبب قال: لم ألق في هذا البلد من يأخذ عني العلم الا النزر القليل مع
التدريس النظامي في الجامعة فقط على عكس أهل اليمن لعلي أجد في المدينة
أفضل للتعليم والعلم ولكن سبق المرض إليه قبل تحقيق هذه الأمنية.
· عاجله مرض السكري سريعا ونال من جسده وبصره لكنه لم يقعده عن
الهمة العالية في البحث والتأليف والمحاضرات والسفر إلى اليمن سنويا في
الصيف خير دليل على هذه العطاء الذي نذر نفسه له .
ثانيا : الانضباط:
· كان أغير على مواعيده ووقته كثيرا جدا ألغى كثيرا من المواعيد
لأنهم تأخروا عليه عشر دقائق دعي لمجلس في الشارقة كان نقطة الالتقاء عند
الساعة التاسعة تأخر الناس عليه ثلث ساعة حرك سيارته متجها إلى رأس
الخيمة التي جاء منها قبل ساعة اتصلوا به كان قد قطع 5 كيلومترات فقط رفض
العودة لأنهم لم يحترموا الموعد.
· خرج من بيته في رأس الخيمة إلى مركز الانتساب الموجه ينتظر رجلا
من الفجيرة ليصطحبه معه تأخر الرجل عليه ثلث ساعة رجع إلي بيته كان الرجل
قد تبعه أدخل الدكتور سيارته للبيت فإذا بالرجل خلفه مباشرة اعتذر له
بسبب تحويلات الطريق قال له إن أحببت أن تتفضل بالدخول ضيفا أهلا وسهلا
وإلا أنت أخلفت الموعد فلن أذهب معك.
· رجع ذات يوم في ساعة متأخرة من الليل إلى رأس الخيمة الطريق ليس
فيه أحد وقف عند اشارة المرور فقد كانت حمراء وقفت بجانبه سيارة الشرطة
اشاروا عليه أن تحرك فليس في الشارع أحد أشار بيده نحو الاشارة الحمراء
أشاروا إليه أنهم سمحوا له بذلك فرفض تبعوه للمنزل يتأكدوا من هذا الرجل
هل صاحي أم سكران – كما قال لي بنفسه - عرف بنفسه ثم زجرهم عن مخالفة
الأوامر ولو كان الشارع ليس فيه أحد وهددهم بنقل تصرفهم هذا للمسؤولين
فاعتذروا له ، وحدث بهذا الأمر لجاره الضابط في ادارة مرور رأس الخيمة
بذلك وضرورة التزام الناس بالنظام فوعده خيرا.
· واعدته يوما بالزيارة الساعة الخامسة عصرا وصلت قبلها بعشر
دقائق، لم اطرق الباب ثم طرقت الباب عند الخامسة بالضبط، فأخبرته أني
وصلت قبلها بعشر دقائق، قال كنت تطرق الباب، قلت أنت علمتنا الانضباط
بالمواعيد، تبسم لذلك قال: لاباس أنا في البيت انتظرك.
ثالثا : مكتبته الشخصية :
· كان كثير القراءة يجلس في مكتبته الساعات الطوال لا يمل من
البحث والكتابة والقراءة عمل لها فهرسا خاصا به ، فقد بلغت مكتبه سقف
المنزل الطويل حتى أصبحت دورين سألته عن قيمة مكتبته المادية قال لو عرض
علي سبعمائة ألف درهم ما بعتها. فهي أغلي علي من كل شيء أنا أجمع هذه
الكتب من عقود.
· قال لي يوما أنه في رمضان يحب قراءة كتب السير الشخصية حتى أنه
قرأ بعض مذكرات علي الطنطاوي في رمضان.
· أحضرت له بعض الكتب التي كتبتها وبعض الكتب التي تأتيني هدايا
فطلب مني أن لا أقطع عنه هذه الهدايا وجعل ذلك واجبا في عنقي حرصت على
الوفاء له.
رابعا : قراءة القرآن الكريم
في السنوات الأخيرة قبل أن يثقل عليه المرض كان يعتكف في مسجد الظيت بين
المغرب والعشاء، أردت زيارته يوما فاتصلت به فطلبت أن ازوره بين المغرب
والعشاء قال أفضل أن تزورني العصر أو بعد العشاء فاعتذرت بسبب أن وقتي
وزدحم فقال : أنتظرك بين الصلاتين في البيت فعلمت أثناء المقابلة أنه قد
فرغ نفسه لقراءة جزئين من القرآن يوميا بين الصلاتين لا يواعد فيها أحدا
فاعتذرت له قال :اليوم تنازلت عن هذا الوقت لك.
خامسا : حديث من القلب لا يمل:
لا اذكر في مجلس علم أو زيارة خاصة أو لقاء عمل أن مللت حديثه أو ثقل
السماع عنه كان حديثا يخرج من قلب واع وفكر عميق وصدق نية وسهولة لفظ من
غير تكلف في اللفظ أو الفكر يرده منبعه الصافي الأصيل " والحكمة يمانية
".
يذكيك علما لا يغادر قلبك من فقه محكم وأصول متينة وقصص فيها عظة وعبرة،
تتعجب كيف جمع هذه القصص المعاصرة في حياته ناهيك عن ما حواه من قصص
السلف الصالح. صدق الله العظيم " وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ
أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً "
سادسا : الوداع الأخير:
نعلم أن ما عند الله خير لعبده المؤمن من الدنيا وما عليها ولكنه فراق
الأحبة ودرب يمضي فيه الأصاغر والأكابر من مضى قبلك يحزنك ونقول تأسيا
برسول الله "إن العين تدمع والقلب يحزن ، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا ،
وإنا بفراقك يا شيخ أحمد لمحزنون" .
انقر فوق
http://groups.google.com/group/yanabeea/web/%D9%84%D8%B9%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A+%D8%A7%D9%84%D8%B0%D9%8A+%D8%B9%D9%84%D9%85%D8%AA+%D9%88%D8%B1%D8%A3%D9%8A%D8%AA
- أو قم بنسخها ولصقها في شريط عنوان المتصفح الخاص بك إذا لم يفلح ذلك.