كان الأمير مصطفى ولي عهد والده عندما كان حياً وكان له ثلاثة أخوة أمراء منافسين هم الأمير بايزيد والأمير جيهانكير و الأمير سليم. وكان الصدر الأعظم وزوجة السلطان خرم سلطان يميلون لتولية الأمير بايزيد الحكم -وحسب بعض المؤرخين السلطان نفسه-. أما الحرم السلطاني وسكان قصر الحكم كانوا يميلون لجيهانكير لأنه كان مقيماً فيه ولا يتقلد أي وظيفة في أي ولاية من ولايات الدولة. ولم يكن أحد يفكر في الأمير سليم لأنه كان يعيش حياة لهو في ولايته التي يحكمها. وبالنسبة للأمير مصطفى فقد كان السلطان والجيش والعلماء يفضلونه.[1]
كان مصطفى الابن الوحيد لوالدته السلطانة مهدفران. وبقية أخوته من زوجة أبيه السلطانة خرم. وكان هذا سبباً كافياً لإشعال الفتنة بدأت السلطانة خرم زوجة والده والصدر الأعظم رستم باشا زوج أخته الذي قام بإشعال نار الفتنة وكانت غايته هي تولية الأمير بايزيد لذا كان يجب عليهم لتحقيق غايتهم تصفية مصطفى فقام مع زوجته ومع خرم والدة بايزيد بتدبير خطة لغايتهم واستعانوا بموضوع سياسي خطير بالنسبة للدولة وهو تشيّع الأناضول. في ذلك الوقت كان السلطان سليمان قد جهز جيشاً بقيادته للتوجه نحو إيران وكانت قد انتشرت شائعات وأقاويل بحق السلطان سليمان أنه تقدم في العمر ونهك جسده ولا يستطيع الخروج إلى أي غزوة وأن الأمير مصطفى كان يتهيأ للجلوس على العرش ولكن رستم باشا حال دون ذلك والحقيقة أن الأمير مصطفى قد تجاوز الأربعين وهو في مقدمة الأمراء من ناحية العلم والبطولة كما أن الجيش والشعب يحبانه وقام بعض الحمقى عن حسن نية وبعضهم عن سوء نية بإيصال هذه الأقاويل إليه وحاولوا دفعه إلى العصيان. على إثر هذه الشائعات نقلت شبكات الفساد هذه الأخبار إلى السلطان سليمان مفادها أن الأمير يتواصل سراً مع شاه إيران وأنه اتفق معه أن يتزوج بنته وينقلب على والده السلطان وأقنعوه بهذا وعندما سمع السلطان سليمان بهذا الموضوع لأول مرة نهرهم وأجابهم وقال:
كانت الرسائل المزورة والدسائس الأخرى التي رتبت حول هذا الأمر أقنعته في النهاية بخيانة ابنه وعندما تهيّأ السلطان للحرب الثالثة مع الدولة الصفوية أراد مصطفى الأمير الاشتراك مع والده في هذه الحرب وجمع ما يقارب ثلاثين ألف جندي من أطراف قونية اعتقد السلطان سليمان أن ابنه جمع هذا الجيش ضده وللانقلاب عليه و لأن السلطان سليمان لم يطلب أي إمدادات من أماسيا. استحصلت فتوى من شيخ الإسلام أبو السعود أفندي مفادها أن الأمير أعلن العصيان ضد الدولة ولم تصدر هذه الفتوى مطابقة للأصول .
وأثناء استقرار جيش سليمان في إيريجلي لفترة من الوقت عرض رستم باشا على مصطفى الانضمام إلى جيش والده. وفي الوقت نفسه قام رستم باشا بتحذير السلطان سليمان بأن مصطفى كان قادما لقتله. قبل مصطفى دعوة رستم باشا وجمع جيشه للانضمام إلى والده. رأى سليمان هذا بمثابة تهديد.
ولقد كانت الرسائل المزورة والدسائس الأخرى التي رتّبت حول هذا الأمر أقنعت السلطان سليمان القانوني في النهاية بخيانة ابنه وأمر بإعدامه.
لم يكن الأمير مصطفى راضيا عما حدث في الأيام الثلاثة الفائتة وبالرغم من توتر العلاقات بينه وبين أبيه في الفترة الأخيرة إلا أنه كان يرفض مواجهته حرصا على مشاعر الحب التي يحملها له لكن قائد جيوشه أكد له أن رسالة السلطان الأخيرة التي أمره فيها بالحضور لمعسكر الجيش المتوجه لإيران تحمل في طياتها حكما بالإعدام بعدما وشى به الوشاة عند والده وعكروا صفو العلاقة. عارضهم كثيرا وأبى أن يجبر أباه على التنازل على العرش لكنهم أنبأوه بأن بقاء الدولة العلية واستعادتها لأمجاد الماضي يستلزم منه قرارا حاسما يُنحي العاطفة جانبا ويستمع لصوت العقل.
تطورت الأمور بعد ذلك بعدما رفض السلطان وجنوده الاستسلام ودارت معارك دامية راح ضحيتها السلطان ومات على أثرها الأمير جيهانكير المحبب والأكثر قربا من مصطفى. وحين استتب الأمر لمصطفى أوعز إليه رجاله بقتل بايزيد وسليم حتى لا ينازعاه العرش فتغرق الدولة في صراعات داخلية تشغله عن إنفاذ الجيوش لدحر الأعداء المتربصين بالدولة وتقف سدا منيعا أمام رحلة البناء التي يعتزم مصطفى السير فيها قدما لإعادة الدولة كما كانت عليه في عهد أجداده.
كانت وفاة السلطان مصطفى مفاجئة وكان رحمه الله سلطان عادلا قويا فلم يسمح للحريم بالتحكم في السلطة أو التخطيط لمستقبل السلطنة من بعده كما أن أولاده كانوا أمراء أشداء تربوا تربية رشيدة وتلقوا تدريبات عسكرية ممتازة جعلتهم جميعا مؤهلين لاستلام العرش. لكن يبقى البشر بشرا مهما تربت النفوس وسمت الأخلاق فبمجرد أن ارتقى الأمير محمد ابن مصطفى العرش ونادى به الناس سلطانا بدأت الصراعات وتصدرت الخلافات المشهد. نازعه أخيه عثمان الأمر في البداية ثم انضم مراد إليهما وصار لكل منهم أنصاره ورجاله. أفتى شيخ الإسلام -كعادته- بجواز أن يتخلص السلطان محمد من إخوته لكن مراد كان أسرع دس السم لمحمد وقتل إبراهيم وسليمان وتبقى له عثمان الذي تولى العرش بعد مقتل محمد.
خمس سنوات كاملة من الصراع أتت على الأخضر واليابس ثارت النمسا وأهلها وحرروا فيينا وقاتل الصرب في بلجراد حتى استولوا عليها وعاد الأسطول العثماني من طنجة خائبا بعد أن قهره الأسبان فهزموه وطردوه واحتلوا كامل الشمال الأفريقي حتى وصلوا إلى بنغازي. في هذه الأثناء كانت أحوال الدولة الداخلية أسوأ حالا اطلق السلطان عثمان يد الصدر الأعظم في البلاد لضبط الأمن فعاث فيها الفساد عانى الرعية من كثرة الضرائب المفروضة بعد نفاذ خزينة الدولة نتيجة خروج الكثير من الأراضي من سيطرتها وبعد توقف الفتوحات وانعدام الغنائم وما ترتب على ذلك من تذمر الإنكشارية وتعديهم على أموال الشعب.
ثم جاءت رحمة الله ومات عثمان واستتب الأمر لأخيه مراد الذي استلم دولة متهالكة حاول مراد في البداية أن يبث فيها الروح مرة أخرى فكان أن جهز الجيوش لاستعادة الأراضي المفقودة أملا منه في أن يكون ذلك ترياقا للإمبراطورية التي صارت أوروبا تنعتها بالرجل المريض حاول وبدا أنه قد نجح فعلا في التعافي مما ألم بها جراء صراعاته مع أخيه لكن تأخر مراد في الإنجاب شكل حاجزا أمام الاستمرار في التعافي فقد انصب كل تفكيره في الأعوام التالية على ضرورة إنجاب وليا للعهد يستكمل مسيرة بني عثمان التي بدأت قبل ثلاثة قرون. انهمك مراد في البحث عن ضالته في الحرملك وبدأ يهجر الديوان وأمور الدولة ولما بدا له أن حلم ولي العهد صار صعب المنال انغمس في الشرب وأصبح لا يستيقظ إلا سويعات قليلة.
كانت هذه اللحظات من عمر الدولة بالطبع هي الأنسب لأي طامع في الانقضاض على العرش والفتك بإمبراطورية بني عثمان وهو ما قد كان. جهز محمد جيراي أحد خانات القرم التابعة للدولة العثمانية جيشا واتجه به إلى اسطنبول لم يصمد الإنكشاريون الذين ذبلت مهارتهم العسكرية بعد الابتعاد عن المعارك فترة طويلة وانهزموا هزيمة نكراء أمام تتار القرم. دخل جيراي قصر توبكابي في الثالث من مارس 1582 وقتل كل أفراد السلالة العثمانية ونودي به سلطانا على أراضي الدولة العلية.
03c5feb9e7