(عندما أسمعه ينتابني شعور طاغ بأني أستطيع المستحيل ولا يعجزني شيء ويتضاءل عدوي أمامي) هكذا عبر أحد الجنود عن تأثير سماعه. إنه الزامل ذلك الفن الضارب بجذوره في أعماق التاريخ وامتداد الجغرافيا في اليمن وبعض مناطق الجزيرة العربية بتأثيره السحري الذي ما بعده تأثير.
كانا صديقين وزميلي دراسة لا يفترقان يقضيان معظم الوقت مع بعضهما بين المدرسة والنادي وطرق القرية إلى أن كان يوم تناول أحدهما سلاح (الشميزر) فضولاً وتجريباً عندها انطلقت رصاصة جعلت من الصديقين قتيلاً وقاتلاً في لحظات إنها كارثة وحلت على القرية ولن تطيب النفوس إلا بقصاص وصل والد القاتل إلى بيت والد القتيل مسلماً له ولده القاتل منشداً زامله الشهير:
الفرق بين الزامل والشعر الشعبي أن الشعر قد تكون معانيه مبطنة أو كما يقال المعنى في بطن الشاعر لكن المعني في الزامل واضح المعنى لا يحتمل لبساً والزامل وليد اللحظة يتم ارتجاله في الحال بصورة مباشرة وأبياته بليغة وعباراته مكثفة ومحكمة المبنى والمعنى ويصاحب الزامل رقصات البرع التي تؤدى بشكل جماعي على دقات الطبول والمرافع وأصوات الشبابة أو القصبة المزمار ويسمى: زامل وراجز وهاجل ومهيد وغيرها من الأسماء وللزامل بحوره الخاصة منها البحر الطويل والبحر الخفيف أو السريع.
ومن المعتاد أن يقف فريقان متقابلان فيبدأ (البدّاع) وهو من ينظم الزامل وبجواره (الزمّالة) وهم من يرددون الكلمات ليلقي أبياته ومباشرة يتلقفها بدّاع الفريق الثاني فيرد على نفس البحر ويردد من خلفه الزمّالة وعلى اختلاف الموقف أو الموضوع. ويتكون الزامل من بيتين شعريين ويؤدى بصورة جماعية ومجالاته متعددة فهو حاضر أثناء الحرب والسلم وفي حل النزاعات القبلية ومناسبات الأعراس وتبادل الزيارات والتهاني وفي العديد من المظاهر الاحتفالية الأخرى.
وقد عاد الزامل ليتصدر الفنون الشعبية للحد الذي معه تسمعه في كل مكان وعبر موجات الأثير ومثله عادت الشيلات للتصدر أيضاً بشكل لم يسبق له مثيل ويمكننا من خلال تصفح سريع للإنترنت أن نلاحظ عدد مرات الاستماع والتنزيل للزوامل والشيلات من المواقع المتخصصة واليوتيوب كما أصبح لها صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي ويمكن القول: إن الشيلات والزوامل مسميان مترادفان لذات الفن الشعبي مع اختلاف الألحان.
تنتشر الشيلات في مناطق مأرب والجوف وصعدة والبيضاء ويافع وشبوة وحضرموت ومناطق عديدة في الجزيرة العربية وهي مرتبطة بالبادية وتنظم على البحور الرزينة كالمتدارك والرمل والمديد والكامل والزجر والتي تتناسب مع حركة الهجن والخيل.
نريد استخدام ملفات تعريف الارتباط التحليلية المخصصة لمساعدتنا على تحسين موقعنا. اقرأ المزيد في بيان ملفات تعريف الارتباط
في إحدى الليالي المقمرة قبل ثلاث سنوات من هذه الليلة التي تشبهها تماما وأن اختلفت معها بالمكان مضى زمن لا بأس به عندما استمعت فيها مع مجموعة من الشبان وهم يمضغون القات على انفراد المسجل mp3 وهو يصدح في جو فسيح تحت أشعة القمر الفضية بالزوامل.
تعود هؤلاء على ذلك المكان وفي خاطر كل واحد منهم مشاريعه ومستقبله كانت الحرب قد وقفت من جانب واحد باتفاق السويد والتزم بها جانب واحد فيما الأخبار والبطولات والباروت والانضمام لم يفارق حديثهم وصوت المسجل يرتفع بزوامل إذ كانت يومها الزوامل في أوج انتشارها بين الناس قاطبة كونها لوناً جديداً أضيف لأغاني المستقبلين منذ انقلاب الحوثيين على السلطة في صنعاء.
الزوامل بشقها الحوثي ودعائها إلى الموت لكن تقبلته الجماهير كلون طغى بالوسط وسيفقد بريقه هذا ذات يوم كما الأغاني التي تشتهر وسرعان ما تضمحل ويعزف عنها الناس كمزاج عام ينتشر ويرغب به الناس بعضهم القمر كأنه يعوف (يكره) الموت أيضا كلما سمع زاملا توارى خلف الغيوم التي تهب من الجنوب إلى الشمال تحجب عن الأرض أشعته وسرعان ما يعود بضوئه الفضي كلما سمع أغنية وموسيقى تدعو إلى الحياة والعيش والحب.
كان مسجل الشباب فوضويا فيما يبث منه أغان يمنية وطرب وأيوب وأبو بكر وراشد وهيفاء واليساء زامل هنا وخمس أغان مبعثرة زامل لمقاومة مأرب وآخر حوثي نانسي أبو حنظلة وأغان أخرى ذوق فوضوي حقاً هنا ولكنه على الأغلب يعطي لمن يسمعه نوعاً من تخديرة يمُنّي نفسه بها منذ ظهر اليوم نقاش عام بطولات أقرانهم فيمن التحقوا بالمقاومة والقوات المشتركة مبدين استغرابهم من شاب آخر رفض أن ينضم لحراسة موقع في مناطق مستقرة لينضم إلى الجبهة ويقاتل كرجل ويعيش وهج المعارك ورائحة الباروت.
في الأغلب كانت الزوامل تنتشر وتدب في الذوق العام كلون جديد انتهت لمتهم القمر عاد من حيث طلع بعد أن توارى خلف السحاب ونامت القرية.
ثلاث سنوات مضت على ذلك الذوق العام للزامل توارى كما يتوارى هذا القمر الهابط رويدا في عمق البحر وأصبح اللون المفضل هنا أو هناك أو محركات البحث على قنوات اليوتيوب الشيلة السعودية الأشهر هذه الأيام سواء في المخا أو عموم اليمن بدر أبو حنظلة ونادر وآخرون.
استبدلت الجماهير الزوامل بشيلة بدر العزي وحظيت بانتشار واسع وقبول عام الباصات تسمعها تصدح بالشوارع والفرزات وحالات الوتس ومنصات التواصل وأغاني المناسبات والأفراح صديقي المتأخر نوعاً ما عن الجماهير وصلته أغاني بدر وأصبح في كل يوم يسمعها بعد الغداء كتحلية لما أكل.
لم أفكر أن تكون معركة العرب بهذا الشكل أو لكنت سباقاً لتأليف أغنية أو تعلم العود فهنا أي وسيلة قد تساعدنا في دحر دعاة الإرهاب انتصار قبلي للنضال الوطني والعربي ككل اليوم شيلات بلون سعودي تغرق الذوق العام العربي قبل اليمني ويساعد ذلك في الكبح من انتشار زوامل الموت تخيل معركة ظل هذا الكهنوت يستمد منها كل هجمة ودعوة للقتل لليمنيين أن تتوارى خلف شيلة بطعم سعودي ولون خليجي كأنها لخصت معركتنا الوطنية أن ثمة انتصارا نستمده من الأشقاء حتى ولو كانت شيلة تناسب الجماهير وتسبب عزوفهم عن صراخ الليث.
نصر آخر ينتشر خليجياً شيلات متنوعة.. وللقمر أن يخلد الليلة دون أن يتوارى خلف السحب فثمة مسجل باص يصدح من جانب الشاطئ بشيلة تطرب من فيه من شبان لهم طموحهم ومعركتهم وذوقهم وربما عشيقات أشعلت لهيب صدورهم بما حملته شيلة "يا ليلي من الهواء والشوق كيف أنه.. يسهرني يعنيني يبكيني".
03c5feb9e7