الخَطُّ العُثْمَانِيّ أو الرَّسْمُ العُثْمَانِيّ. ويُسمّى هكذا بسبب أنهُ كُتب أول مرةٍ بالمدينة المنورة في عهدِ الصحابي والخليفة عثمان بن عفّان وكان هو أول من أمر بنسخ القرآن وتدوينه. ذهب بعض العلماء إلى أن الرسم العثماني للقرآن توقيفي يجب الأخذ به ونسبوا هذا التوقيف إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- وذهب البعض الآخر من العلماء إلى أن الرسم العثماني ليس توقيفيًا عن النبي محمد عليه الصلاة والسلام إنما هو اصطلاح تَلقَّتْهُ الأُمة بالقبول وتوارثته بعد أن ارتضاه عثمان بن عفان والصحابة. والأُمة ما زالت إلى اليوم تُحافظ على هذا الرسم في كتابة المصحف ونشره لأن هذا الالتزام سنة متبعة لا ينبغي تجاوزها لأسباب منها:
والذي يعتاد القراءة في المصحف سرعان ما يألف ويفهم الفوارق الإملائية بالإشارات المرسومة على الكلمات ويدرك أّن الصعوبة التي تواجهه في قراءة المصحف أول الأمر تتحول بالمراس بعد فترة قصيرة إلى سهولة تامة.
بقيت المصاحف العثمانية خالية من الشكل والإعجام. وكان الصحابة لفصاحتهم وسلامة سليقتهم - لا يحتاجون إلى شيء من ذلك حتى اتّسعت رقعة الدولة الإسلامية اتساعًا عظيمًا واختلط العرب بالأعاجم وأصبح العالم الإسلامي ضخمًا يموج بمختلف الأجناس فضعفت السليقة وشاع اللحن ودعت الحاجة لضبط القرآن بالشكل والحركات.
عهد الإمام علي بن أبي طالب إلى أبي الأسود الدؤلي للقيام بهذه المهمة وهو أهل لذلك لأنه من وجوه التابعين وفقهائهم ومحدثيهم فكان أول من وضع النقط في المصاحف لتصوير حركات الإِعراب. وانتهى به اجتهاده أن اتّخذ علامة الفتحة نقطة فوق الحرف وجعل علامة الكسرة نقطة أسفله. أما علامة الضمة فقد وضعها نقطة بين أجزاء الحرف وجعل علامة السكون نقطتين.
وتوالت علامات ضبط الكلمات بالشكل إلى أن عهد عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف بإيجاد طريقة أدق في ضبط الكلمات فطلب الحجاج من الحسن البصري ويحيى بن يعمرالعدواني شكل المصحف فوضع هذان العالمان شكلًا جديدًا. وهو ما درج عليه الناس من قرون حتى يومنا هذا من علامات الفتحة والضمة والكسرة والسكون. وبقيت النقط على بعض الحروف. وسمى العلماء الحرف الغير منقوط مُهْمَلًا وسموا الحرف المنقوط مُعْجَمًا.
إن الصحابة والتابعين لما كتبوا المصحف كانت مصاحفهم مجردة من النقاط والحركات ولما كانت الهمزة تتكرر في المصحف احتاجوا إلى طريقة لتثبيتها واستعاروا لها شكل ما تؤول إليه في تخفيفها تنبيهًا على توسعهم فيها.[2]
الهمزة إما أن تكون ساكنة أو متحركة فأما الساكنة فتقع من الكلمة وسطًا وطرفًا وترسم في الموضعين بصورة الحرف الذي منه حركة ما قبلها لأنها به تبدل في التخفيف نحو: البأس وجئت المؤمنون اقرأ ونبئ ولؤلؤ.[3][4] الهمزة المتحركة تقع من الكلمة ابتداءً ووسطًا وطرفًا. فأما التي تقع ابتداءً فإنها ترسم ألفًا نحو: أخذنا وإبراهيم وأوحي وكذلك حُكمها إن اتصل بها حرف دخيل زائد نحو: سأَصرف. وأما التي تقع وسطًا فلها ثلاثة أحوال:
وأما التي تقع طرفا فأنها ترسم بصورة حركة الحرف الذي قبل الهمزة لأنها بها تخفف لقوته نحو: بدأ وقرئ وامرؤا وإن سكن ما قبلها لم ترسم لها صورة نحو: المرء. فهذا قياس رسم الهمزة في جميع أحوالها وحركاتها وقد جاءت حروف في الرسم خارجة عن ذلك لمعان.[5][6][7]
عندما كتب الصحابة القرآن وافقوا الرسم القياسي الإملائي في أغلب قواعده وجاء اختلافهم في اليسير منها كزيادة بعض الأحرف وقد علل العلماء ذلك بعلل منها: ليكون رسم المصاحف مميزا ولا يكون الأخذ إلا منها فلا يهتدي المرء إلى تلاوة القرآن إلا بطريق العرض والمشافهة أو للدلالة على وجه من أوجه القراءات أو أن زيادة الألف في الفعل لأن الفعل أثقل من الاسم وغير ذلك من العلل كلها لا تعد أن تكون ظنية ولكن الشيء الوحيد الذي يمكن التسليم به: أن المصحف كتب هكذا لحكمة لم نفهمها وإشارة لم ندركها.[8][9]
خلف طاولة خشبية صغيرة امتلأت بالأقلام الملونة وتناثرت عليها الأوراق البيضاء المخطوطة ووُضعت تحت نسخه من القرآن الكريم ينهمك الفلسطيني محمد عمر (54 عاماً) في إنهاء "حلم عُمْره" الذي شارف رؤية النور بعد شهور طويلة من التعب والمعاناة.
عمَر الذي عمل مدرساً للغة العربية على مدار خمسة وعشرين عاماً وساعده جمال خطه وإجادته الكتابة بأكثر من خط يقترب كثيراً من إنجاز مشروع حياته بنسخ القرآن الكريم كاملاً بالرسم العثماني بخط يده والذي يعجز أمهر الخطاطين عن إنجاز هذه المهمة الشاقة.
وداخل مسجد "طيبة" المجاور لبيته في "الحي السعودي" جنوبي قطاع غزة وبعد أداء الصلوات الخمس يأخذ عمر ركناً صغيراً له بالمسجد ويُخرج أوراقه وأقلامه من حقيبته السوداء ويبدأ باستكمال رسم وتخطيط طريق حلمه حرفاً وراء حرف وكلمة بجانب أختها.
ويقول الخطاط عمر الذي يعد من أول الخطاطين على مستوى فلسطين والعالم العربي الذين يقومون بهذه المهمة الشاقة إنه عازم على تحقيق حلمه بنسخ القرآن الكريم كاملاً يدوياً بالخط العثماني الصعب رغم التعب الكبير الذي رافقه طوال الشهور الأولى التي بدأ فيها يرسم ملامح حلمه الكبير.
ويشير إلى أن خطه الجميل وإلمامه الكبير بالخطوط العربية والإسلامية منها "الديواني والعثماني والكوفي والعربي" كان دافعاً قوياً للبدء بخطوته الأولى نحو حلمه الذي راوده منذ سنوات طويلة بنسخ القرآن الكريم بخط يده رغم الظروف القاسية التي تعيشها غزة من حصار وانقطاع دائم للتيار الكهربائي.
ويتابع الخطاط عمر وهو منهمك بتشكيل بعض الآيات القرآنية من سورة "النساء": "اخترت المسجد ليكون مكاني في نسخ المصحف الشريف وبعد انتهائي من الصلاة أقوم بمهمتي اليومية وتجهيز أدواتي لاستكمال عملية نسخ وتشكيل ما يتيسر من السور الكريمة".
ويستخدم عمر أنواعاً خاصة من الأقلام السائلة والجافة والحبر وكذلك الأوراق التي ينسخ الآيات الكريمة عليها وتشكيل حروفها وحركاتها وضوابطها بطريقة معقدة تحتاج للكثير من التركيز والصبر يصعب على المواطن العادي تقليدها.
ويوضح أن الخطوة الأولى من مشروع حلمه بنسخ كتاب الله قد بدأت في شهر أكتوبر من العام الماضي وكانت على ساعات متقطعة حسب الظروف المتاحة لكن خلال شهر رمضان المبارك ارتفعت الهمة وارتفعت معها ساعات العمل والمثابرة على استكمال المشروع لافتاً إلى أن نسخ صفحة واحدة من القرآن الكريم يستغرق ساعات طويلة ويحتاج لتركيز ودقة كبيرين.
"كتاب الله العظيم مكتوب بأسهل وأجمل أنواع الخطوط وهو خط النسخ العربي وأنا أقوم بنسخ هذا الكتاب بالخط العثماني المعقد جداً والصعب والذي يحتاج الكثير من الصبر والتركيز والدقة الشديدة لكون هذا النوع من الخطوط له تشكيلات وضوابط للحروف والكلمات مخالفة تماماً لكل أنواع الخطوط الأخرى وأكثر صعوبة" يكمل عمَر حديثه.
03c5feb9e7