كتاب الآثار الباقية عن القرون الخالية هو كتاب ألفه العالم المسلم أبو الريحان البيروني ويحتوي على تاريخ نظم الجماعات والطوائف المختلفة وعاداتهم وتقاليدهم.[2] ويؤرخ المؤلف لبعض الموضوعات الهامة في تاريخ الأمم. لذلك عنى بتقسيمه إلى فصول عدة جاءت مواضيعها وفقاً للتدرج التالي: فصول في ماهية اليوم بليلته ومجموعهما وابتدائهما وفي ماهية ما يركب منها من الشهور والأعوام عند الأمم القديمة المختلفة وفي اختلاف الأمم حول شخصية ذي القرنين وأسماء الشهور واستخراجها من بعضها وتواريخ الملوك وحدد ملكهم كما بحث المؤلف في كتابه هذا في الأدوار والتقوفات وألقاب ملوك الأمم وأسماء الكواكب والأعياد والمتنبئين عند أمم مختلفة كما خصص فصولاً للصوم ومنازل القمر والفصول والرياح وأسواق العرب علاوة على جداول تفي بالغرض لمن يريد التعمق في أبحاث معينة.[1]
This article searches the efforts of a Muslim scholar called Abu al-Rayhan Albiruni (D440) in the study of religions and presents his contribution to study and criticize the Jewish and Christian religions. The reasons for choosing this work is the importance and the value of the historical and religious informations that he has given about the two communities, and many of them are not found in other sources of the history of religions that have been written by Muslims.
In addition, his usual scientific approach to the study religions was considered as rare and pioneer, because he adopts the approach of the description and eyewitness, and it also upholds the objectivity and the learning of reliable sources and books, often in the mother tongue.
علاوة على ذلك لابد من الإشارة إلى كون البيروني في مقاربته للديانتين اليهودية والنصرانية نحا منحى آخر وجرى بحثه مخالفًا لمن سبقه من العلماء حيث لم تركز دراساته على نقد الجوانب العقدية والتعبدية في الديانتين أو نقد الكتاب المقدس بشقّيْه بل ركزت على الطقوس والأعياد والاحتفالات والتواريخ التي عليها أهم الطوائف المنتسبة للديانتين الكتابيتين وهذا عمل نادر في كتابات المسلمين الذين قارنوا الإسلام بغيره من الأديان. وأتصور أنه من الأهمية بمكان أن نجلِّي هذه الجوانب التي لم تسلَّط عليها الأضواء كثيرًا في الدراسات والأبحاث التي تعنى بمقارنة الأديان.
وما دُمت أعرض لرؤية البيروني لتلك الجوانب في الديانتين اليهودية والنصرانية فحسب فقد انتهجت المنهج الوصفي أساسًا وأحيانًا ألجأ إلى التحليل أو النقد من خلال توضيح مكامن الضعف في مقاربة البيروني للديانتين أو التنبيه على بعض الاستدراكات بالتعقيب ولم أعتمد منهج المقارنة لكون المقام في هذا المقال لا يسمح بالبسط والوسع.
وعمومًا فإن هذا البحث يشمل مقدمة وثلاثة مباحث في المبحث الأول عرضت لرؤية البيروني لليهودية والنصرانية إجمالا وحدود تلك الرؤية وجاء المبحث الثاني مشتملًا على الجوانب التي درسها البيروني في الديانة اليهودية (الأعياد التواريخ أيام الصوم) بينما خصصت المبحث الأخير لعرض القضايا المتعلقة بالنصرانية (الملكانية النسطورية اليعقوبية) كما تناولها البيروني ثم ختمت الموضوع بإيراد بعض الخلاصات والاستنتاجات التي خرجتُ بها من خلال هذا المقال.
لقد تعرض البِيروني لأهم أعياد اليهود وللأيام المبجَّلة عندهم التي يصومون فيها جاء ذلك العرض بناء على التقويم الشهري العبري([14]) الذي يعتمدونه منبِّهًا على أن رأس السنة اليهودي لا يبدأ بأيام مفروضة (وهي عندهم الأحد والأربعاء والجمعة). وذلك وفق الترتيب الآتي:
يذكر البِيروني أن اليهود يأخذون سنتهم من مسير الشمس أما الشهور فتؤخذ من مسير القمر لتكون أعيادهم وأيام صومهم وفق التقويم القمري ولتكون مع ذلك حافظة لأوقاتها من السنة. ولذلك وجدنا اليهود كبسوا كل تسع عشرة سنة قمرية بسبعة أشهر([32]).
إن هذا الاستطراد الذي قدَّمه البِيروني ليؤكد أن الرجل بالفعل ينبغي أن يُدرَج ضمن قائمة العلماء الذين عمِلوا على نقد الديانة اليهودية وحاولوا التدليل على وجود التحريف في كتبها الدينية المقدسة وإن كان الأمر لا يتعلق بالعقائد أو الشرائع اليهودية بقدر ما يتعلق بالتواريخ والتقاويم والحساب الزمني والبشارات أو النبوءات الموجودة في كتبهم المقدسة أو المعلومات التاريخية الواردة فيها حول قصص الأنبياء والأحداث الكبرى كالخلق والطوفان وبدء الخليقة.
وبغض النظرعن النقاش الذي فتحه بعض الدارسين([40]) حول مصادر البِيروني في دراسة الديانة النصرانية ومدى تعامله مع مصادرها الأصلية فإن المعلومات التي زودنا بها البِيروني حول النصرانية في غاية الأهمية بل لا نجد الكثير منها في كتب الملل والنحل لأن هذه الأخيرة كانت تركز بالأساس على نقد المعتقدات والمصادر النصرانية والردّ عليها في إطار المقارنة بينها وبين المعتقدات الإسلامية.
يقول البِيروني إن النصارى مزجوا بين الشهور الرومانية والشهور التي يعتمدها اليهود وسموها بأسماء سريانية ([44]) وافقوا في بعضها اليهود وباينوهم في بعضها الآخر ([45]).
= المقصود أن اليهود يحتفلون بأعيادهم في نفس التوقيت الموافق للأشهر الميلادية رغم اعتمادهم على الأشهر القمرية. لذلك يضيفون شهرًا لتقويمهم العبري بعد كل ثلاث سنوات تقريبًا لتدارك الفارق في الأيام بين السنة الشمسية والسنة القمرية. (انظر: البِيروني الآثار الباقية ص: 56-57).
يقع بين أيدينا كتابٌ مهم وفريد من نوعه يعتبر من روائع البحث التجريبي لدى العرب وقد أُطلق على مؤلفه لقب "بطليموس العرب" من قبل المستشرقين ويحمل اسم "الآثار الباقية عن القرون الخالية". وفي هذا الكتاب يتناول المؤلف بتميّز موضوعات هامة من تاريخ الأمم.
قام المؤلف بتقسيم الكتاب إلى فصول متعددة حيث رتّبها بشكل منطقي يسهّل فهمها وتدرّجها التدريجي. يتحدث الكتاب عن ماهية اليوم والليلة ومجموعهما ويعمق في استعراض الشهور والأعوام لدى الأمم القديمة المختلفة. كما يتناول تاريخ ملوك الأمم وشخصية ذي القرنين واستخراج أسماء الشهور والألقاب الملكية.
لا يقتصر الكتاب على ذلك بل يلقي الضوء على الأدوار والتقوفات وأسماء الكواكب والأعياد ومتنبئي الأمم المختلفة. يُخصّص أيضًا فصولًا لمناقشة الصيام ودور القمر والرياح وأسواق العرب. وإلى جانب ذلك يقدم جداول مفيدة تُعين الباحثين على التفاصيل في مجالات معينة.
يعتبر هذا الكتاب إضافة قيمة للدراسات التاريخية وقد ورد فيه معلومات لا تُقدّر بثمن تعكس ثراء الحضارات القديمة والتقنيات الاستشرافية للعرب. فإنه مرجعٌ لا غنى عنه لكل من يرغب في استكشاف التاريخ القديم والتفتّح على ثقافات الأمم القديمة.
في خوارزم ناصرته السلالة الحاكمة بنو عراق حتى ٣٨٥/٩٩٥ وكان أحد أفرادها الأمير أبو نصر منصور (توفى حوالي ٤٠٨/١٠١٨) أستاذاً له. وفي جرجان تولى حمايته قابوس بن وشمكير (٣٨٨/٩٩٨-٤٠٣/١٠١٢) والذي أهدى له كتابه (الآثار الباقية عن القرون الخالية). وفي غزنة تولى رعايته محمود ومن خلال حملاته العسكرية في شمال الهند تمكن البيروني من السفر في هذه البلاد وتعليم السنسكريتية والتعرف على علم الفلك الهندي. وبعد وفاة محمود امتدت له علاقة طيبة مع ابنه وولي عهده مسعود (٤٢١/١٠٣٠-٤٣٢/١٠٤٠) وأهدى له كتابه القانون المسعودي.
59fb9ae87f