الصور طريقة رائعة للاحتفاظ بلحظات لا تُنسى خاصة مع انتشار "السيلفي" (selfie) في السنوات الأخيرة وهو التصوير باستخدام الكاميرا الأمامية للهاتف لكن جذور السيلفي ترجع إلى سنة 1995 حينما طوَّر اليابانيون آلة "بوريكورا" (Purikura) وهي كشك يُنتج ملصقات بحجم الطوابع وقد استخدمت فرقة المغنين "بوب ياباني" آلات "بوريكورا" للتفاعل مع المعجبين ولم يمضِ وقت طويل قبل أن تُثبت "بوريكورا" وجودها بوصفها رمزا لعصرها.
كان ظهور صور السيلفي بشكلها الشائع في موقع التواصل "ماي سبيس" وكذلك في "فيسبوك" في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين و"سناب شات" في عام 2011 بمنزلة بداية للثورة التي نراها اليوم. قدَّمت هذه التطبيقات وسيلة سريعة لإرسال الصور ومشاركتها وأثبتت أن الصورة الشخصية وسيلة مثالية للتواصل البصري ومشاركة المشاعر والحالة المزاجية. في عام 2013 اختارت قواميس أكسفورد "selfie" كلمة العام وبحلول عام 2015 استحوذ "سناب شات" على الشركة الأوكرانية "لوكسيري" (Looksery) وأصدر ميزة "Lenses" أو العدسات ومن هنا كانت الانطلاقة الفعلية لثقافة الفلاتر.
"سناب شات" أيضا يفتخر بأرقامه المذهلة حيث قال متحدث رسمي إن "200 مليون مستخدم نشط يوميا يستخدمون الفلاتر أو العدسات (Lenses) لتغيير مظهرهم"(4) مُضيفا أن ما نسبته أكثر من 90% من الشباب في الولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة يستخدمون منتجات الشركة.
تُضيف روشا أنها درست تاريخ الفن في المدرسة وجعلتها فلاتر إنستغرام تشعر وكأنها في عالم إنساني وفني عميق مليء بالفرص والتواصل وأصبحت صديقة لمبدعي الواقع المعزز الذين تحدَّثوا معها عن جمالياتها ومن ثم أصبحت روشا "مؤثرة فلاتر" (filter influencer) رغم أنها تقول إنها تكره هذا المصطلح لكن وظيفتها هي تجربة مرشحات "فلاتر" مختلفة وتقديمها لجمهور متزايد من المتابعين.
تبقى تجربة روشا جديدة وفريدة لكنها على ما يبدو حقَّقت أحد أهداف الشركات التي صمَّمت هذه الفلاتر وهي تحويل التكنولوجيا إلى نوع من المرح. يصف "فيسبوك"(6) تأثيرات الواقع المعزز بأنها طريقة "لجعل أي لحظة أكثر إمتاعا للمشاركة" بينما يقول "سناب شات" إن الهدف من العدسات "هو توفير تأثيرات إبداعية مضحكة ومرحة تسمح لأعضاء مجتمعنا بالتعبير عن أنفسهم بحرية"(7) لكن الأمر سرعان ما انجرف بعيدا عن المرح وبدأت عوالمه المظلمة تتجلَّى.
تقول روشا إنها ترى العديد من النساء على وسائل التواصل الاجتماعي يستخدمن المرشحات دون توقُّف وتقول: "إنهن يرفضن أن يُنظر إليهن بدون هذه المرشحات لأنهن يعتقدن في أذهانهن أنهن يبدون هكذا". ما قالته روشا ليس مبالغة ففي تقرير حديث صادر عن مركز أبحاث الجندر والجنس في جامعة لندن ظهر أنّ 90% من الشابات يستخدمن الفلاتر أو يُعدِّلن صورهن(8) بهدف إعادة تشكيل أنوفهن أو تبييض أسنانهن أو بهدف الظهور بمظهر أنحف من الواقع(9).
في الواقع لقد عانت روشا من ذلك تحديدا تقول: "لقد حاربت دائما ضد هذا النوع من التزييف لكن عندما أقول لنفسي: حسنا يجب أن أُغيِّر صورتي. يجب أن أجعل أنفي أرق وأن أُعطي شفة كبيرة لنفسي لأنني أشعر بالقبح. وجدتني مذهولة أقول لنفسي: توقفي لا أنا لست كذلك. أريد أن أشعر بالجمال دون تغيير هذه الأشياء".
"النشر على وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن ينتج عنه متعة كبيرة في الحصول على الإعجابات (لايك) والاهتمام التقديري ولكنه أيضا مصدر قلق كبير لمعظم الشابات لقد صُدِمت من الشابات اللواتي قلن لي مرارا وتكرارا: أشعر بأنّ الناس تُصدر أحكامها عليّ!" هكذا علَّقت البروفيسور روزاليند غيل الباحثة الرئيسة في الدراسة السابقة في بيان صحفي صادر من جامعة لندن(10).
تضيف هُدى: "لقد عانيت لتقبُّل شكلي كما هو وما زلت أتعامل مع هذه المشكلات حتى الآن لكن المشكلة الأكبر في تسليط الناس المجهر على عيوبك وجعلها مرئية لك لِمَ تعتقدون أنّ مشكلة الفلتر (تقصد استخدام الفلاتر بإفراط) موجودة إنها تظهر بسبب هذه الضغوط التي تُعزِّز رغبة الناس في إخفاء عيوبهم".
أضف إلى ذلك أنه يمكن لتغيير الصور أن يؤدي إلى إنشاء دورة سلبية حيث يُعدِّل شخص ما بإفراط ثم ينتقل الأمر كالعدوى إلى شخص آخر ويستمر الأمر ما يؤدي في النهاية إلى دوام ثقافة معايير الجمال الخارقة التي لا يمكن الوصول إليها. تقول سابا هاروني لوري مالكة ومؤسسة "Take Root Therapy": "قد لا يكون استخدام المرشحات لتحسين مظهرنا ضارا في حد ذاته لكن كلما قلَّت رؤيتنا للصور الواقعية -الجلد المعيب والتجاعيد- بما في ذلك الصور الواقعية لأنفسنا زادت صعوبة رؤية تلك الأشياء تطل علينا في المرآة (تقصد وجوهنا الحقيقية)"(12).
تُعتبر مقارنة النفس بالآخرين جزءا طبيعيا من السلوك البشري ولكن عند القيام بذلك ضد نسخة "مُحسَّنة" من شخص آخر يمكن أن يكون لها تأثير ضار على إدراكك وحبك لذاتك. "عندما نقارن أنفسنا بالنسخة المثالية للآخرين مثل تلك الموجودة في الصور المُعدَّلة يمكن لذلك أن يخلق رد فعل مساويا ومعاكسا لخفض قيمة العُملة وهو تخفيض قيمة الذات" كما تقول جيسيكا جانيواري بير عالمة النفس والمؤسسة والمديرة المرخصة لمركز "Behr" للعلاج النفسي التي تُضيف قائلة: "بمرور الوقت يمكن أن يؤدي التخفيض المستمر لقيمة الذات إلى نقد ذاتي مرتفع أو إساءة عاطفية مزمنة للذات"(13).
من جانبها لاحظت كلير بيسكوت باحثة في جامعة جنوب ويلز تدرس سلوك المراهقين على وسائل التواصل الاجتماعي لاحظت اختلافا بين الجنسين عندما يتعلَّق الأمر بالفلاتر تقول: "قال جميع الأولاد: هذا ممتع حقا أحب أن أضع هذه الآذان المضحكة وأحب مشاركتها مع أصدقائي ونحن نضحك. على الضفة المقابلة ترى الفتيات الصغيرات فلاتر الواقع المعزز أداةً للتجميل ويقولون أشياء مثل: لقد وضعت هذا الفلتر كي تصبح بشرتي خالية من العيوب إنه يزيل الندوب والبقع. كان هؤلاء أطفالا في سن 10 و11 عاما". تقول بيسكوت إن الأمر لا يتعلَّق فقط بوضع فلتر على صورتك الفعلية إنه فلتر على حياتك كلها(14).
المشكلة أن هذا التغيير هو مجرد بداية إذ تُعَدُّ فلاتر الواقع المعزز على وسائل التواصل الاجتماعي جزءا من مجموعة سريعة النمو من تقنيات التجميل الرقمية. جرى تنزيل تطبيق "فيس تون" أكثر من 60 مليون مرة وهو موجود ببساطة من أجل تحرير الفيديو والصور بسهولة. بالمثل يُنشئ المؤثِّرون المعروفون فلاتر في برنامج التصميم Adobe" Lightroom" ثم يبيعونها للناس(15).
في أكتوبر/تشرين الأول 2019 حظر "فيسبوك" بعض "تأثيرات التزييف" بسبب "النقاش العام حول التأثير السلبي المحتمل" لها(16) وكان فلتر يُسمى "FixMe" الذي سمح للمستخدمين تعديل وجوههم كجراح تجميل قد أثار موجة من الانتقادات لتشجيعه الجراحة التجميلية. ولكن في أغسطس/آب 2020 أُعيد إصدار التأثيرات نفسها بسياسة جديدة تحظر الفلاتر التي تُروِّج للجراحة بصراحة ومع ذلك فإنها لا تزال تُغيِّر حجم ملامح الوجه.
03c5feb9e7