كتاب الغباء البشري تأليف كارلو شيبولا .. يؤكّد هذا الكتاب أسوأ مخاوفنا: يمكن للأغبياء أن يحكموا العالم.
يحاول المؤرخ كارلو شيبولا عبر ما سمّاه القوانين الأساسية لغباء الإنسان اكتشاف ومعرفة أو ربما تحييد واحدة من أشدّ القوى المظلمة التي تعيق نمو رفاهية الإنسان وسعادته.
إذا وجدت نفسك يوماً يائساً من انتشار الغباء فهذا الكتاب الصغير والمضحك والمثير للقلق في آنٍ هو من أجلك.
وضع مجموعة من العلماء خمسة قرود في قفص واحد وفي وسط القفص يوجد سلم وفي أعلى السلم هناك بعض الموز. في كل مرة يصعد أحد القرود لأخذ الموز حينها يرش العلماء باقي القرود بالماء البارد. بعد فترة بسيطة أصبح كل قرد يصعد لأخذ الموز يقوم الباقون بمنعه وضربه حتى لا يتم رشهم بالماء البارد. بعد مدة من الوقت لم يجرؤ أي قرد على صعود السلم لأخذ الموز على الرغم من كل الإغراءات وذلك خوفا من الضرب.
بعدها قرر العلماء أن يقوموا بتبديل أحد القرود الخمسة ويضعوا مكانه قردا جديدا. فأول شيء يقوم به القرد الجديد أنه يصعد السلم ليأخذ الموز ولكن فور ذلك يضربه الأربعة الباقون ويجبرونه على النزول بعد عدة مرات من الضرب يفهم القرد الجديد بأن عليه ألا يصعد السلم مع أنه لا يدري ما السبب. قام العلماء أيضا بتبديل أحد القرود القدامى بقرد جديد وحل به ما حل بالقرد البديل الأول حتى أن القرد البديل الأول شارك زملاءه بالضرب وهو لا يدري لماذا يضرب. وهكذا حتى تم تبديل جميع القرود الخمسة الأوائل بقرود جديدة. حتى صار في القفص خمسة قرود لم يرش عليهم ماء بارد أبدا ومع ذلك يضربون أي قرد تسول له نفسه صعود السلم بدون أن يعرفوا ما السبب.
لو فرضنا.. وسألنا القرود لماذا يضربون القرد الذي يصعد السلم أكيد سيكون الجواب: لا ندري ولكن وجدنا آباءنا وأجدادنا له ضاربين. إذا "هناك شيئان لا حدود لهما. الكون وغباء الإنسان مع أني لست متأكدا بخصوص الكون" هكذا قال آينشتاين.
ومن المقولات زاد نهمي إلى فهم القضية بحثت على الإنترنت وانتقيت تعريفا استصغته ولو نسبيا: "يُنظر إلى الغباء باعتباره حالة عقلية لا ينقصها علم أو دراسة وهذا ما يميزها عن الجهل إلا أن كلا من الجهل والغباء يؤدي إلى سوء التكيف مع الواقع والتصرف في عكس اتجاه المصلحة وذلك تحت ظروف اختيارية حرة دون قسر أو إجبار فيفقد الإنسان التأقلم مع المعطيات الجديدة وبالتالي تصدر أفعاله منافية للمنطق وللمصلحة".
استمرت رحلة بحثي في المفهموم الجدلي منذ عصور عن الغباء أتحدث وعن مفاهيمه وتجلياته أبحث وفي شوارع وأزقة الإنترنت أتجول من محرك بحث لآخر. اشتركت جميعها وبرغبة جامحة أن تصحبني في رحلة جديدة أصحبكم بدوري لاكتشاف معالمها! حدثتني المواقع عن كاتب شهير وكتاب صغير عظيم في محتواه. اخترت خوض المغامرة لا أعشق اكتشاف المجهول لكن الفضول سيد القرار فلنخض المغامرة معاً!
صراحة زادت حيرتني وتوالت الأسئلة في مخيلتي.. ما الذي يعنيه سيبولا بالغباء البشري ومن يقصد بذلك هل تحدث عن شعوبنا العربية ونحن لا ندرك كيف لنا أن نتجلى معاني الغباء البشري هل يهددنا بالفعل هل ما يُميِّزُ الدول المتطوِّرة عن الدول المتخلِّفة هو قلّة نسبة الأغبياء متى تزيد ومتى تقل نسبة الأغبياء وما هو تاثير ذلك على المجتمعات
اعتبر العديد من الأشخاص الذين قرؤوا هذا الكتاب أنه ممتع إلى حد كبير ربما أيضا مسلي وسلس من حيث التناول والطرح يضحكك في البداية ليبكيك أخيرا "فمن يضحك كثيرا يبكي أخيرا" حتما هي نتاج كتاب سيبولا الذي تحدث عن سمات الأغبياء واصفا إياهم بأنهم كُثر وغير عقلانيين ويتسببون في خلق المشاكل للآخرين دون فائدة واضحة لأنفسهم مما يقلل من رفاهية المجتمع ككل.
وفي طريقة تجنب عبئهم السيء على المجتمع اقترح سيبولا بذل جهد أكبر من جانب غير الأغبياء لتعويض الخسائر التي تسبب الأغبياء في حدوثها وإذا ثبت أنّه من المستحيل إنقاذ أنفسنا من الغباء اقترح سيبولا أن ننتقم على الأقل من خلال الضحك على واحدة من أقوى قوى الظلام التي تعرقل النمو البشري وتقلل مستوى السعادة والرفاهية في المجتمع.
فالإنسان "حيوان اجتماعي" وفق تعريف سيبولا يعيش الإنسان إذا متفاعلاً مع الآخرين في شبكة علاقات دائمة يُؤثر فيهم ويتأثر بهم. يُؤدّي ذلك إلى منافع أو خسائر اقتصادية أو نفسية إلى كسبٍ أو ضياعٍ للطاقة أو الوقت. وهنا تحديدا يضع سيبولا في كتابه القوانين الجوهرية للغباء البشري يضع الإنسان في أربع شرائح. فهو مغفل (بائس) أو قرصان (لص) أو ذكي أو غبي:
وفي هذا السياق يهتمّ كتاب سيبولا بالشريحة أو المجموعة الرابعة بالأساس ألا وهي شريحة الأغبياء! يضع الكاتب سيبولا خمسة قوانين جوهريّة تُحدِّدُ طبيعة هذه الشريحة وتُجلي خطورتَها على المجتمعات كونها أمّ كلِّ بلية بشرية.
قراءة الصيف هي جزء من المتعة التي يوفرها الفصل الحار والوقت المتوفر وقد أرسل لي صديق مشكوراً كتاباً رقمياً مترجماً إلى العربية بعنوان الغباء البشري من تأليف المؤرخ الإيطالي كارلو شيبولا يبحث في القوانين الحاكمة للغباء وقد بيع من الكتاب كما يقول الناشر (الساقي 2022) نصف مليون نسخة وترجم إلى 16 لغة! واضح أن عنوان الكتاب مثير ولكن قراءته أكثر إثارة.
يتحدث الكتاب عن جهد دقيق للكشف عن القوى الظلامية التي تسيّر البشر على رأسها الغباء فيرى أن الجميع دائماً وحكماً يستهزئون بعدد الأغبياء المحيطين بهم أو يقللون من حجمهم العددي وضررهم ولكن الحقيقة الثابتة والعلمية كما يراها المؤلف أن عدد الأغبياء أكثر مما يتصور أي شخص منا ويجب ألا ننظر إلى الأغبياء نظرة مستهجنة فهم في الغالب يساهمون في اتخاذ الكثير من القرارات التي تتعلق بحياة البشر. ويستمر الكاتب في سرد نظريته فيقول إن الكثير من الناس حولنا الذين نعدهم أسوياء وأذكياء هم في الحقيقة أشخاص أغبياء!
يوصف الغبي بأنه شخص يؤذي الآخرين وربما نفسه من دون أي مصلحة له أو المحيطين به هم غير قطاع الطريق مثلاً فقاطع الطريق يحقق (وافقنا أو لم نوافق) مصلحة له الأغبياء يؤذون الآخرين من دون مكسب بالتالي يلحقون بالبشر الكثير من الأضرار.
الغبي يعمل ضد مصلحته ومصلحة الآخرين والأغبياء هم مجموعة غير مرتبطة وغير منظمة وليس لها زعيم مثل الجماعات المنظمة كالأحزاب أو الجماعات المؤدلجة مع أن بمقدورهم (الأغبياء) أن يعملوا بانسجام كما أن يداً خفية توجههم ويساهم نشاط كل عضو في الجماعة في تعزيز وتعظيم فاعلية نشاط الآخرين أي أن نتائج أعمالها متساندة ودون أن يقصدوا ذلك!
الغباء ليست له علاقة بمكان الميلاد ولا الطبقة الاجتماعية ولا مستوى التعليم ولا لون البشرة أبيض أو أسود أو أسمر أو أصفر هو يتقاطع مع الجميع فاحتمال أن يكون الشخص غبياً هو سمة مستقلة عن أي سمة أخرى يتصف بها الشخص كما أن الغباء معطى طبيعي مثل توزيع البشر بين النساء والرجال ففي الأخير نجد أن النسبة متقاربة في أي مجتمع بشري ندرسه وكذلك الأغبياء. لا يعطي الكاتب رقماً لنسبة الأغبياء في المجتمع ولكنه يؤكد أنهم أكثر من أي تصور متاح!
03c5feb9e7