يعد الشعر الحر قطيعة إيستيمولوجية للقصيدة العربية التقليدية وقد أملت ذلك الظروف التي عاشها الشعراء خصوصا بعد نكبة فلسطين 1948 وهزيمة يونيو1967 فكان أن أعاد الشعراء وغيرهم النظر في جميع المثل والرموز التي كانوا يعتقدونها فرأى الشعراء حينها أمام هول الفاجعة وصدمة الحداثة الغربية تغيير كل النماذج المحتذاة لأنها لم تستطع مواكبة التحولات المستجدة فإذا كان الشعراء الفحول القدماء قد عبروا عن قضايا عصورهم بالشكل التقليدي للقصيدة العربية الذي ينسجم مع تلك الظروف فلا بد للشاعر الحديث إذا أراد التعبير عن قضايا عصره من أن ينفلق من إسار عمود الشعر وينطلق في رحابة شكل جديد يتيح له إمكانية التعبير لذلك استبدل القصيدة الحرة بالقصيدة العمودية.
ويعرف شعر التفعيلة بوصفه نظاما وزنيا جديدا كسر نظام الشطرين المتناظرين والقافية والروي الموحدين لكنه حافظ على التفعيلة وجعلها أساسا له. يقوم الشعر الحر على ستة بنود: السطر الشعري والجملة الشعرية والتدوير والتنويع في القافية والروي واختلاف الضرب والمزج بين تفعيلات البحور.
وقد حظي الشعر الحر بتسميات عدة أهمها: الشعر المعاصر والشعر الحديث والشعر الجديد والشعر المنطلق والشعر المرسل وشعر الشكل الجديد وشعر التفعيلة. ويعد بدر شاكر السياب ونازك الملائكة أول من قصد الشعر على منوال شعر التفعيلة وقد اقتفى أثرهما جم غفير من الشعراء المحدثين نذكر منهم: البياتي وصلاح عبد الصبور ويوسف الخال وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش وأحمد المجاطي المعداوي وعبد الرفيع جواهري وغيرهم كثير.
* التفاعل مع التراث والنظر إليه باعتباره رموزا وقيما إنسانية وجمالية* الانفتاح على الثقافات الأجنبية شعرا ونثرا* التحرر من هيكل القصيدة التقليدية العمودية وبنائها والاحتفاظ بوحدة التفعيلة وقوة الإيقاع الداخلي* تكثيف الصور الشعرية المعتمدة على المجاز والانزياح* الاستثمار المفرط للرمز والأسطورة والمونولوج والخرافة والحكاية الشعبية* الاهتمام بالقضايا الراهنة ورصدها من زاوية ذاتية خالصة* الاعتماد على الرؤيا في تكوين نظرة شمولية تجمع الذاتي بالموضوعي* توظيف اللغة الإيحائية المشبعة بالدلالات العميقة التي تبتعد عن التوظيف التقريري* الغموض وهو صفة لازمة لكل شعر جيد طالب للجدة والحداثة* الشعر الحديث تجديد للرؤيا وهي في عمقها تختلف عن الرؤية البصرية فإذا كانت هذه الأخيرة تتعلق بالحس المباشر للموضوعات فإن الرؤيا تتجاوز الإدراك المباشر المعتمد على المدركات الخمس التي تتطلب حضور الموضوع الإدراكي فالرؤيا تشكل موقفا جديدا اتخذه الشعراء الحداثيون من العالم والأشياء إنها عبور من الظاهر إلى الباطن وانتقال من دلالات العبارات إلى دلالات إشاراتها إن الرؤية قرينة البصر بينما الرؤيا لازمة عن البصيرة والحدس والكشف والحلم* الشعر الحديث خطاب تجتمع فيه الثقافة العربية التقليدية بالثقافة الغربية الحديثة ثم القرآن الكريم والأساطير والخرافات والحكايات الشعبية والملاحم (ملحمة جلجامش مثالا) والتصوف (الحلاج ابن عربي السهروردي البسطامي..)
تندرج القصيدة ضمن خطاب الشعر الحر وهو خطاب جاء نتيجة تحولات جذرية عرفها العالم العربي أدت إلى تغيرات واضحة في البنيات الشعرية وفق خطاب حداثي لا يلتفت إلى نموذج سابق بل يقوم على الأخذ بتلابيب الحداثة رؤية ومنهجا فنتج عن ذلك شعر مخالف لكل ما ألفناه في القصيدة العمودية ويعد بدر شاكر السياب أول من فتح أكمام هذا النموذج الشعري الجديد فإلى أي حد يعد نص "في الليل" مثالا واضحا لشعر تكسير البنية وتجديد الرؤيا شكلا ومضمونا
يتضح من خلال النظرة البصرية للنص أن القصيدة تضع قطيعة وحدا فاصلا مع الموروث الشعري التقليدي فقد كسرت الشكل الهندسي للقصيدة العمودية باستثمار نظام السطر الشعري عوض نظام الشطرين المتناظرين كما استبدلت تنويع القافية والري بوحدتهما وتتفاوت الأسطر فيما بينها من حيث الطول وتوزيع البياض على السواد. يتكون العنوان من جملة بسيطة تعرب إعرابين اثنين الأول أن خبرها محذوف تقدير كائن أو استقر بحسب المدرسة البصرية والمبتدأ محذوف تقديره هذا أو هذه والثاني أن شبه الجملة المكون من الجار والمجرور"في الليل" في محل رفع خبر والمبتدأ محذوف أيضا وهذا القول الثاني مأثور عن المدرسة الكوفية في النحو. إن شبه الجملة المكون للعنوان غير تام المعنى مما يدفع القارئ المخاطب إلى استعمال السيرورة التأويلية لاستبطان متاهاته إتماما لمعانيه حيث يتم الربط بين الليل وما يحفل به من معان وسمات مميزة (الحزن الخلوة الكآبة السهر السهاد البعد النأي الهدوء السكينة الاطمئنان الموت الخنوع الخوف...). فما علاقة العنوان بقصد الشاعر وماذا يريد السياب تحقيقه من خلال الغموض وإلى أي حد يعتبر هذا العنوان عتبة لمعرفة غياهب النص
لقد ثبت أن القصيدة حديثة من جهة معمارها أو شكلها الهندسي فمن خلال عتبات النص يمكن أن نفترض أن الشاعر بصدد الحديث عن رؤيته المخصوصة حول الزمان والمكان والمصير. فما محددات هذه الرؤية من خلال مضامين النص وكيف تبلوت في القصيدة مناط التحليل
افتتح الشاعر بدر شاكر السياب قصيدته بتأثيث فضاء الغرفة الموصدة واصفا إياها ومضفيا عليها مسحة كئيبة ثم نظر إلى ثيابه نظرة متسائل عن ردهات الزمن يناجيها ويتحدث إليها افتراضا لينتقل إلى حوار في خلده مع أمه التي تحضر في جل قصائده مبرزا نظرته الشمولية المختلفة نحو المكان والزمان والموت ليصل في الأخير إلى تأكيد لقائه أمه في اللحد وفي ذلك إشارة إلى دنو أجله فالسياب كان دائما يرى خلاصه في موته نتيجة مرضه الذي كان لا يرجى شفاؤه ويمكن أن نستجمع هذه المضامين في رؤية الشاعر الشاملة نحو الزمان والمكان والموت انطلاقا من معاناته وهي رؤية رومانسية تطفح بها أغلب قصائده.
هذا من الناحية المعجمية أما من الناحية التركيبية فقد تعددت الضمائر في القصيدة بين ضمير الغائب يرصد في الغالب الوصف (يتنصت لي يترصد بي أعطاها الباب المرصود نفسا...) وضميري المتكلم والمخاطب في الحوار(ليزورك لبست ثيابي سريت ستقول لي..) ليجعل من القصيدة صورة متكاملة تحكي قصة مفترضة صنعها خلد السياب المتأثر بالمرض أما الجملة فقد زاوج فيها الشاعر بين استعمال الجملتين الاسمية والفعلية فالفعلية دالة بذاتها على الاستمرار والتجدد أما الاسمية فدالة على الثبات والاستقرار يرصد الشاعر من خلال الأولى حال الغرفة ومعاناته بها (الغرفة موصدة الباب الصمت عميق..) وهي قرينة الوجدان بينما الثانية فتدل على التحول (ليزورك في الليل الكابي لبست ثيابي سريت ستلقاني أمي لم يبل على مر الزمن أعددت فراشا...) وهي المهيمنة في النص لأن الشاعر بصدد التحول نحو المصير المحتوم: الموت.
03c5feb9e7