والمراد بالقسم الأول (التفسير بالمأثور ) : هو ما جاء في القرآن أو السنة أو كلام الصحابة بيانا لمراد الله تعالى من كتابه.
ولكن هل يُمكن أن تشكل هذه المصادر ( القرآن والسنة وآثار الصحابة) مادة كافية لتفسير القرآن بحيث يستغنى بها عن الاحتياج إلى التفسير بالرأي والاجتهاد
يمثل تفسير القرآن بالقرآن أقل أنواع هذه المصادر وذلك مثل قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ [البقرة: 7] فالواو في قوله:(وعلى سمعهم وعلى أبصارهم) محتملة في الموضعين أن تكون عاطفة على ما قبلها فيكون الختم على القلوب والأسماع وتكون الغشاوة على الأبصار فقط وأن تكون استئنافية فيكون الختم على القلوب فقط وتكون الغشاوة على الأسماع والأبصار معا .
فنجد أن القرآن في موضع آخر أزال هذا الإجمال وبينه في قوله : أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً [الجاثية: 23]
فتحصل أن الختم على القلوب والأسماع وأن الغشاوة على الأبصار. فهذا من تفسير القرآن بالقرآن. [أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (1/ 12)]
ما صح عن علماء الصحابة مما يتعلق بالمعاني اللغوية أو عمل عصرهم لا شك أنه مقدم على غيره لكن الصحيح من هذا النوع قليل.
غير أن المنقول عن الصحابة في مجال قصص الرسل مع أقوامهم وما يتعلق بكتبهم ومعجزاتهم وفي تاريخ غيرهم كأصحاب الكهف ومدينة إرم ذات العماد وسحر بابل وعوج ابن عنق وفي أمور الغيب من أشراط الساعة وقيامتها وما يكون فيها وبعدها ونحو هذه الأمور هذه التفسيرات قد سرت إلى الرواة من زنادقة اليهود والفرس ومن أسلم من أحبار اليهود والنصارى فصاروا يحدثون بما يعرفونه من هذه التفصيلات مما كانوا قد عرفوه من دينهم قبل إسلامهم وقد صدقهم الناقلون عنهم بمن في ذلك بعض الصحابة [تفسير ابن كثير ت سلامة (1/ 8) و مناهل العرفان في علوم القرآن (2/ 14) وتفسير المنار (1/ 8)].
وتذكر الدراسات الرأيين المتقابلين في المسألة فريق ينفي وفريق يثبت وكلما زادت الدراسات كلما اجتذب كل فريق أنصارًا جددًا وتُبحث المسألة بحثا نظريًّا بعيدا عن الجرد الميداني.
ومؤخرا قدم الدكتور خالد بن عبد العزيز الباتلي دراسة ميدانية حول الإجابة عن هذا السؤال بشكل عملي فقد اختار الباتلي ألا تكون معالجته لهذه المسألة معالجة نظرية ينتصر فيها لأحد الرأيين السابقين واختار أن يفتش عن الأحاديث النبوية الشارحة للقرآن ويعدها عدًّا ويحصيها إحصاء وبهذا يمكن أن يتبين وجه الحق في المسألة بعيدا عن القسمة العقلية والنظرة الافتراضية.
فجمع الباتلي الأحاديث الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ الواردة تفسيرا لآي القرآن الكريم مدرجًا فيها الآثار الموقوفة على الصحابة التي لا يقال مثلها بالرأي باعتبارها في حكم المرفوعة فكان مجموع هذه الأحاديث (318) حديثا فقط تشمل المقبول والمردود!
ثم قام الباتلي بدراسة أسانيد هذه الأحاديث حسب قواعد علم الحديث فانتهى إلى أن ثمة (190) حديثًا من هذه الأحاديث تعتبر مردودة غير مقبولة فمنها الضعيف والضعيف جدا والموضوع.
ومن المفاجآت التي كشفت عنها هذه الدراسة الميدانية أن أكثر من نصف هذه الأحاديث المقبولة مما رواه البخاري ومسلم بالاتفاق أو الانفراد إذ وجد أن (59) حديثا منها إما متفق عليه بين البخاري ومسلم وإما في البخاري فقط وإما في مسلم فقط.
ومثل للتفسير الفعلي بصلاته ﷺ جاعلاً المقام بينه وبين البيت تفسير فعليًّا لقوله تعالى وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [البقرة: 125].
ومثل للتفسير بالإقرار بإقراره عمرو بن العاص حينما سأله فقال: (با عمرو صليت بأصحابك وأنت جنب!) قال: قلت: نعم يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك وذكرت قول الله عز وجل: ولَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: 29].
قال الشيخ ابن سعدي -رحمه الله-: فهم المعنى والمراد منها -يعني الآيات القرآنية- موقوف على معرفة أحوال الرسول وسيرته مع قومه وأصحابه وغيرهم من الناس فإن الأزمنة والأمكنة والأشخاص تختلف اختلافا كثيرا.
ورد في السنّة النبويّة الكثير من الأمثلة على تفسير رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- آياتٍ من القرآن الكريم وفيما يأتي ذِكر بعضها:[١]
تحتّل السنّة النبويّة الشريّفة مكانةً عظيمةً في تفسير القرآن الكريم إذ يُعَدّ رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- المرجعَ الأوّل في فَهم آيات القرآن الكريم وبيان معاني مفرداته لا سيّما أنّه مُؤيَّدٌ بالوَحي لقَوْله -تعالى-: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى*إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى)[٢٩] وقد أوكل الله -تعالى- إلى رسوله -صلّى الله عليه وسلّم- مهمة بيان القرآن الكريم للناس وتوضيح ما أُنزِل إليهم من الأوامر والنواهي والوعد والوعيد كما جاء في قَوْله -تعالى-: (وَأَنزَلنا إِلَيكَ الذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيهِم وَلَعَلَّهُم يَتَفَكَّرونَ)[٣٠] كما كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- يُبيّن آيات القرآن الكريم للصحابة -رضي الله عنهم- ويُوضّح لهم ما يصعب عليهم فَهمه لِما ورد عن عبدالله بن مسعود -رضي الله عنه- أنّه قال: "ما من شيءٍ إلّا بُيّن لنا في القرآن الكريم ولكنّ فهمنا يقصر على إدراكه" وممّا يدلّ على أهميّة الرجوع إلى السنّة النبويّة في تفسير القرآن الكريم قَوْل الإمام أحمد -رحمه الله-: "السنّة عندنا آثار رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- والسنة تفسّر القرآن وهي دلائل القرآن" وقول أبي عمر بن العلاء أحد القرّاء السبعة: "الحديث يُفسّر القرآن".[٣١]
وقد أشار الإمام الطبريّ -رحمه الله- في كتاب تفسير الطبريّ إلى أنّ ثمّة آياتٍ قرآنيّةٍ لا يُمكن تأويلها إلّا ببيانٍ من رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- كوجوه أوامر الله -تعالى- وصنوف نَهيه والوظائف والحقوق والحدود وكيفيّة أداء الفرائض وغيرها من الأحكام التي لا يُمكن إدراكها إلّا ببيان النبيّ -عليه الصلاة والسلام- لها ولا يجوز لأحدٍ القول فيها إلّا ببيان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- ومن الجدير بالذِّكر أنّ أهل العلم اختلفوا فيما إن كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قد فسّر القرآن الكريم كاملاً لأصحابه أم لا فذهب شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- إلى أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- فسّر معاني القرآن الكريم جميعها لأصحابه -رضي الله عنهم- وفي الحقيقة فالخلاف لفظيٌّ لا أثر له فالنبيّ -عليه الصلاة والسلام- كان يُبيّن لهم ما يحتاجون إليه في تفسير القرآن ولم يُفسّر الألفاظ العامّة المعروفة كالسماء والأرض والماء والجبال.[٣١]
03c5feb9e7