حب مبكّر حرّك فطرة الصبي نحو الحيوانات فنمت بينه وبين عالمهم ألفة جعلته يقضي بجوارها الساعات الطوال ويقترب منها فتارة تفر منه وتارة تبادله النظرات حتى أصبحت جزءا من حياته بصمتها وحراكها. ولم يكن يحسب أن هذه الصداقة الصامتة ستخلد ذكراه في تاريخ العلم.
قرأ الدميري القرآن الكريم وأتقنه وأخذ علوم الفقه والحديث والعربية قبل أن يلتحق بالجامع الأزهر الشريف حيث تعلم على يد أكابر العلماء وفي مقدمتهم بهاء الدين السُّبكي وابن الملقن سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الشافعي المصري وسراج الدين البلقيني وغيرهم من العلماء.
وقد مكّنه نبوغه وتميزه من اجتياز فترة دراسته بنجاح ليصبح أستاذا في الجامع الأزهر وخطيبا مفوها بجامع الظاهر بيبرس بالقاهرة.
ورغم ما يمثله شغل هذا المنصب من دلالة على الذكاء والعلم الكبير فإن الدميري لم يكتفِ بأنه تعلم على أيدي شيوخ الأزهر فسافر إلى مكة المكرمة حيث مكث نحو عشرين عاما أخذ فيها عن كثير من العلماء وجلس للتدريس هناك. وعندما عاد إلى القاهرة أقام حلقة علم مميزة.
رغم تميّز الدميري في الفقه والحديث فقد جذبه علم الحيوان. يقول حافظ شمس الدين خبير التنوع الثقافي باليونسكو: شُغف الدميري في بداية حياته بالحيوان فبدأ يلاحظ سلوكه. وكان أول شيء لاحظه في حياته الأرنب فقد لاحظ قصر وطول قدميه فأخذ يتعقب مسيرة الأرنب في قفزه وعرف أنه يعتمد أساسا على الجزء الخلفي.
لم يفارقه هذا الحب القديم لعالم الحيوان حتى في حلقات الدرس ونقاشه مع تلامذته وأصدقائه من أهل العلم. يقول محمد هشام النعسان رئيس قسم تاريخ العلوم التطبيقية بجامعة حلب: عندما سُئل الدميري عن هذا أرجعه إلى وجود نقص كبير وأخطاء كثيرة يتداولها الناس حتى من هم من أهل الاختصاص لذلك عكف على ترتيب أوراقه وجمع كثير من المعلومات المتعلقة بسلوكيات وطبائع وتكاثر الحيوانات.
ويضيف سهيل سليمان أستاذ علم الحيوان بجامعة عين شمس قائلا: قرر الدميري أن يجمع ما توفر من معلومات عن الحيوانات المختلفة ويضعها في كتاب يكون في متناول القراء وبالتالي يصحح المعلومات الخاطئة الموجودة في عصره.
لعل أول ملامح تفرد هذا المصنف في ذلك العصر هو منهج البحث العلمي الذي أسسه عالمنا الجليل فقد أخذ جميع العلوم المتعلقة بمجال علم الحيوان والبيطرة من أقرانه وممن سبقه قبل أن يضيف إليها تجاربه الخاصة وساعده على ذلك أن القاهرة في ذلك الوقت كانت مقصد العلماءكما كانت مليئة بالمكتبات وأهمها مكتبة الجامع الأزهر لما تضمه من كتب وترجمات في كل التخصصات العلمية.
كان الدميري ينهل من 560 مرجعا و199 ديوانا من الشعر بالإضافة إلى عشرات الكتب في المعارف المختلفة من أجل أن يضع كتابه الذي جاوز ألف صفحة مقسّمة إلى سفرين أورد في أولهما مقتطفات من تاريخ الأمة الإسلامية وفي ثانيهما بوّب صنوف الحيوان وفق ترتيب أبجدي.
يوضح ماهر عبد القادر أستاذ فلسفة العلوم بجامعة القاهرة أن المواد العلمية التي وضعها الدميري في هذا الكتاب بلغت 1069 مادة علمية الأمر الذي جعله بمثابة معجم وليس مجرد كتاب.
ويقول نصر رضوان أستاذ علم سلوك الحيوان بجامعة القاهرة إن رقعة مراجع الدميري في كتابه اتسعت من ما قبل الميلاد بأربعة قرون إلى القرن الرابع عشر الميلادي أي 18 قرنا الأمر الذي يجعله مرجعا عظيما.
فكأن هذا الكتاب جاء خلاصة لفكر عملي انتهج فيه الدميري المنهج الوصفي عبر الملاحظة المباشرة للحيوان وطباعه إضافة إلى ما دُوّن عنه في الكتابات المختلفة.
ويقول الدكتور حافظ شمس الدين إن بعض المقربين من الدميري كانوا يترجمون له بعض الكتب الهندية واليونانية وكان يستعين ببعض هذه المعلومات إذا كانت موثقة.
ونظرا لكل ذلك فقد تنوعت المراجع التي اعتمدها الدميري في تأليف كتابه ما بين لغوية وعلمية إذ أفاد من أرسطو والجاحظ وابن البيطار والأصمعي وغيرهم. ومما ميّزه أيضا توثيقه للمراجع التي استند إليها في وقت عزّ فيه التوثيق في أوروبا وقد وجد أن الأوروبيين ينسبون الكتابات العربية والإسلامية لأنفسهم ويضعون عليها أسماءهم.
دفع تحري الدقة والأمانة العلمية كمال الدين الدميري لقطع الأسفار وجوْب الصحاري ليوثق لقارئه معلومة لا يشوبها نقص أو خطأ. كما بيّن بوضوح مدى صلاحية كل بيئة لحيوان دون غيره. ولم يقتصر حديثه على طبائع وخصائص وصفات الحيوان بل إنه أوضح أي الأعضاء يمكن الاستفادة منه وما ينتج من هذه الأعضاء.
واستشهد منير الجنزوري أستاذ علم الحيوان بجامعة عين شمس بنموذج آخر ذكره الدميري عن طائر يتغذى على ما علق في فم التمساح إذ يفتح فمه مستسلما لهذا الطائر الصغير في عمل مفيد للطرفين.
فقد لاحظ أن الأسد لُقب بملك الغابة لأنه لا يأكل من فريسة غيره ولا يشرب من ماء ولغ فيه كلب كما أنه من الحيوانات السامية التي لا تأكل أكثر من طاقتها فإذا شبعت تركت الفريسة لغيرها وفي المقابل فالأسد مع شدته وضراوته وشجاعته فإنه أشد الحيوانات جبنا من صوت الديك فما إن يسمعه حتى يلوذ بالفرار.
وهنا يقول نصر رضوان أستاذ علم سلوك الحيوان بجامعة القاهرة إن الدميري وصف سلوكا في غاية الصعوبة للأسد استدعى أن يكون قريبا من كهفه ليري كيف يربي أبناءه ليس ليوم أو يومين فقط بل لأسابيع وشهور قبل أن يخبر العالم أن جرو الأسد يُولد أعمى ثم يُبصر بعد أسبوع كما أنه يظل بلا حركة لمدة ثلاثة أيام إضافة إلى أن الجرو يُفطم من أمه بعد 6 أشهر وهي معلومات أثبتها العلم الحديث.
يقول نصر رضوان إن الدميري رفض قول أحد علماء عصره إن البيض الذي يضعه التمساح في البحر يفقس تمساحا والبيض الذي يضعه في البر يكون ورلا. واعتمد الدميري في رفض هذا على حس علمي غزير في علوم الأحياء والوراثة رغم أن هذه العلوم لم تكن قد تشكلت بعد.
وينقل رضوان عن الدميري قوله: لو أن الورل أصله تمساح لكان طوله على البر شبيها بحجم التمساح ولكان جلده مثل جلد التمساح لكن جلد الورل ناعم مقارنة بجلد التمساح وطوله ذراعان ونصف بينما يصل طول التمساح إلى 12 ذراعا.
ويذكر سهيل سليمان أستاذ علم الحيوان بجامعة عين شمس قول الدميري إن النسناس خُلق على صورة الإنسان ففيه أشياء تشبه الإنسان وأخرى لا تشبهه.
كما تحدث الدميري أيضا عن دورة حياة دودة القز مُوضّحا أن البيضة تعطي اليرقة (الدودة) التي تغزل شرنقة حولها تتحول إلى طور العذراء ثم تخرج منها الفراشة في النهاية وهي بدورها تبدأ دورة حياة جديدة بوضع البيض.
ويُنسب إلى الدميري كونه أول من وصف بدقة فرس البحر وهو حيوان يوجد في نيل مصر وقال عنه إن صورته تشبه صورة الفرس إلا أن وجهه أوسع وجلده غليظ جدا وهو يصعد البر فيرعى الزرع وربما قتل الإنسان أو غيره.
ولا تُعد هذه إضافة الدميري الوحيدة إلى من سبقوه في نفس المجال بل يُحسب له أيضا أنه فنّد كثيرا من الأساطير المُدونة حول بعض الحيوانات. ومن ذلك تأكيده عدم وجود ما يُطلق عليه الغول وأنه ليس إلا مصطلحا لتخويف الناس أما العنقاء فرغم ذكر الدميري كل ما ورد عنها ومن ذلك ما قاله أرسطو إنها طائر ضخم يضع بيضا كالجبال وأن مخالبه تؤخذ عند اصطيادها ويصنع منها الأقداح الضخمة إلا أن الدميري أكد أنه لا وجود للعنقاء.
03c5feb9e7