يوتوبيا الضائعة

0 views
Skip to first unread message
Message has been deleted

Uwe Müller

unread,
Jul 8, 2024, 12:11:29 AM7/8/24
to torsophosi

راودت فكرة اليوتوبيا أو الطوباوية الكثيرين من الأدباء و الشعراء الذين يتمتعون بحسّ أخلاقي رفيع المستوى. و كان الحلم بمدينة فاضلة يعيش فيها الإنسان أحرارا متساوين أمام القانون -ولا يزال - حلما خصبا يستمد وجوده من وقائع شتى كغياب العدالة المكر الخبث الاحتيال الظلم و الظلام الذي أحاط بالبشرية من كل ناحية ردحا من الزمن .

يوتوبيا الضائعة


تنزيل https://urllio.com/2yZ2dw



كان افلاطون أول من أشارإليها في كتابه " الجمهورية" و يعتقد أن الناس سواء في كل شيء و بعده رسم الفارابي دنياه المثالية في كتابه " المدينة الفاضلة" و يرى مساواة الناس أمام ميزان العدل. والحالمون بذلك كثيرون من العباقرة أمثال القديس اوغسطين شيشرون دانتي فرنسيس بيكن و توماس مور و غيرهم.

يوتوبيا كلمة يونانية معناها لا مكان أو المكان الذي لا وجود له. قد استقيت من الكلمتين اليونانييتين بمعنى" مكان" و الكلمة في مجموعها تعنيtopos بمعني "لا" و ou ليس في مكان لكنّه أسقط حرف ال- O و كتبت الكلمة باللاتينية utopia اليوتوبيا مكان خيالي قصي جدا و هي دنيا مثالية و بخاصة من حيث قوانينها و حكوماتها و أحوالها الاجتماعية. و هي عالم يجوز تسميته بالخيال أو صورة ماوراء العين مكان يتحقق فيه التعاون الاجتماعي بصورة كاملة التحقيق لسعادة الأفراد.

حلم الإنسان منذ القديم بمدينة مثالية نموذجية يأخذ كل فرد فيها حقّه و يؤدّي ما عليه من واجبات تجاه نفسه و تجاه الآخرين. مدينة بلا جوع و لا ظلم ولا فقر و مدينة القانون و العدالة دولة مثالية تتحقّق فيها السعادة لجميع الناس و تمحو الشرور فالناس فيها سواء فيما يملكون و يحصلون على ما يحتاجون إليه حاجة حقيقية متساوون أمام ميزان العدل و هي مدينة المثل العليا مدينة العلم والمعرفة وكأنها تنادي الإنسان بالعودة الي فطرته الطاهرة.

حلم الإنسان منذ النشأة البشرية فإنها تبحث عن النموذج المجتمعي الخيالي و المثالي ذلك الذي يعوضها عن الفردوس المفقود الذي فيه يتحقق الكمال أو يقترب منه على الأقل و يتحرر من الشرور التي تعاني منها البشرية و هو أمر حسب أنه لا يوجد سوى في ذهن الكاتب نفسه و خياله قبل كل شيء.

كان أول من حلم بذلك الفيلسوف اليوناني " افلاطون " من خلال كتابه " الجمهورية " ويرى فيه أن الناس سواء في كل ما يكتسبون و يملكون و يحتاجون إليه و بالروح نفسها رسم المعلم الثاني " الفارابي " دنياه المثالية من خلال كتابه " المدينة الفاضلة " حيث يعيش فيها الناس متساوين أمام الميزان ميزان العدل. و استمرّ رسم اليوتوبيا في خيالها الخصب من عباقرة الشعر و الأدب و الفلسفة مدى التاريخ .و مما يلفت النظر أن الكتابة عن يوتوبيا تطوّرت تطوّرا ملحوظا و برز تقدّمها في العصر الكلاسيكي أي حوالي القرنين السادس والسابع عشر.

و من هؤلاء " توماس مور " في كتابه " يوتوبيا " سنة 1516م الذي يتحدث فيه عن مدينة فاضلة و أعقبه بعد ذلك " توماس كامبانيلا " سنة 1623 م في كتابه " مدينة الشمس " و بعده " فرنسيس بيكون " سنة 1627 م في كتابه " اطلنطس الجديدة " و أيضا " ايتين كابي " سنة1840 م الذي سمّى مدينته المثالية " إيكاريا " في كتابه "رحلةإلي إيكاريا ".

وغير هؤلاء كتب كثيرون أحلامهم عن مدنهم المتّصفة بسمات العدل و الحق و المساواة ولكن عندما نمعن النظر نرى أن أمانيهم قد فشلت و كانت هذه شعارات التي يحاربها غالبية المدّعين بها والمدافعين عنها بقدر ما التصقت في أذهاننا بعض المدن الواقعية التي خلدها الأدب و نراها كأثر أدبي بحت نقش رسم هذه المدن الخيالية الفانتزية على جدران ذاكرتنا بل نشعر أنّها مدن تنتمي إلى الخيال أكثر من انتمائها الي الواقع و غالبا ليست في متناول اليد.

والواقع أنّ التعبير عن اليوتوبيا تخطّى مرحلة المعنى الأدبي الخيالي فأطلق على كل اصطلاح سياسي أو احتمالات تتعلق بالعلوم والفنون في مجملها بيد أنه يظلّ تصوّرا فلسفيا ينشدانسجام الإنسان مع نفسه و مع الآخرين في عالمه الواسع. نشعر كلنا بالسرّ الموحود في الزمان ولكنّنا غير قادرين عن التعبير عنه فالزمن قدرنا ألمنا و يأسنا وتجربه الإنسان بزمانيته هي تجربته الحزينة بزواله و انقضائه فشكوى الإنسان من الزمان أزلية و أغلب الظّنّ أنها ستبقى أبدية. إنّ تجربة اللقاء بالمستقبل تثير في النفوس شعورا عجيبا ليس من الضّروري أن يكون هذا المستقبل المتوقع خطيرا ولأن يحمل في أحشائه و أمعائه النقمة أو النعمة فالمهمّ أن يصبح حقيقة حيّة و هذا شعور لطيف لكلّ شخص أنّ فرصة الانتظار أحلى و أجمل من سعادة التحقيق.

و مهما كان صوت المستقبل للإنسان - لصالحه أو لطالحه متوعّدا أو واعدا - لكن إشاراته دائما في هالة إلهية ولهذا كانت و ستبقى بالرهبة والجلال و يقف الإنسان منه موقف الحب والشوق كما يقف في الماضي موقف الخشوع و الإشفاق. أمّا نازك الملائكة فشاعرة عربية عراقية من عمالقة الشعر الحديث ومن روّاد الأوائل لحركة الشعر الحرّ . ولدت في بغداد سنة 1923 م درست الأدب العربية فيها فسافرت إلى الولايات المتحده لدراسة الأدب الإنجليزي و إكمال دراستها درست الأدب المقارن بجامعة وسكونسن و حصلت على درجة الماجستير سنة ٦195 م. ولها معرفة بالأدب الغربي وكانت الرومانسية غالبة على شعرها و تولع بآثار الرومنظيقيين الإنجليزيين مثل " شلي " و "كيتس ". و تحسّ بالقلق وتشعر بالحزن كشأن سائر الرومنسيين ممّا يجعلها الهروب إلى الطبيعة أو إلى نفسها والانطواء على ذاتها للتفتيش عنها فهربت من الواقع و انطلقت إلى عالم الخيال الذي يمثل لها عالما مثاليا خاصا غير محدود بزمان أو مكان و بحثت عن السعادة فيه لجأت إليه و عاشت في كنفه.

تلجأ شاعرتنا إلى دائرة الأزمان و هي التي سمتها " يوتوبيا " منطقة يتعطّل فيها حكم الزمن و لكنّ الصفة الثابتة لها أنها أفق أزلي لا يدركها الفناء - كما يعتقد الدكتور شوقي ضيف - (فصول في الشعر و نقده. ص 96).

ومما يلفت انتباهنا هنا أن الشاعرة استعملت " يوتوبيا " دلالة على مدينة شعرية خيالية بدون وجود إلا في أحلامها و طبعا لا علاقة لهذه المدينة بيوتوبيا التي تخيّلها الكاتب الإنكليزي "توماس مور" و رسم فيها صورة سياسية إدارية للجزيرة المثلى كما يريدها قياسا على "جمهورية افلاطون " أو غيره.

أما من ميزات هذا العالم فهي كما تصفها الشاعرة يكاد يكون خاليا عن الشرّ أو ينبغي أن يكون كذلك و تتذكره دائما في حياتها ومماتها و هناك لا يوجد أي قيد يثقل عليها و القيود تذوب كلها و يفسح لها أن تفكر لتنطلق من الأسر فهي تحبّ الهروب من مواجهة الواقع و اليوتوبيا تبدو لها مفارقة للواقع و كأنّها ترفض الواقع رفضا كليا و قطعيا لأنّها:

سئم الشيء و منه : ملّه. اضمحلّ الشيءُ : تلاشى و انحلّ . عرا ُ فلاناً أمر : ألمّ به. لاذَ ُ بالشيء : استتر به و التجأ إليه ترى الشاعرة أن الواقع مرّ و مملّ فتبرّمت به و بما أنها التجأت بأحلام السماء و تخيّرت لنفسها عالم الخيال و هو خيال الشعراء هذا هو سبب خلاصها و إلا يلمّ بها اليأس و يثقل عليها.

03c5feb9e7
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages