ليست هذه المرة الأولى التي يلجأ فيها جواد الأسدي إلى هذا النص فقد سبق له وأن قدمه منذ سنوات في بيروت تحديدا في العام 2010 على مسرح بابل مع الممثلتين اللبنانيتين كارول عبود وندى فرحات ثم أعاد عرضه معهما في دمشق ليس هذا فحسب بل إن الأسدي ومنذ التسعينات قدمه على مسرح خشبة الهناجر وكانت تلعب بطولته حينها ممثلتان مصريتان.
والمقارنة بين كل العروض السابقة والعرض الذي قدم في إطار المهرجان واجبة لأن جواد الأسدي الذي اعتاد في عروضه السابقة تقسيم العرض إلي مستويين الأول على صعيد المكان الخشبة (الركح) والثاني على صعيد اللغة بمعنى أصح اللهجة كان مستفيدا بشكل كبير من ضيق المكان وقربه من الجمهور في كل مرة عرض فيها المسرحية فكان يقسم الخشبة إلى قسمين إما بشكل طولي وإما عن طريق العمق فيجعل القسم الأعلى غرفة السيدة ومخزن حليها وملابسها وأحذيتها بينما القسم الأسفل هو المطبخ مكان التواجد الطبيعي للخادمتين أو يقوم بتقسيم المكان إلى قسمين على مستوى العمق فيجعل الداخل غرفة السيدة بينما الخارج مقدمة الخشبة المطبخ المكان الطبيعي لتواجد الخادمتين لساعات مستعينا بطاولة الطعام وكراسيها كإشارة مباشرة إلى المطبخ ويستثمر الحوار بطريقة مبتكرة فيجعل الخادمتين تتكلمان باللهجة الدارجة في ما بينهما أثناء وجودهما في الدرك السفلي أو في المطبخ وعندما تتبادلان الأدوار تستخدم إحداهما اللهجة الفصحى فترتفعان إلى درجة السيدة.
أما على صعيد اللغة فحافظ على مستوياتها في العرض فجعل الحوار باللهجة العامية يدور بين الخادمتين بصفتهما الحقيقية بينما استعان باللهجة الفصحى في كل مرة أرادت فيها إحدى الخادمتين تقمص دور السيدة.
ويحسب للمخرج أنه لم يغرق في العامية المغربية أو استخدام بعض المفردات الفرنسية كما حصل في بعض العروض المغاربية بحيث بقي العرض مفهوما للجمهور العربي وهو أمر يجب أخذه بعين الاعتبار وخاصة في النصوص المسرحية التي تحمل في متنها المعنى الحقيقي لما يريده العرض.
ترى ما الذي جعل هذه المسرحية التي ابتدعها رجل نزق ومتوتر المزاج رواية تُروى وقصة تُحكى في مثل تلك العلاقات المأزومة بين سيّد وعبده من جهة وعبد وواحد من بني جلدته من جهة ثانية أي ما يمكن أن تخفيه علاقة مبنيّة على الطاعة والإذعان من رغبة خفية في الانتقام والتشفّي بين مثلث شديد التعقيد والالتباس
تفاصيل يوميّة وروتينية لا يمكن أن تقلّدها إلّا خادمتان لازمتا السيّدة منذ سنوات وعانت الاثنتان من ذلك الجبروت الذي تمارسه السيّدة بمنتهى البراءة والطهارة وحتى التلقائية لكنه حفر عميقا في نفسيتي الفتاتين المحرومتين فأضحتا تمارسان عمليّة اقتداء المغلوب بالغالب في غياب سيّدة المنزل وفي طقس تطهيري يجعل من تقليد السيّدة فعلا انتقاميا تنتهجه الفتاتان بالتناوب كل يوم.
تبدأ طقوس وتقاليد ربّة البيت من طريقة استيقاظها ولهجة صوتها وهي تطلب كأس الشايّ الصباحي مرورا بتفاصيل زينتها والطلب من خادمتيها مساعدتها في التزيّن وارتداء الثياب ووصولا إلى أدقّ الأشياء التي لا يمكن أن ينتبه إليها إلّا من عايشها كل يوم.
إن فن تمثّل التفاصيل لا تتقنه إلّا النساء ولذلك أبدعت سولانج وكلير في تقليد السيّدة الأرستقراطية إلى حدّ التماهي فتبدو الواحدة من الاثنتين وهي تقلّد سيّدة المنزل أثناء غيابها هي نفسها سيّدة المنزل وكأنها لم تغادر مكانها.. الخدم لهم قدرة خارقة على تقليد الأسياد.. هذا ما تقوله تقارير الطب النفسي قديمها وحديثها على كل حال.
السيّدة الأرستقراطية وجدت ضالتها في حبّ رجل وسيم يعيد إليها شبابها كأرملة عليها استعادة جمالها المسفوح لكن مكر الخادمتين حرماها من هذه العلاقة عبر الوشاية بهذا الرجل المطلوب من السلطات القضائية.
قضي الأمر وكان لهما ما تريدان فسجن الرجل وحرمت السيّدة الجميلة مما تريده ثم استمرّت لعبة التمثيل بين الخادمتين في منتهى الحقد والتشفّي فقررتا هذه المرة وضع السمّ في كوب الشاي للسيّدة الأنيقة المحبة البريئة ولكنّ الرياح جرت بما لا تشتهي سفن سولانج وكلير هذه المرة.
جاء هاتف مستعجل يخبر سيّدة المنزل أن حبيبها قد أفرج عنه فتركت كوب الشاي على طاولتها وهرولت للقائه في مقهى قريب. عادت كلير وسولانج إلى ممارسة نفس الهواية وبنفس الحماس. تبادلتا الأدوار في لعبة السيّدة والخادمة تلك اللعبة الآسرة التي سيطرت على عقلي الفتاتين الحاقدتين.
لا وجود لشخصيات متزنة في أعمال جان جينيه الروائية والمسرحية وحتى بقية كتاباته النثرية والشعرية. الكل يبدو متوترا وفاقدا للمعقول والسائد متجهّما وعبوسا ومعترضا عما سوف يأتي.. جان جينيه ليس راضيا على أيّ أحد يعترض على أيّ منطق ويدين كل من يدّعي أن لديه الحق في المواجهة والاحتجاج.
ليس غريبا أن يصدر هذا النمط في التفكير والكتابة من شخص عاش حياته في الإصلاحيات والسجون ثم احترف اللصوصية والإجرام دون أن يجد نفسه مضطرّا إلى تبرير سلوكه بل يقرّ ضمنيا بأنه ينتقم لجرم ما قد ارتكب في حقه ولا يعلم حتى مبرراته تاركا للآخرين تفسيره مكتفيا بالمضيّ نحو أهوائه وغير عابئ بالأحكام الأخلاقية وغيرها.
الأمر الأكثر تعقيدا في هذه المسرحية التي تناولها مخرجون كثيرون في شتى أنحاء العالم ومن زوايا مختلفة هو علاقة الخادم بقرينه الخادم والاستخفاف بفكرة المضي في التعاطف بين أبناء الطبقة الواحدة ذلك أن طبيعة هذه الفئة لا يتوّجها التعاطف المتبادل كما يظن البعض بل تشوبها مشاعر ملتبسة ومبنية على الغيرة والاحتقان والكراهية التي تجد لها هدفا يعوّضها عن وجهتها الأولى وهي الانتقام من السيّد عبر العبد الذي ينتمي إلى نفس الجنس والطبقة ومحيط الانتماء.
السيّدة الأرستقراطية في المسرحية كانت تمارس حياتها دون أدنى شعور بتأنيب الضمير أو الخجل فهي تعتقد أن هذا ما يجب أن يكون لكن الخادمتين الشقيقتين تعتبران ذلك تطاولا على أنوثة كلّ منهما قبل إنسانيتها.. إنها غيرة المرأة من المرأة.. وهذا أمر تفطن إليه جان جينيه ذو الحساسية العالية في سبر أغوار النفس البشرية.. وإلا كان بإمكانه استبدال الشخصيتين النسائيتين برجلين لكنه يعلم أن هذا الأمر لا يحدث غالبا إلّا في الوسط النسائي على وجه الدقة والتحديد.
اثناء انعقاد مهرجان المسرح العربي الاول الذي انعقد بالدار البيضاء سنة 1970, شاركت فيه فرق من المغرب والجزائر وتونس ولبنان. الفرقة المسرحية القارة بالكاف شاركت بمسرحية الخادمات من اخراج المخرج المقتدر الراحل المنصف السويسي وقد نالت إعجاب الجمهور المسرحي الذي صفق طويلا للمستوى والحنكة التي ابانت عنها الفرقة السالفة الذكر.
أين نحن الان من العصر الذهبي الذي عاشه المسرح في تلك الحقبة وأين الرمز التاريخي لبناية المسرح البلدي بالدار البيضاء
يضيق صدري ولا ينطلق لساني.