رؤيتي -إذن- هي أن الصراع حول أنماط التدين المتعددة والجدالات الدينية والثقافية المحتدمة هو صراع سياسي بامتياز يتلبس بلبوس ديني ثقافي. بعبارة أكثر وضوحًا: السياسي اخترق الديني والثقافي ليعيد إنتاجهما على مقاسه: تعبيرًا عن مصالح من يقف وراءه وما نشهده هو أزمات وصراعات سياسية ذات أبعاد دينية وثقافية تختبر أطرافها توازنات القوى والمصالح فيما بينها في ظل امتزاج شديد للمصالح بالمشاعر الدينية والثقافية.
ما هي أرضية السياسي -إذن- التي يتحرك عليها الجدل حول مؤسسة "تكوين لتجديد الفكر العربي" التي أعلن عنها عدد من المثقفين المصريين مؤخرًا
ففي الوقت الذي يجري فيه التعامل مع النقاش السياسي وإعادة هيكلة الاقتصاد بسياسات نيوليبرالية شرسة بمنتهى الحزم يلاحظ احتدام الجدل الديني والثقافي في موجات متصاعدة لا تكاد تنتهي واحدة حتى تبدأ أخرى.
صحيح أن احتدام الجدل الديني يعكس العجز العربي الرسمي عن السيطرة الكاملة على المجال الديني برغم النجاح -إلى حد كبير- في التحكم في المجالين السياسي والاقتصادي إلا أن هذا الجدل يستخدم أيضًا لخدمة مزيد من تصحير/إفراغ المجال السياسي حين يصرف النقاش العام عن انكشاف العجز الرسمي أمام الإبادة الجماعية في فلسطين.
يؤدي طغيان الديني على السياسي والسياسي على الديني إلى إرباك الجميع والأهم التغطية على أولويات الناس والقضايا فالسقف المرتفع للجدل الديني لا يوازيه نفس السقف في السياسة والجرأة على الدين لا تناظرها جرأة على انتقاد المواقف الضعيفة مما يجري من توحّش إسرائيلي.
إن خطابات "الزيطة التنويرية" تستثير في المقابل مساحات المحافظة الدينية والاجتماعية وهو ما تنبه إليه كثير من رموز التجديد الديني حين حرصوا على الجمع بين التجديد في بعض المسائل والقضايا وبين المحافظة على المنهج التراثي في النظر وهي مدرسة بدأت تظهر في النصف الثاني من القرن العشرين ولكنها تبلورت في الربع الأخير منه.
هذه العلاقة تتحقق -في تقديري- من زاويتين تنبه إليهما تقرير صادر في 2017 عن "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى" -ذي التوجه الداعم لإسرائيل والمحافظين الجدد- بعنوان: "الاسترداد: سياسة ثقافية للشراكة العربية الإسرائيلية":
تقدم بعض الأنظمة العربية مبادراتها المتعلقة بدور الدين في السياسة والحياة العامة على أنها دعوة للحداثة والتسامح بين الأديان ومحاربة التطرف لكنها قد تكون في حقيقتها محاولة لبسط النفوذ وإحكام السيطرة على مجمل المجال الديني وجميع المؤسسات الدينية وفي نفس الوقت دمج النخب الثقافية أو قطاعات منهم في شبكات التحالفات السياسية والمالية -وطنيًا وإقليميًا ومع الرعاة الدوليين.
أختم بالإشارة إلى أن تسييل التعاليم الدينية من المسائل الصعبة ولكنه حال تحققه يسهل إعادة تعريف العدو وإعادة صياغة المجتمع والدولة وفق ما يراد وهو ما يجري على قدم وساق في المنطقة من مداخل متعددة. التسييل مهمة مؤقتة غرضها احتلال المناطق المسيلة برؤى وتصورات النافذين بتحالفاتهم القديمة والجديدة.
دبي الإمارات العربية المتحدة (CNN)-- قدم برلمانيون ومحامون استجوابات للبرلمان وبلاغات للنائب العام تطالب بوقف نشاط مركز تكوين للفكر العربي مُتهمين أعضاء مجلس الأمناء بإثارة الفتنة ونشر الإلحاد مستندين إلى صدور أحكام سابقة بحق بعض أعضائه في قضايا ازدراء الأديان فيما وصف المركز الهجوم عليه بأنه "استباقي ولا يستند إلى أية أدلة لهذه الاتهامات".
على موقعه الرسمي حدّد مركز تكوين هدف إنشائه وهي "تعزيز قيم الحوار البناء ودعم الفكر المستنير والإصلاح الفكري وإرساء قيم العقل والاستنارة والإصلاح والحوار وقبول الآخر" مع "وضع الثقافة والفكر العربي في أطر جديدة أكثر حيوية وتواصلًا وشمولية ومد جسور التعاون مع الثقافات المختلفة بهدف تمهيد السبيل نحو فكر عربي مستنير".
ويضم مجلس أمناء المركز 6 من الكتاب المصريين والعرب وهم: إسلام بحيري وإبراهيم عيسى ويوسف زيدان من مصر وفراس السواح من سوريا ونايلة أبي نادر من لبنان وألفة يوسف من تونس.
وفي نهاية الأسبوع الماضي قدم عضو مجلس النواب هشام الجاهل طلب إحاطة للحكومة حول مركز تكوين للفكر العربي قائلا إن "أعضاء مجلس أمناء المركز معروف عنهم التشكيك في ثوابت الدين وأن القصد هو إثارة الفتنة بين أطياف الشعب المصري والحرب على ثوابت الإسلام لنشر الإلحاد" حسب قوله.
وقال المحامي عمرو عبد السلام إنه تقدم ببلاغ للنائب العام ضد ثلاثة من مجلس أمناء مركز تكوين إبراهيم عيسى وإسلام بحيري ويوسف زيدان وجّه فيه اتهامات لهم بتلقي تمويلات من الخارج بالمخالفة لقانون الجمعيات الأهلية واستغلال الدين لإثارة الفتنة بين أطياف المجتمع المصري والطعن في الثوابت والمعتقدات الدينية بقصد الإضرار بالأمن القومي والسلام الاجتماعي.
وأضاف المحامي أن النائب العام أمر نيابة أمن الدولة العليا بالتحقيق في البلاغ المقدم الذي حمل رقم 28073 وأنه ينتظر استدعائه للتحقيق بصفته مقدم البلاغ وكذلك استدعاء المذكورين في البلاغ للرد على الاتهامات لافتا أنه ساق اتهاماته إليهم بتلقي تمويلات من الخارج بناء على اعتراف أحد أعضاء مجلس الأمناء إسلام بحيري بتلقي المركز تمويلات وتبرعات من رجال أعمال من داخل وخارج مصر.
وفي تصريحات تلفزيونية قال عضو مجلس أمناء مركز تكوين إسلام بحيري إن المركز يتم تمويله من قبل مجموعة من رجال الأعمال المصريين والعرب المهتمين بالثقافة وأهمية وضرورة إيجاد فضاء فكري حر وبناء يعزز فرص التطوير والتقدم في مجتمعاتنا العربية على حد قوله.
واشترط قانون تنظيم العمل الأهلي في مادته رقم 23 التزام الجمعيات الأهلية بفتح حساب بنكي أو أكثر في أحد البنوك الخاضعة لرقابة البنك المركزي والإنفاق على أغراضها أو تلقي أية أموال متعلقة بها عن طريق هذه الحسابات دون غيرها.
وأشار المحامي إلى أن أعضاء مجلس الأمناء والمنتسبين لمركز تكوين للفكر العربي سبق إدانتهم بقضايا ازدراء أديان مدللًا على حديثه بصدور حكمين ضد إسلام بحيري بتهمة ازدراء الأديان بعقوبات وصلت للسجن بين 3-5 سنوات كما سبق اتهام الكاتبة فاطمة ناعوت بنفس التهمة وعوقبت بالسجن لمدة 3 سنوات قبل أن تخفف العقوبة إلى الحبس لمدة عام مما يستدعي ضرورة التصدي لأعضاء المركز قبل نشر الفتنة" حسب قوله.
وذكر المحامي أنه يجهز ملفا كاملا مدعمًا بمقاطع فيديو ومقالات لأعضاء مجلس أمناء مركز تكوين قال إنهم يشككون خلالها في المعتقدات والثوابت الدينية مثل تشكيك الكاتب الصحفي إبراهيم عيسى في واقعة الإسراء والمعراج خلال برنامج تلفزيوني ونفس الأمر للباحث إسلام بحيري والذي يروج لتصريحات تخالف السنة مما قد يهدد بنشر الفتنة بين الأجيال الجديدة بحسب مقدم البلاغ.
03c5feb9e7