على مطايا السنين أنهى الشيخ عبد المجيد بن عزيز الزنداني رحلة مع الدنيا استمرت في كبد ومنازعة ومقاومة ونضال حتى آخر أيامه خرج هذا الشيخ اليماني من بلاده بعد أن أهدر خصومه دمه واستباحوا جامعته العريقة ليخرج من بلاده متخفيا إلى السعودية التي أقام فيها سنوات قبل أن ينتقل مجددا إلى تركيا التي وصلها عام 2020 حيث وضع عصا التسيار جارا لأبي أيوب الأنصاري في مهاجره ومدفنه التركي. هكذا جرت المقادير وسارت الأيام لرجل ارتبط اسمه باليمن والإيمان والإعجاز العلمي في القرآن.
استلم عبد المجيد الزنداني أرواق الحياة غضة طرية ذات يوم من عام 1942 في قرية الظهبي بمحافظة إب لكن انتماءه الأصلي كان إلى قرية زندان ومنها أخذ نسبته التي رافقته وجعلته أشهر منسوب إليها وربما أشهر علماء وقادة اليمن وسياسييه أما قبليا فالرجل من أرحب بن بكيل تلك الآصرة القحطانية الشهيرة التي تنسب إليها أيضا الإبل الأرحبيات العتاق ذوات التاريخ الأصيل.
وفي قريته الصغيرة أخذ الرجل معارف واسعة من علوم الشريعة الإسلامية واللغة واعتمر العمامة وتقلد الخنجر اليمني الأصيل وسار سيرة اليمانيين العريقة لكنه امتاز بشفافية روحية عالية وبإخبات مشهود وجهاد تربوي مستمر طبع به أنصاره ومدرسته العلمية وجامعته التي حملت اسم الإيمان.
كان الرجل من أبناء الثورات اليمنية ومن الذين شحذت هممهم قصائد وآراء القاضي الشاعر محمد محمود الزبيري التي ما زال رجْعها الوهاج يعتمل في القلوب.
والظاهر أن تربية الأسرة الخاصة قد تركت بصماتها التي لا تنمحي في وجدان الطفل عبد المجيد الذي يذكر كيف غضب والده ذات مرة حتى كاد يبطش به لأنه أخذ نقودا زائدة على حقه من بائع صغير في قريتهم ليرفع الوالد الصوت هادرا مجلجلا خوفا من دخول المال الحرام بيته أو جوف ابنه وتلك وردة في روض يانع من قصص الإخبات والتقوى والمجاهدة التي أخذ بها الزنداني نفسه وأطرها عليها أطرا كابحا عنفوانها حتى استقادت ولانت وفق ما يروى بعض أنصاره ومحبيه.
درس الشيخ الزنداني المستويين الابتدائي والثانوي في المدارس النظامية في إب وعدن قبل أن ينتقل إلى مصر حيث درس في كلية الصيدلية سنتين ولكنه لم يكمل دراسته في تلك الكلية نظرا للتطورات التي تلاحقت حينها في اليمن ولأن الاهتمامات الشرعية للرجل سلكت به ذات اليمين إلى غير ما خرج له من اليمن.
وفي رحاب الأزهر ومحاضن وجمعيات الإخوان المسلمين وبين المحابر والمحاريب والمكتبات وحلقات التربية والنقاش في أرض الكنانة نهل الشيخ الزنداني من علم واسع ووعي حركي جعلا شخصيته تسلك مسارا آخر.
ولكن الرجل وجد نفسه خارج مصر يبحث عن موطئ قدم جديد فقد كانت الأجواء السياسية بمصر الناصرية في تلك الأثناء متقلبة كسيول النيل بعد أن ضاقت القاهرة ذرعا بالإخوان وزجت بأعداد كبيرة منهم في السجون وعلّقت حبال المشانق لعدد من قادتهم بينما قضى آخرون تحت سياط التعذيب في أقبية السجون أما اليمن فكان يغلي ضد الحكم الإمامي وكانت ثورة 26 سبتمبر (أيلول 1962) تتخلق وقتها لتنجح لاحقا في إسقاط الحكم الإمامي بعد محاولتين فاشلتين.
انتقل الزنداني إلى المملكة العربية السعودية متجولا بين العرصات المباركة والعلماء الأجلاء من أمثال الشيخ عبد العزيز بن باز ومحمد بن صالح العثيمين وغيرهما من المرجعيات العلمية في الحجاز حيث انكب على دراسة العلم الشرعي قبل أن يختتم مساره الدراسي بشهادة الدكتوراه من جامعة أم درمان الإسلامية في السودان.
توسعت مدارك الشيخ الزنداني بشكل كبير في دراسته الشرعية ويبدو أن خلفيته في مجال علم الأحياء مكّنته من اكتشاف عالم لا متناه من إعجاز الوحي خصوصا فيما يتعلق بإثبات سبق الشريعة لكثير من الاكتشافات العلمية الحديثة في مجال الأحياء والبحار والطب.
ولم يكتف الشيخ الزنداني بإظهار مجالات الإعجاز العلمي في القرآن والسنة بل سعى إلى تحديد ضوابط ومفاهيم هذا العلم الجديد الذي فتح عيونا وقلوبا كثيرة حول العالم على عظمة الإسلام.
ولا يعلم أحد في جيله اشتهر بما اشتهر هو به من انشغال بقضية الإعجاز العلمي في القرآن فكان هذا المجال من أهم وأبرز مجالات تميّز الرجل ونشر عددا كبيرا من الأشرطة والمحاضرات التي فصّل فيها تأملاته في مظاهر الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة النبوية.
كما أسهم بالإضافة إلى ذلك في تأسيس هيئة عالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة وهي الهيئة التي ترأسها لاحقا واتخذت من المملكة العربية السعودية مقرا لها.
وقد توج الرجل بحوثه واهتماماته العلمية بإعلانه في العام 2004 عن اكتشافه علاجا لفيروس الإيدز القاتل محتفظا لنفسه بسر وملكية هذا العلاج خوفا عليه من "مافيا شركات الأدوية" كما قال حينها.
وقد أثمرت المسيرة العلمية للشيخ الزنداني عددا كبيرا من البحوث والدراسات والمحاضرات والرحلات العلمية والدعوية كما أنتجت كتبا مهمة من أشهرها: تأصيل الإعجاز العلمي التوحيد البينة العلمية في القرآن الكريم علم الإيمان طريق الإيمان نحو الإيمان.. إلخ.
ولقد كانت قصة الشيخ الراحل مع الإيمان بشكل عام هي أكبر هم الرجل وأعلى مدراج فكره فقد ملك القرآن شغاف قلبه وتحدث العديد ممن عرفوه عن شغف الرجل بالقرآن وطول صلاته وإذ تراءت سمعة الرجل ومكانته العلمية والاجتماعية فإنه كان حريصا غاية الحرص على إخفاء عبادته ونشيجه الذي يقطع به الليل تسبيحا وقرآنا عن أقرب مقربيه كما كان حريصا على أن تكون له "مع الله خبيئات" يضن بها عن أعين الرقباء حسب ما يقول هؤلاء.
وقد حوّل الرجل المصطلحات الأثيرة مثل علم الكلام وعلم العقيدة إلى علم الإيمان مستخدما في ذلك قرآنية المصدر ونبوية التسنن والاقتداء.
ولقد وقف الزنداني في وجه موجات الإلحاد مخاطبا العقل العلمي للعالم ببينات من إشراق الأسلوب القرآني ودامغ حججه العلمية وجداله العقلي المستنير.
ولجمع أشتات المعارف والإشراقات التي يرى الزنداني أنها أساس تربية وتعليم الشاب المسلم أنشأ الرجل جامعة الإيمان في قلب العاصمة صنعاء وفتح لها عددا من الفروع في أنحاء مختلفة من اليمن وتزايد طلابها إلى آلاف من أكثر من 55 جنسية كما توزع أساتذتها بين جنسيات ومرجعيات علمية متعددة.
خرّجت جامعة الإيمان آلاف الطلاب من حملة الشهادات العالية وتفرّق طلابها في أمصار العالم كالورود والشذا تحمله الريح من قمم الجبال إلى السفوح والوديان والأنهار والأمصار.
لكن جامعة الإيمان لم تكن في أيامها الأخيرة إلا جرحا يمينا من بين جراحات أخرى حيث دمر ومزق حاضرها وتاريخها وإشعاعها برصاص الحوثيين الذين كانوا يصفونها بأنها "محضن السلفيين والتكفيريين".
ولم تكن الجامعة الهدف الوحيد لخصوم الزنداني بل توجهوا إلى منزله في قرية زندان وحوّلوه إلى حجارة وركام وأكوام من الذكريات بعد أن دوى صوت القنابل والمتفجرات في أركانه في سعي للانتقام من الرجل الذي رأى فيه هؤلاء خطرا على مشروعهم لحكم اليمن.
59fb9ae87f