في مقال سابق تعرضت لموضوع الفتوى في الاقتصاد وخطورتها إذا لم تقنن أو استمر التعامل معها بطريقة غير منهجية ودون أن تأخذ حقها من الدراسة والنقاش والتمحيص. ذلك أن تأثيرها يمتد إلى بنية الاقتصاد التي تتبدل وتغير بشكل مستمر تبعا لتغير السلوك البشري الذي لا يكفي معه مجرد الرأي الشخصي أو الانطباع العام أو منهجية سد الذرائع. في هذا الاتجاه أشرت إلى خطورة إقحام علم المحاسبة في الفتوى من خلال ما بدأ ينتشر ويطلق عليه المحاسبة الشرعية. والحقيقة أنني ومع مرور 20 سنة في علم المحاسبة لا أعرف ماذا تعني هذه المحاسبة الشرعية (التي تعني بالطبع أن هناك أخرى غير شرعية). ثم من الذي تبرع وحدد لنا المحاسبة الشرعية وغير الشرعية؟ واليوم يظهر من يدعي علما بما يسمى الرقابة الشرعية ويقدم فيها محاضرات وندوات ودورات تدريبية تدعمه مؤسسات حكومية ومع الأسف مهنية.
المحاسبة والمراجعة مهنة في المقام الأول يجب احترامها واحترام القائمين عليها. المحاسبة مهنة لها مؤسسات قائمة تعمل على إعداد المعايير الخاصة بعمل المحاسبين والمراجعين تطورت على مدى عدة قرون وليست مجرد ردة فعل مؤقتة لنزاعات فكرية هنا وهناك. المحاسبة مهنة وليست فتوى, والمحاسبون لا يقدمون فتاوى لأحد. عندما يعلن عدد من علماء الفقه الذين اختلفوا حول شرعية أعمال التورق فيجب ألا ينتظر أحدهم أن تقدم له معايير المحاسبة فتوى تدعمه. المحاسبة تعكس واقع الحدث الاقتصادي وليس الشرعي ويجب عدم توريطها في هذا الشأن. المحاسبة تنظر إلى الحدث الاقتصادي بعيون نظرية القيد المزدوج (طرف مدين وطرف دائن وبينهما قيمة كمية). تتابع المحاسبة حركة الأصول وليس حرمتها. لا يهم المحاسبة إذا تحصل الإنسان على هذه الأصول من حلال أو من حرام ذلك أن المحاسبة تعكس كميات وليس قيما. القيم والأخلاق والسلوك والنوايا لا يمكن تحليلها اقتصاديا ولذلك لا يمكن تسجيلها دفتريا. القيم ليس لها سوق فاعلة يمكن تناقلها بين الوحدات الاقتصادية المختلفة لذلك لا تراها المحاسبة.
في ظل هذا الإطار العام فإن معايير المحاسبة التي تعاملت مع ما يسمى التورق والمضاربة والإيجار وغيرها من منتجات المصرفية السلامية قامت بذلك على أساس محاسبي بحت. النص الفقهي الذي تعتمد عليه المحاسبة ليس من منتجاتها بل هو القانون الساري في تلك الأعمال. فمثلا في الإيجار المنتهي بالتمليك وفي نهاية مدة الإيجار ينص المعيار المحاسبي على أنه إذا سدد المستأجر جميع الأقساط تنتقل إليه ملكية الأصل وتقفل الحسابات, وأما إذا قرر المستأجر عدم الشراء وكان المؤجر يتبع سياسة عدم الإلزام بالوعد فإن الأصل يثبت في دفاتر المؤجر بالقيمة النقدية المتوقع تحصيلها وإذا كانت أقل من قيمته الدفترية فإنه يعترف بالفرق خسارة. هنا نص محاسبي ونتج عن تكييف فقهي يمثل قانونا مرجعيا للمعيار. النص الفقهي قام به فقهاء والنص المحاسبي يحتاج إلى مهنيين محاسبين. وهذا بيت القصيد.
إن ما يحدث اليوم من ''اقتحام مهني'' – إن جاز التعبير – هو أمر مؤسف وسينتج عنه تشويه للاقتصاد وللمهنة يجب التصدي له. أحترم الشرعيين طالما يحترمون المهنة وعلماءها, لكن في حال تم تجاوز تلك الخطوط الحمراء وممارسة الازدواجية وادعاء أن هناك محاسبة شرعية وأن ما يتم تعليمه في أقسام المحاسبة الاعتيادية علم غير شرعي فإن على المحاسبين مواجهة خطر تشويه مهنتهم. فلقد وصل بالبعض ادعاء أن قسم المحاسبة هو جزء من منظومة كليات الشريعة وأن تدريسه خارج هذه الكليات أمر غير مضمون النتائج وهو الأمر الذي يتضمن فرض الوصاية على هذه المهنة المهمة جدا ومن تخصصات غير مهنية.
وإذا ذكرت مهنة المحاسبة ذكرت في ثناياها مهنة المراجعة التي تشهد تدخلا سافرا من أصحاب الاقتصاد الإسلامي. وإذا كان الاقتصاد الإسلامي لم يستطع حتى الآن تقديم نفسه كعلم مستقل ويقدم نظرياته لتفسير السلوك الاقتصادي فقد تم تحويره بدلا عن ذلك إلى مجموعة من القوانين الشرعية سميت ''اقتصادا'' ولما وجدت هذه القواعد الشرعية قبولها في المجتمع المسلم ظهرت ادعاءات بالتحليل المالي الإسلامي وتصنيف المنشآت إلى إسلامية وغير إسلامية وفقا لقواعد لا يمكن التحقق منها علميا لتظهر مشكلة التحقق فأنتج أصحاب هذا الفكر ما يسمى الرقابة الشرعية في تجاوز سافر أيضا لكل الأعراف المهنية المقبولة. فلا معنى دقيق لديهم لمعنى الرقابة وكيف تتحقق وكيف يتم التحقق منها. ثم لأنها مهنة ذات سوق وطلب فاعل وسعيا وراء المادة بدأ بعضهم في تقديم دورات وشهادات تسمى مراقب شرعي لتظل تسأل نفسك أسئلة خطيرة جدا. من منح مانح الشهادة شهادته المهنية؟ وكيف يمكن لمن يعمل في هذا الحقل الاقتصادي الخطير جدا أن يعمل دون شهادة مهنية؟ وما الإجراءات والامتحانات والمواد؟ ثم الأسوأ من هذا وذاك أنه أصبح لبعضهم مكاتب مهنية فأين تم تسجيلها وفي أي سجل وما الشروط؟
وإذا تجاوزت كل تلك الشكليات فإن المصيبة تكبر إذا سألنا كيف يقوم المراقب الشرعي بعمله؟ وكيف يتحقق من أن جميع أعمال المنشأة أو البنك شرعية؟ هل يراجع جميع المستندات (مراجعة شاملة)؟ هل يأخذ عينة؟ وإذا أخذ عينة فما الطريقة وكيف يعمم النتائج؟ وهل يجوز تعميم النتائج في مواضيع شرعية؟ وما المعيار؟ ومن اعتمده؟ وما شكل التقرير وما نطاقه؟ ومن دفع الأتعاب؟ وكيف نقيم الاستقلال في كل حاله.
إن لكل مهنة أبوابا, فأتوا البيوت من أبوابها, وما يقوم به أصحاب الاقتصاد الإسلامي من تجاوز مهنة المحاسبة في المملكة ومرجعيتها أمر خطير على الاقتصاد يجب التوقف عنه فورا ويجب على وزارة التجارة أن تتخذ الإجراءات اللازمة لمنع مثل هذه التصرفات غير المسؤولة. يذكرني ما يحدث اليوم للمحاسبة ما يحدث للطب من قبل ما يسمى الطب البديل, ولعل التدخل السافر في المهن وعدم الاحترام المهني واعتقاد بعضهم أن لديه الشرعية للتدخل في كل أمر ظاهرة خطيرة تستشري في مجتمعنا يجب التصدي لها بحزم.