قاتل اقتصادي

0 views
Skip to first unread message
Message has been deleted

Itaete Roberson

unread,
Jul 18, 2024, 7:51:18 AM7/18/24
to theddegesex

في أواخر مارس/آذار 1980 وعلى متن أحد القوارب الفارهة بجُزر "فيرجن آيلاند" كان السيد "جون بيركنز" برفقة مساعدته الشابة "ماري" يمضي إجازته التي اقتنصها لتهدئة أعصابه من ضغوط وظيفته غير الاعتيادية. وفي إحدى رحلاته وتحديدا في قناة سير "فرانسيس دريك" التي تفصل بين الجزأين: الأميركي والبريطاني من الجُزُر حملت التأملات الساحلية لهذا الرجل الأربعيني قرارا مصيريا وخطيرا وبسيطا بالقدر نفسه.

قاتل اقتصادي


تنزيل https://urluss.com/2z0cDe



في قناة "دريك" ذلك الاسم الذي أُطلِق تيمُّنًا بالسير "فرانسيس دريك" نائب الأميرال الإنجليزي تاجر الرقيق والسياسي والمدني ومهندس العصر الإليزابيثي نتيجة لما ألحقه من هزيمة بالأساطيل الإسبانية التي تحمل ذهب الأرض الجديدة هناك حيث واجهت "بيركنز" ذكريات المستعمرين القدامى وهم يقتاتون على ثروات الشعوب الأدنى تماما كما يفعل هو وأقرانه -بوصفهم قراصنة اقتصاديين- في شركة "Main" في قصة طويلة سيُنهيها ألم الضمير.

"أنا أيضا استرققت العبيد. لعشر سنوات كنت خلفا لهؤلاء السلف من الرجال الذين سحبوا العبيد من غابات أفريقيا إلى السفن المنتظرة على الشاطئ".

لقد كان الكهل الأميركي اقتصاديا بارعا ومُتخصصِّا في إغراء الدول النامية بالمشروعات التنموية لإغراقها في الديون ومن ثم السيطرة عليها سياسيا بعد قتلها اقتصاديا فلا تملك بعد هذا إلا التبعية لسيّدها الأميركي لكنه يصف نفسه بأنه كان "النموذج الأحدث في هذا الدرب والأكثر مراوغة لم أرَ في حياتي جثث الموتى ولم أشم رائحة اللحم المتعفن ولم أسمع صرخات الألم. لكن ما فعلته هو الشر نفسه.. ربما في التحليل النهائي أرى نفسي أكثر إجراما وشرًّا".

مرة أخرى يُدير القرصان الاقتصادي نظره في المكان الذي يطؤه وحيدا فيرى آثار أسلافه الإنجليز حينما داسوا أرضها غُزاة طاغين ويقول: "أبعدت ناظري عن البحر والخليج والسماء الأرجوانية. تفاديت النظر تجاه الجدران التي بناها العبيد المُنتزَعون من أوطانهم في أفريقيا وحاولت أن أبعد تفكيري عن كل هذه الأمور" (2). لم تُفلح حيلته كثيرا بالهرب لأنه اتخذ طريقه إلى قاربه الذي ينتظر بعدما عرف ما ينبغي له فعله للخروج من تلك الحلقة الجهنمية التي يصعب الرحيل عنها بمرور الوقت.

في الأول من إبريل/نيسان التالي -بعد يومين من عودته- كانت استقالته تقبع في "بوسطن" على مكتب السيد "بول بريدي" مدير مؤسسة "Main" للقتل الاقتصادي غير الرحيم كما يصفها بيركنز نفسه الذي قرَّر أن يُفرِّغ الجزء المتبقي من حياته لفضح ممارسات الإمبريالية الاقتصادية وكيف تُغتال الأمم اليوم ليس بواسطة السلاح فقط ولكن أيضا بواسطة الدولار.

من منحة المدرسة إلى منحة الجامعة وكونه اختيارا مصيريا بامتياز يُحفِّزه والده لاختيار المنحة الأكاديمية بجامعة "ميدابيري" على حساب المنحة الرياضية بجامعة "براون" وهناك التقى "جون" بابن أحد مستشاري الشاه الإيراني وقتها ليدخل في رحلة من العبث والمجون انتهت بفصل الثاني وترك الأول في الجامعة بعد مشكلة جنائية في مشاجرة بحانة والذهاب إلى "بوسطن" حيث حصل "جون" على وظيفته الأولى مساعدا شخصيا لرئيس التحرير بمؤسسة هيرست في جريدة "ساندي ادفرتايزر" (3). جُنِّد معظم زملاء "جون" بالجيش الأميركي في نهاية عام 1965 ولتفادي المصير نفسه قرَّر "جون" الالتحاق بكلية إدارة الأعمال بجامعة الولاية وهو ما تزامن مع انفصال صديقته القديمة بجامعته السابقة "آن" عن صديقها ليُفسح لعاطفته المكتومة تجاهها ويتزوجا تلك الزيجة التي ستُغيِّر كل شيء.

كان والد "آن" مهندسا لامعا وضع تصميم نظام التوجيه لنوع معين من الصواريخ ليُكافأ بعدها بمنصب مرموق في البحرية الأميركية ويصادق عن طريقه العم "فرانك" -وهو اسم مستعار أطلقه بيركنز في مذكراته- الذي كان يشغل منصبا كبيرا بوكالة الأمن القومي (4) وهو المنصب الذي أهّله لإنقاذ "جون" من التجنيد الإجباري لحرب فيتنام بترشيحه لوظيفة شاغرة بالوكالة نفسها. في مقابلة التوظيف لم تتوافق توقُّعات الشاب اليافع مع نتيجة الاختبارات فلم يشغلهم كثيرا أمر ولائه لأميركا بقدر ما اهتموا بكذبه على الشرطة لحماية صديقه وكذا بالإحباطات التي واجهها في حياته بشأن المال والجنس الآخر وطموحاته في الظفر بالأمرين معا الأمر الذي فسّره "جون" فيما بعد بأنه ترك انطباعا جيدا عنه -في هذا الموضع- بأنه سهل الإغواء وأن الثراء السريع إغراء كافٍ ومختصر للفوز بكل إمكانياته وتوظيفها.

بعد بضعة أسابيع من الاختبارات قُبِل "جون" في وظيفته وبدأ التمرين على فنون الجاسوسية ليبدأ في عمله بعد تخرجه في جامعة "بوسطن". وفي محاضرة لأحد المسؤولين عن فيالق الخدمة العامة عرف "جون" أن بعض المناطق في غابات الأمازون ما زالت تعيش في بدائية الهنود الحمر وأن الفيالق في حاجة إلى متطوعين للخدمة هناك فشجَّعه العم "فرانك" على التطوُّع لأن الأمازون منطقة غنية بالبترول و"سنحتاج إلى عملاء أكفاء أشخاص قادرين على فهم أهل البلاد". ثم يُكمل جون: "لقد كانوا يُعِدُّونني للتحوُّل من جاسوس إلى قرصان اقتصادي" (5).

في سلسلة الأفلام الشهيرة "المهمة المستحيلة" لم تكن تلك العبارة سعيدة لبطل السلسلة إذ كانت إيذانا بمهمة جديدة من تلك التي لا يصح الظهور فيها رسميا فتظهر وحدة المهام المستحيلة للقيام بالأمر على وجهه الأمثل دون أن تتورَّط الحكومة الأميركية بشكل رسمي. بصورة شبيهة وحسب رواية "جون" كانت أحداث إيران 1953 الداعي الأكبر لإنشاء منظمة القتل الاقتصادي غير الرسمي. فحينما قرَّر رئيس الوزراء الإيراني "محمد مصدق" زيادة العائد المالي الذي تجنيه الدولة من شركة البترول الأكبر "بريتش بتروليوم" (BP) لصالح الشعب الإيراني وإلا ستتوقف استثماراتها في إيران تخوَّفت حكومة الرئيس الأميركي -آنذاك- "دوايت أيزنهاور" من زيادة نفوذ "مصدق" ومن لهجته الانفصالية عن المنظومة الرأسمالية مما يُوحي بتقارب مُحتمَل مع الاتحاد السوفيتي.

وبدافع الخوف من نشوب حرب نووية في حال قرَّرت أميركا التدخُّل العسكري لحفظ نفوذ الشركة خاصة مع خمول الدور البريطاني بعض الشيء في المنطقة أقنع وزير الخارجية الأميركي "آلان دالاس" ورئيس وكالة الاستخبارات الأميركية "جون دالاس" -حسب رواية "بيركنز"- الرئيس بإرسال أحد عملائهم بحفنة مليونية من الدولارات إلى إيران فقط من أجل مهمة واحدة فقط: لا مزيد من أيام "مصدق" في كرسي الوزارة.

لم يمضِ الكثير حتى كان "كيرميت روزفلت" مهندس الانقلابات في الشرق الأوسط يطأ أرض "طهران" بما معه من ثروة وُزِّعت على مجموعات مختارة لإثارة السخط والتظاهرات ضد حكومة "مصدق" ليحصل "روزفلت" ورؤساؤه على النتيجة المرجوّة بتنحية "مصدق" وحكومته من الصورة تماما ووضعه تحت الإقامة الجبرية حتى وفاته. حينها أدرك المسؤولون كما يروي "جون" من أين تؤكل الكَتف لكن على الرغم من بساطة التكاليف وقوة أثرها فإن المهمة كانت تنطوي على مخاطرة كبيرة في حال انكشف أمر "روزفلت" وقُبض عليه بما يشمل الإحراج المحتمل للسلطات الأميركية أمام المجتمع الدولي فكان ثمة طريق آخر للفوز بمغانم القتل الاقتصادي-السياسي دون التورُّط في الحرب وفي الوقت نفسه تفادي مغارم الظهور الرسمي في الأحداث.

03c5feb9e7
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages