ما حكم أن يقول الإمام في الخطبة: (وأشهد أن محمداً رسول الله بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة) وأنا أسأل بالتحديد عن جواز قوله (كشف الغمة) لأن بعض الناس يقولون إنها لا تجوز إلا لله وجزاكم الله خير الجزاء.
فإنه لا بأس بهذه العبارة وقد درج كثير من العلماء على استعمالها فقد جاء في خطبة كتاب مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية قال الشيخ الإمام العالم العلامة... أبو العباس أحمد بن تيمية الحراني: الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره.. إلى أن قال عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الغمة إلى آخر الخطبة.
وما زال أجلاء العلماء يأتون بهذه العبارة في خطب كتبهم فمنهم على سبيل المثال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد وابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب في أخبار من ذهب إضافة إلى شيخ الإسلام.
وخلاصة القول أن هذه العبارة لا بأس بها وليس فيها ما يتنافى مع العقيدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله سراجاً منيراً ومبشراً ونذيراً ونسبة كشف الغمة إليه إنما هو باعتبار أن الله تعالى هو الذي كشف به الغمة وأزاح به ظلمة الشرك.
سائل يقول: يرد على بعض ألسنة الخطباء في افتتاح خطبهم أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام نصح الأمة وكشف الغمة فما معنى أنه صلى الله عليه وآله وسلم كشف الغمة
اتصاف النبي صلى الله عليه وآله وسلم بوصف "كاشف الغمة" وما في معناه مردُّه إلى: أن الله تعالى جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم سببَ الخير لكل الخلق كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللهُ يُعْطِي متفق عليه فالله تعالى هو المعطي والنبي صلى الله عليه وآله وسلم هو القاسم وفي لفظ الإمام أحمد في "المسند" والإمام البخاري في "الأدب المفرد": أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ اللهُ يُعْطِي وَأَنَا أَقْسِمُ.
وأمام فاجعة الموت يتحلّل المؤرخ من قيود وظيفته الرسمية ويتحرّر لصالح الأمانة العلمية ويبدي آراءه بصراحة في "غباوة أهل الدولة" وانهماكهم في الملذات. ويتهمهم بسوء الإدارة لأن "ما بالناس سوى سوء تدبير الزعماء والحكام وغفلتهم عن النظر في مصالح العباد".
في كتاب "إغاثة الأمة بكشف الغمة" يبتعد المقريزي عن نهج مؤلفات تعالج قضايا التاريخ من وجهات نظر الحكام: "السلوك لمعرفة دول الملوك" و"المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار". ويكتب التاريخ من أسفل كما عاشه أبطاله الحقيقيون وهم الشعب في مواجهة كوارث لا تدع للإنسان فرصة إلا للبحث عن خلاص بالفرار من الموت. وليس أقسى من أن تؤدي المجاعة إلى أكل الميتة كما تُخرج الوحش الكامن في النفوس.
"إغاثة الأمة بكشف الغمة" نشرته لجنة التأليف والترجمة والنشر برئاسة أحمد أمين للمرة الأولى عام 1940. وحقق الكتاب كل من محمد مصطفى زيادة الأستاذ المساعد بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) وجمال الدين محمد الشيال مدرس التاريخ بمدرسة العريش الابتدائية الأميرية.
اعتمد المحققان على ثلاث نسخ مخطوطة ضمن مجموعة مؤلفات المقريزي في القاهرة وإسطنبول ولندن وقاما بمضاهاة هذه المخطوطات بثلاث نسخ أخرى أقل قيمة منها اثنتان في إسطنبول ونسخة في المكتبة الأهلية بباريس. ونشرت دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة عام 2002 طبعته الثالثة وعليها يعتمد هذا المقال.
في المجاعات يصبح الخبز أولا ويزهد الناس في أي شيء حتى النفائس. ويعجب المقريزي لامرأة من أرباب البيوتات عرضت عقدا قيمته ألف دينار للبيع وأرادت أن تستبدل به طحينا وكل يعتذر إليها
وكان المقريزي تولى وظيفة الحسبة بالقاهرة في سنتي 801 و802 هجرية وساعدته تلك التجربة على معالجة موضوعات الكتاب في دقة العالم بخبايا الحياة الاقتصادية وربما كانت وفاة ابنته الوحيدة سنة 806 هجرية في الطاعون الذي أعقب إحدى فترات تلك المجاعة الطويلة أحد أسباب تأليفه هذا الكتاب.
يسجل المقريزي أن أمد البلاء في عصره طال وحلّت فيه بالناس أنواع من العذاب حتى ظن الكثيرون أن المحنة غير مسبوقة ولن تزول وذلك لأنهم قوم لا يفقهون وبأسباب الحوادث جاهلون فمن تدبر الكارثة علم أن ما بالناس سوى سوء تدبير الزعماء والحكام وأن محنا ومصائب ماضية كانت أشد وأصعب ولكنها صارت خبرا وأما محنة الناس في زمانه فهي مشاهدة والمسموع الماضي وإن كان كبيرا يهون موقعه من القلوب لأن القليل من المشاهدة أكثر من الكثير بالسماع. ومن أمثلة نوبات الغلاء بمصر ما جرى عام 87 هجري في عهد عبدالله بن عبدالملك بن مروان فتشاءم به الناس لأنه أول غلاء وأول شدة رآها المسلمون بمصر. ثم وقع الغلاء في الدولة الإخشيدية عام 352 هجري واستمر تسعة أعوام.
وعلى الرغم من صرامة الإجراءات عام 360 هجري مع الطحانين وسماسرة الغلات بعد مجيء المعز لدين الله الفاطمي فإن البلاء اشتد وفشت الأمراض وكثر الموتى حتى عجز الناس عن تكفين الأموات ودفنهم فكان من مات يطرح في النيل. وفي العام التالي 361 هجري أخصبت الأرض وحلّ الرخاء.
ولا تكون مواجهة سماسرة الأزمات وأغنياء الشدائد بالمواعظ الأخلاقية وإنما بالحسم والردع من السلطة ففي سنة 387 هجرية وقع الغلاء بسبب قصور مياه نهر النيل واشتد خوف الناس وأخذت النساء من الأسواق. ثم تحسنت الأحوال واعتدلت الأسعار حتى ارتفعت في سنة 395 هجرية لتراجع منسوب النيل وضُرب عدة من الطحانين والخبازين بالسيوط وشُهّروا من أجل ازدحام الناس على الخبز.
وتم تسعير القمح وسكن الناس بوجود الخبز وفي سنة 399 هجرية نقصت مياه النيل واجتمع الناس بين القصرين واستغاثوا بالحاكم بأمر الله وسألوه ألا يهمل أمرهم فركب حماره وخرج من باب البحر وقال أنا ماض إلى جامع راشدة فأقسم بالله لئن عدت فوجدت في الطريق موضعا يطؤه حماري مكشوفا من الغلة لأضربن رقبة كل من يقال لي إن عنده شيئا منها ولأحرقن داره وأنهبن ماله.
وفي آخر النهار لم يبق أحد وعنده غلة حتى حملها وشوّنها في الطرقات فرضي الناس وامتلأت أعينهم وشبعت نفوسهم. وخيّر الحاكم بأمر الله تجار الغلال بين البيع بالسعر الذي يقرره وفيه فائدة لهم وبين الامتناع فيختم على غلاتهم ولا يمكنهم من بيع شيء منها إلى حين دخول الغلة الجديدة. فاستجابوا لقوله وأطاعوا أمره وانحلّ السعر وارتفع الضرر.
ترتبط الشدّة في اللاوعي المصري بالخليفة الفاطمي المستنصر وتلقائيا تستدعي الكلمة صفتها فتصير الشدة المستنصرية وكأنه لا شدة قبلها بمثل هذه الجسامة ولا بعدها. وكالعادة كان نقصان مياه النيل سببا يضاف إلى ارتباك الإدارة السياسية لحداثة سن الخليفة المستنصر وتحكّم أمه في شؤون دولة تمدّ سلطتها لتشمل فلسطين وبلاد الشام والحجاز وصقلية.
وفي تلك الشدة يقول المقريزي إن النيل قصر عام 447 هجري (1055 ميلادي) وصار الخبز طُرفة واستطاع الوزير أبومحمد الحسن بن علي اليازوري تدبير الأمر حتى زوال الغلاء. فلما قتل هذا الوزير لم تر الدولة صلاحا ولا استقام لها أمر وتناقضت عليها أمورها ولم يستقر لها وزير تحمد طريقته ولا يرضى تدبيره. استمرت الشدة سبع سنين منذ عام 457 هجري (1065 ميلادي) وتزايد الغلاء وأعقبه الوباء حتى تعطلت الأراضي من الزراعة وشمل الخوف وخيفت السبل برا وبحرا واجتمع على الشعب الأمرّان: الخوف والجوع.
59fb9ae87f