\nيُوجد الزئبق بشكل طبيعي في قشرة الأرض وهو يتحرّر في البيئة بفعل الأنشطة البركانية وتعرية الصخور ونتيجة للنشاط البشري الذي يمثل السبب الرئيسي لإطلاق الزئبق إلى البيئة وخاصة من محطات توليد الطاقة العاملة بالفحم وحرق الفحم في المنازل لأغراض التدفئة والطبخ والأنشطة الصناعية ومحارق النفايات ونتيجة لتعدين الزئبق والذهب والمعادن الأخرى.
\nبمجرد إطلاق الزئبق إلى البيئة فإن بمقدور البكتيريا أن تحوّله إلى مثيل الزئبق الذي يتراكم بعدها بيولوجياً في الأسماك وحيوانات المحار (يحدث التراكم البيولوجي عندما يحتوي أحد الكائنات الحية على مادة الزئبق بتركيزات أعلى من تركيزاتها في البيئة المحيطة به). وتتعرّض أيضاً مادة مثيل الزئبق للتضخم البيولوجي ومن المرجّح مثلاً أن تحتوي الأسماك المفترسة الكبيرة على كميات عالية من الزئبق نتيجة تناولها للعديد من الأسماك الصغيرة التي تكتسب الزئبق من خلال تناولها للعوالق.
\nوقد يتعرّض الناس للزئبق في أي شكل من أشكاله في ظل ظروف مختلفة على أن هذا التعرّض يحدث في المقام الأول من خلال تناول الأسماك وحيوانات المحار الملوثة بمثيل الزئبق ومن خلال استنشاق العمال لأبخرة عنصر الزئبق أثناء الاضطلاع بالأنشطة الصناعية ولا يؤدي الطبخ إلى إزالة الزئبق.
\nيتعرّض جميع بني البشر للزئبق بمستوى معين ويتعرّض له معظم الناس بمستويات منخفضة في أحيان كثيرة من خلال التعرّض المزمن (سواء باستمرار أم على فترات متقطعة لأجل طويل). ومع ذلك فإن بعض الناس يتعرّضون للزئبق بمستويات عالية ومنها التعرّض له بمستوى شديد (على مدى فترة زمنية قصيرة تقل عن يوم واحد في أغلب الأحيان) ومن أمثلتها التعرّض له بسبب حادث صناعي.
\nويوجد عموماً فئتان أكثر حساسية لآثار الزئبق والجنين هو الأكثر عرضة للآثار التي يخلفها الزئبق على نمائه ويمكن أن ينجم تعرّضه لمثيل الزئبق داخل الرحم عن استهلاك أمه للأسماك وحيوانات المحار وهو أمر يمكن أن يؤثر سلباً على نمو دماغه وجهازه العصبي. ويخلف مثيل الزئبق أثراً صحياً كبيراً يتمثل في إضعاف نماء الجهاز العصبي لذا فإن قدرات التفكير المعرفية ومهارات الذاكرة والانتباه واللغة والمهارات المكانية الحركية والبصرية الدقيقة قد تتأثر لدى الأطفال الذين يتعرّضون لمثيل الزئبق عندما يكونون أجنة في بطون أمهاتهم.
\nأما الفئة الثانية الحساسة لآثار الزئبق فتتمثل في الأشخاص الذين يتعرّضون بانتظام (تعرّضاً مزمناً) لمستويات عالية من الزئبق (مثل فئات السكان التي تعوّل على صيد الكفاف أو الأشخاص المعرضين للزئبق مهنياً). ومن بين فئات مختارة من السكان التي تعوّل على صيد الكفاف تبيّن أن هناك عدداّ يتراوح بين 1.5 طفل من كل 1000 طفل و17 طفلاً من كل 1000 طفل يعانون من ضعف قدراتهم الإدراكية (تخلف عقلي بسيط) ناجم عن استهلاك الأسماك الحاوية على الزئبق وشملت تلك الفئات فئات السكان الموجودة في البرازيل وكندا والصين وكولومبيا وغرينلاند.
\nومن الأمثلة الهامة على التعرّض للزئبق الذي يؤثر في الصحة العمومية ما حدث في ميناماتا اليابان بين عامي 1932 و1958 حيث قام مصنع لإنتاج حامض الخليك برمي نفايات المصنع السائلة في خليج ميناماتا التي احتوت على تركيزات عالية من مثيل الزئبق. وقد كان الخليج غنياً بالأسماك وحيوانات المحار وكان يمدّ السكان المحليين والصيادين من مناطق أخرى بسبل معيشتهم الرئيسية.
\nولم يدرك أي أحد لسنوات عدّة أن الأسماك كانت ملوثة بالزئبق وأنها كانت تسبب مرضاً غريباً في صفوف المجتمعات المحلية ومناطق أخرى. وقد تأثر بها ما لا يقل عن 50000 شخص إلى حد ما ووُثِّقت على أثرها أكثر من 2000 حالة إصابة بمرض ميناماتا الذي بلغ ذروته في خمسينيات القرن الماضي وتسبّب في إصابة الناس بحالات شديدة عانوا فيها من أضرار في الدماغ ومن الشلل والكلام غير المفهوم والهذيان.
\nإن عنصر الزئبق ومثيل الزئبق سامّان بالنسبة إلى الجهاز العصبي المركزي والمحيطي ويمكن أن يخلّف استنشاق بخار الزئبق آثاراً ضارة على الجهازين العصبي والهضمي وجهاز المناعة وعلى الرئتين والكليتين وقد يكون قاتلاً. وتسبب أملاح الزئبق غير العضوية تآكل الجلد والعينين وقناة الجهاز الهضمي وقد تتسبب في تسمّم الكليتين في حالة تناولها.
\nوقد يُلاحظ حدوث اضطرابات عصبية وسلوكية عقب استنشاق مختلف مركبات الزئبق أو ابتلاعها أو تعرّض الجلد لها ومن أعراضها الإصابة بالارتعاشات والأرق وفقدان الذاكرة وتأثر الأعصاب والعضلات والشعور بالصداع وتعرّض الوظائف المعرفية والحركية للخلل. ويمكن ملاحظة علامات خفيفة دون سريرية لتسمّم الجهاز العصبي المركزي لدى العمال الذين يتعرضون على مدى عدّة سنوات لمستويات الزئبق في الهواء بمقدار 20 ميكروغرام/ المتر المُكعّب أو أكثر من ذلك. وأُفِيد بتعرض الكليتين لأضرار تتراوح بين زيادة مستوى البروتين في البول والإصابة بفشل كلوي.
ثمة سبل عديدة للوقاية من أثار الزئبق الضارة بالصحة ومنها الترويج لاستخدام الطاقة النظيفة ووقف استخدام الزئبق في تعدين الذهب وإلغاء تعدين الزئبق والتخلّص تدريجياً من المنتجات غير الأساسية الحاوية عليه.
\nإن حرق الفحم من أجل الحصول على الطاقة والحرارة هو مصدر رئيسي للزئبق لأن الفحم يحتوي على الزئبق وغيره من ملوثات الهواء الخطرة التي تنبعث عند حرق الفحم في محطات توليد الطاقة العاملة بواسطته والمراجل الصناعية والمواقد المنزلية.
\nالزئبق عنصر يتعذّر تدميره لذا يمكن إعادة تدوير المستخدم منه بالفعل للاستفادة منه في أغراض أساسية أخرى من دون حاجة إلى الاضطلاع بالمزيد من أنشطة تعدينه. وينطوي استخدام الزئبق في تعدين الذهب لأغراض حرفية وعلى نطاق ضيّق على مخاطر محدّدة ويخلّف آثاراً جسيمة على صحة الفئات المُستضعفة من السكان. ويلزم تعزيز وتنفيذ تقنيات استخراج الذهب من دون استخدام الزئبق (والسيانيد) كما يلزم في المواضع التي ما زال فيها الزئبق مستخدماً اتباع ممارسات أكثر أمناً في مجال العمل من أجل الوقاية من التعرّض للزئبق.
\nويجري اتخاذ طائفة من الإجراءات الرامية إلى تقليل كميات الزئبق في المنتجات أو التخلّص تدريجياً من المنتجات الحاوية عليه فيما يُعكف على الاستعاضة عن مقاييس الحرارة ومقاييس ضغط الدم الحاوية عليه بأجهزة أخرى بديلة في مرافق الرعاية الصحية.
\nوتُستخدم ملغمات الأسنان في جميع البلدان تقريباً وخلصت مشاورة لخبراء المنظمة في عام 2009 إلى أن من شأن فرض حظر عالمي في الأجل القصير على تلك الملغمات أن يثير مشكلة في مجال الصحة العمومية وقطاع صحة الأسنان. وينبغي بدلاً من ذلك السعي إلى التدرّج في تقليل استخدام الملغمات المذكورة عن طريق تعزيز الوقاية من الأمراض وتوفير بدائل للملغمات والاضطلاع بأنشطة البحث والتطوير فيما يتعلق بمدى مردودية تلك البدائل وتثقيف المهنيين المعنيين بطب الأسنان وزيادة الوعي العام.
03c5feb9e7