بسم الله الرحمن الرحيم
كوثرية الخلود
قال تعالى : " بسم الله الرحمن الرحيم , إنا أعطيناك الكوثر , فصل لربك وإنحر , إن شانئك هو الأبتر"
البداية الكوثرية
إبتدأ الخلق وإنطلقت معه الروح الملكوتية التي خلقت من روح بارءها ,مسلمة له طوعاً غير معترضة ولا كارهة , محاطةً برحمة لا حد لها ولا مكان يقيدها , وإختصت بعض الأرواح التي لابد لها أن تكون مخصوصة عند ساحة ربوبية الجلال والجمال فسميت هذه الأرواح بالأشباح وكانت أنواراً تضيء الأفق لتكون إنطلاقة خلقها إبتداء الخير الذي تتهيء له الأرواح الأخرى ليكون لها مثالاً تلتصق به فتلهمه العطاء وتصعد به الى ساحة القدس , ولاشك في أن الروح الإنسانية المخلوقة لا تتكامل الا بتناقضات تتصارع في جنبات عمقها وهنا يكون الابتلاء , لكي تترسم أنوار الخير وتتضح ظلمات السوء , ومثال الأشباح الذين عددهم خمسة هو الميزان الذي جعلته السماء لنضع كفتي الابتلاء كلٌ في موقعها لنحصل على النتاج فنعرف من نجح فيه وارتفعت درجته نرى من سقط في رسوبات الدرك الأسفل ,,
والأشباح الخمسة كانوا أنواراً محدقين حول عرش الرحمن يضيئون السماء بأمر ربهم من الزمن الأول وحتى وقت الأزل , وما يميزهم كونهم يمثلون شعاعاً تنصهر فيه كل معالم الإنسانية الكاملة بكل ذرات مكوناتها في عالم الملك والملكوت ولكن لو ارتبطت الأرواح الناقصة بهم وتعمقت في نورهم الشعاعي لوجدت بينهم زهرة خاصة هي شبح ولكن تلتف حولها باقي الأشباح , هذه الزهراء المضيئة هو ساكنة في روح قائد الأشباح وفي نفس الوقت هي أمه ووالدته وروحه التي بين جنبيه وهي الكوثرية التي هي مدار الحديث عنها, وهي ملتصقة بشبح آخر تشكل العضد له في تصور المادة عندما تتصورها العقول القاصرة , وهي الشبح الذي يحتضن الطفولة والرحمة والعطف الأمومي والقيادة المستقبلية لبناء الانسان الكامل ,, لا نتعمق في ذلك لأننا لن نصل ومحال لنا ان نصل , ولكن كل ما نقوله هو محاولة للالتصاق بنور الأشباح لعله ينتابنا منه ضياء خفيف يكون أملاً في ضياء خالد تنصنع به أرواحنا فتتعلق بقربهم .
الكوثرية
يستحيل الناقص ان يصل الى الكامل ولكن الكوثرية عندما عرفوها لنا ووجدنا إنها تمثل الخير كله والعطاء كله والنمو كله والكمال كله والإنسانية كلها والروح البيضاء كلها والأرض الطاهرة بما تحمله كلها ولو وقفنا وقفة واحدة لقلنا الخير كله وكله وكله بكل ما يرتبط به من ذرات الحركة والوجدان والشعور والايمان والأفكار والتصورات والتصديقات ,, الخير كله , ولا يكفي ان نقول الخير كله , بل نقول خير في أوله ومنتهاه ودوامه مستمر ما استمرت به حياة الإنسانية وليس عطاءه في الارض وقت الحياة فقط بل بعد الحياة وفي كل مراحلها , وهكذا الخير يستمر في أجيال الأشباح وترتسم معالمه في الأرواح والعقول لمن أراد لعقله ان يتلمسه في جنبات فكره ولمن أراد لقلبه ان تشتعل به وجدانيات مشاعره .
الذكريات الكوثرية
الذكري الكوثر ية لازالت تعطي ثمارها وهي حق واجب في إحياءها لمن أراد الحياة معها وأما من يرفض ان يستذكرها فانه لابد انه في عمقه قد انحرفت فطرته عن الخير الكوثري , الاستذكار الكوثري هو استذكار للقيم والمعاني والأهداف التي تحرك الارض وتبنيها وتزرعها وتعطي الأرواح التي تعيش عليها حياة الأبد وترزق العقول التي تفكر بذرات معلومها شموعاً تضيء معالم الدرس لتتحقق الأفكار عملياً فوق تراب الارض لتخلق الروح الإنسانية التي تحمل الخير فتسير به وتلهب به المشاعر وتبني بها الكمال وتغوص في عمقه لتخرج الطعام الأزكى فتمتلىء به البطون الجائعة فتشبع من روحه المتوهجة فيتكون الغنى بعد الفقر وتنصنع السكينة بعد التردد وتتلطف الطمأنينة بعد الأرق المادي ,, نعم هي الذكريات الكوثرية ,, لا نكتفي بذلك بل نقول هي المواجهة بين قيم الخير كله وفي الجانب الآخر الشرك كله يريد ان يتصارع في معركة يدرك تماما إنها خاسرة من جانبه ,, الطاغوت يسقط في الذكريات الرسالية التي بنتها الروح الكوثرية ,, الفرعون يغرق في تسافل البحر , النمرود يتحطم بمخلوق ضعيف في خلقته ولكن قوي بكوثرية روحه , وهكذا هي الذكريات مستمرة واستمرارها لأنها أوجدت أجيالاً وأجيالاً استطاعوا أن يتحصلوا على الكمال بكل معالم قوته المحيطة به والمنبثقة من خير الكوثر .
جنان الإبتداء الكوثري
ابتدأت الحياة الكوثرية بتفاحة من أقدس الجنان التي صعد لها الشبح القائد فإقترب من سدرة المنتهى فكان قاب قوسين أو أدنى دنوا واقترابا من العلي الأعلى , أكل الشبح القائد من تفاحة الجنة أو من رطبها, فنزل الى ارض الابتلاء والتكامل فصنع الكوثر , فهنا البداية كلها منطلقة من الجنان وليس من أي مكان , الجنان الخالدة كانت متهيئة منذ الأزل لكي تنتج الكوثر , كانت الجنان مشتاقة للكوثر , اشتياق لا تستطيع حتى الجنان ان توصفه , والتفاحة أو حتى الرطبة ( كما في بعض الروايات ) لا اعلم حقيقة ما الميزة معهما ولكننا لابد لنا ان نتلمس الجوانب الروحانية فيها لهوى الأفئدة لملذات ونعيم الجنة , ولو تعمقنا أكثر وأكثر لوجدنا ان كوثرية الخير يرجع نسبها الى شجرة طوبى في الجنان وهنا لا تستغرب أرواحنا القاصرة المعاني الخالدة لكوثرية الجنان .
عن عائشة ، قالت : قلتُ : يا رسول الله مالكَ إذا جاءت فاطمةُ قبّلتَها حتّى تجعل لسانَك في فيها كلِّه ،كأنّك تريد أن تُلعقها عَسَلاً ؟! قال : " نعم يا عائشة ، إنّي لمّا اُسري بي إلى السماء أدخلَني جبرئيلُ الجنةَ ، فناولني منها تفّاحةً ، فأكلتُها ، فصارت نطفةً في صُلبي ، فلمّا نزلتُ واقعتُ خديجة ، ففاطمة من تلك النطفة ، وهي حوراء إنسيّة ، كلّما اشتقتُ إلى الجنة قبّلتُها" نقلاً عن تاريخ بغداد وينابيع المودة .
كان رسولُ الله ( صلى الله عليه و آله ) يُكثر تقبيلَ فاطمة ( عليها السلام ) فأنكرت ذلك عائشةُ ، فقال رسول الله ( صلى الله عليه و آله ) : " يا عائشة ,,, فما قبّلتُها قطّ إلاّ وجدتُ رائحةَ شجرة طوبى منها " نقلاً عن تفسير القمي .
الأبدية الكوثرية
عنما نقول بان الكوثر هي الخير كله وتنبني أفكارنا على التكامل الحاصل من ابتلاءنا في الارض فلابد ان تكون نتيجة التفكر العقلي والوجدان القلبي هو ان الخير دائم سرمدي ابدي بوجود صراع الأضداد في الارض ولبدايته في الجنان ونهايته بالجنان , ولو رسمنا المسير الحياتي للعقول القاصرة والأرواح الناقصة لعلمنا بان بقاءنا واستمرارها وخلودها عندما ترتبط بمحطات الخلود ومادامت كوثرية الخير خالدة فلابد لمن يتعلق بها بان يكون خالداً معها عندما يتصل بها أو يتلمس بعضاً من الالتصاق معها حتى ولو كان قاصراً وناقصاً ولكن رحمة الكوثرية وسعة الخير فيها وكرمها يمنعها من ان تكون بخيلة على من يقترب منها راجياً الحصول على بعض كرمها , والغريب ممن يرى ضياء الكوثر فلا يتلمس نوره ويبتعد عنه للظلام الدامس ,ولوتبسم قليل لنور الخير الكوثري لرآى ضحكة النجاح الأبدي قد ارتسمت على ثغره .
الرحمة الكوثرية
الخير الكثير متصل بالرحمة الواسعة وهما لاينفصلان عن بعضهما لأنهما يكملان بعضهما بل هما سنخ واحد وهيئة واحدة وذات واحدة وكينونة واحدة فبالتالي لا ينفصلان, والمشاعر الوجدانية والقلوب الممتلئة بالإيمان وحتى التي بها إيمان قليل فإنها تنشد فطرياً نحو الرحمة الكوثرية وتتوسل بها وتحاول الاندماج معها أو الالتصاق بها , فكل الإنسانية تريد الرحمة وكل الجنبات الناقصة تطلب الكمال من خلال الرحمة , وكل معالم تكوين الذات في العقل والروح تبحث عن الرحمة , وهنا رحمتنا الكوثرية هي مقتبسة من السماء , وهبتها إياها السماء لتبحث عن القلوب فتلهمها العطاء , لتبحث عن الفقير فتغنيه , وعن اليتم فتمسح على رأسه , وتبحث عن الأسير لتطعمه ولا تبخل عليه , وتبحث عن المحتاجين للدعاء فتقدمهم على نفسها وتنادي " الجار ثم الدار " هكذا هي الرحمة الكوثرية , اذا لماذا نعشقها ونتلمس بعضاً من ألطافها , إذا لماذا نحاول استشعارها , لكي تتحرك الرحمة فينا فنحركها للآخرين ونلهم الارض الإنسانية التي تنطلق من الرحمة التي تقترب بها القلوب وتجتمع وتتكامل بها العقول فترتفع وتسمو بها الذات ,, هذه هي الرحمة الكوثرية .
المقاومة الكوثرية
لو نظرنا نظرة بسيطة في واقعنا الحالي وقبله الواقع الماضي لرأينا بأن كل حركات المقاومة للطغيان وكل حركات التحرير والمطالبة بحقوق المستضفين , هي نتاج الوراثة لأهداف وقيم الكوثر, أبناءها صنعوا التاريخ المقاوم للباطل , أبناءها رفعوا لواء المجد والعزة على عروش الظالمين . أبناء الكوثر هم من حملوا مشاعل العلم والهدى ليبنوا الجيل المقاوم , ولا نستطيع الإحصاء لان ليس بمقدورنا ذلك , فأعظم كوثرية مقاومة هي كوثرية الحسين عليه السلام , ان ثورة الطف العظيمة هي نتاج التربية الكوثرية المطلقة المتكاملة , ومنها تخرج الأبطال على مر الزمان والدهور حتى أتى لعصرنا , فأوجدت دولة روح الله الكوثري , والدماء الصدرية الكوثرية , ولازالت تعطي الثمار فأخرجت الكوثريون الذي يحمون نصرالله المقاومة , ويحفظون أرض الرسالات , أرض علي والحسين بعمامة كوثرية مجاهدة زاهدة أنجبتها ارض سيستان , ولكن لم تقيدها الارض بل هي من قيدت الارض والزمان , وهكذا أبناء الكوثر يسيرون في كل ارض ومكان يرفعون شعار المقاومة ظل أي باطل , وكيف لا يتعلمون ذلك وهم من تخرجوا من مدرسة الكوثر التي تهب الخير كله , فتلهب تلاميذها المطالبة بحقوقهم وعدم السكوت عن مطالبهم حتى ولو سفكت دماءهم , وكيف لايتعلمون ذلك وهم من تربى في مدرسة العطاء والقيم والعفاف , وستبقى مسيرة الكوثرية تنجب وتنجب حتى يرث الكوثريون الارض ومن عليها .
طغيانٌ أبتريٌ منهزم أمام الروح الكوثرية
فلتمت يا أبتر الدهر والوقت والزمان والمكان ,, في كل أمد وفي كل ذرة زمان وفي كل حركة تمرد على قوة الكوثر , نعم فلتمت ولتذهب الى جحيمك الخالد , انت تعلم بأنك منهزم وستنهزم وسيسقط أتباعك ومن خطى خطك , منذ عصر خلق الكوثر والى ان يأتي وارث الكوثر والآخذ بالحق والوريث الشرعي للأرض , انت ساقط يا ابتر , كنت تقول ان الرسول صلى الله عليه وآله ابتر وكنت تضحك وتعيبه بذلك , الآن اثبت لك الدهر ان الكوثر هو الذي ضحك وأنت من تبكي وتبكي وستبكي , كل من ضحك معك بكى الآن ’ لأن جيل الكوثر ملىء الآفاق بالخير كله , واثبت للعوالم كلها بأن كوثريته المطلقة في ارض الخير وحركة الزمان الباقي هي الخالدة, وأنت المنهزم والمنسحق في تسافل الارض وفي خلودية العقاب الذي تنتظره وينتظرك يا أبتر ,أثبتت لك الكوثرية ان القيم والعطاء والخير لا يعرفها الا من ارتبط بها واستسلم لها بطاعة وليس الرافض لها والمعاند .
الانسان الكوثري
عندما نريد أن نبني انساناً متكاملاً فإننا نحتاج لأسس وقواعد قوية تنبني عليها كل الذوات الإنسانية التي تتكون من الروح والعقل والوجدان والمادة والمعنى وقابلية الاقتباس من الملكوت , فهنا نختار بحكم عقولنا البديهية ووجداننا الفطري , فإننا نختار الطريق والمنهج الذي نستطيع من خلاله بناء هذا الانسان الكامل , الانسان الكوثري هو انسان انطلاقة الخير من كل جوانبه وفي كل مواقعه وحركته ويكون تعامله مع نفسه ومجتمعه ومحيطه وجميع المخلوقات المحيطة به والتي يتعامل معها ومع كل ذات يكون هذا التعامل منطلقاً من كوثرية الخير التي تنتج الانسان الكامل والذي يريد ان يسمو وهو يسمو بلا شك عندما تكون كوثرية الإخلاص موجودة في عمق هدفه الواعي ونظرته للرؤيا الكونية الواعية والممتلكة للبصيرة , هكذا ينطلق هذا الانسان الكوثري ليملأ بكوثريته التي أخرجته ليعطي العالم من حوله ويستمد منه القوة ويلهمه إياها , فانه اخذ وعطاء , ولكن في أساس تكوينه وتربيته يكون منطلقاً من التربية الواعية التي ترباها في حضن وصفوف المدرسة الكوثرية الخالدة التي جاءت من جنان الملكوت ولتنتهي لجنة الفردوس وليشرب في مسيره من نهر الكوثر ,, نعم من كوثر الى كوثر ومحاطٌ بالكوثر وفي ظل الكوثر ليكون الانسان الكوثري الكامل .
العفاف الكوثري
رسالة الى المرأة الكوثرية
تركزت قوة وعظمة كوثرية الخلود في عفافها , العفاف هو جوهرها بل هي جوهره , هي تطالب في رسالتها من اول الدهر الى خلوده بان تكون الأجيال الكوثرية عفيفة في ذاتها وفي عمقها وفكرها وجوهرها وظاهرها وباطنها وحركتها وتربيتها لأجيالها وعطاءاتها في حياتها , في بيتها مع أهلها ومع زوجها ومع أبناءها ومع مجتمعها , تربي العفاف في جنبات الأرواح المحيطة بها , العفاف هو الذي يتخرج منها الكوثريات , حجاب العفاف هو من يتخرج منه الملتزمون بدينهم وبقيمهم ويحملون العلم والتقوى ويصلون الى أعلى المراتب العليمة ويشعلونها علماً يتدفق في صعود الارض للسماء , العفاف منه يتخرج النساء اللاتي يزحفن بأكبادهن لساحة الوغى ليسقوا الارض بدماءهم , العفاف هو الحجاب الذي يشع روحاً إيمانية تحفظ المجتمع عن الانزلاق في مهبات الفساد والميوعة , الحجاب العفافي الكوثري هو الذي يرتضع منه الأجيال قيم السماء لتسمو أرواح روح الطفولة والرحمة معها لتبني المجتمع الاسلامي والانساني الذي يراد له ان يرث الارض ومن عليها , ومن كل كلامنا نقول بان المرأة الكوثرية هي اعلم بواجبها في كل ذلك ولا نأمرها به بل هي تعيشه وتتعمق فيه وتنشده في حركتها الحياتية التي تريد لها ان تبلغ الخلود الكوثري .
نسأل الله عزوجل ان يرزقنا معرفة الكوثر ويلهمنا عطاياها ويحقق أملنا بحقها , ويجعلنا من المتخرجين من مدرستها " مدرسة الكوثر الخالد " الذي تتحقق فيه الإنسانية كلها وتنبني فيه الرحمة كلها , وتنهزم فيه الروح الطاغية والاستبداية , ننفتح بأرواحنا الكوثرية على أفق السماء وملكوتها , وعطاءات الأرواح الممتلكة للخير لكي نستلهم منها كل وعينا وحركتنا فينصهر وجداننا فيشتعل بها , ويسمو عقلنا ليبني في رحابها
السلام على الكوثر , السلام على الزهراء وأبيها وبعلها وبنيها , السلام على الكوثريون من أجيالها السابقين واللاحقين القادمين , والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآل الطاهرين .
الاحد 3/6/2007م الموافق 17 جمادى الاولى 1428هـ
الايام الفاطمية – ذكرى وفاة الامام روح الله الموسوي الخميني قدس سره
للكاتب
نبضات ولائية