" هل من حل لأنفسنا "
في الحقيقة لا يسعنا إلا أن نسمي هذا الزمن والواقع الذي نعيشه إلا بزمن التوترات النفسية والصدمات المربكة للنفس والتي تتضمن كل أمراض الروح النفسية من خوف وعدم أمن و أرق وتوتر وكآبة وضيق ولنسمي أي إسم نستطيع أن نربطه بهذه الأزمة النفسية التي تمر بها كل المجتمعات بمختلف أديانها وتياراتها ومذاهبها وعلى جميع الأصعدة ولكل الفئات العمرية من الصغير في السن ومروراً بالمرحلة الشبابية وحتى الكبير منا ,, وللأسف حتى المجتمعات الإسلامية بمختلف مذاهبها وتوجهاتها ومهما كانت محافظة في مستوى إلتزامها بدينها فإنها كلها تعاني من ذلك ..
طبعاً هذه الكلمات قد تجد الكثيرون لا يؤيدونها ولا يرغبون أن يتحدث عنها أحد في كل وقت وكل حين لأنهم يعتبرون الحديث عنها إمضاءاً في تكبير حجمها وبالتالي زيادة تأثيراتها النفسية السلبية , وفي الجانب الآخر تجد نسبة كبيرة جداً تطالب بالكلام والحديث عنها والمطالبة بتفعيل علاج لها لأنها تعتبر مرضاً من أمراض العصر ولكن الجميع متفق بأن الكلام يعتبر جانب بسيط في التعبير عنها , لأن ما يراه الإنسان كل يوم في الواقع والإعلام يكفيه ويغنيه عن الكلام ,, فإنه لا يرى إلا القتل والدمار والإنتحار وحدث ولا حرج ,, وكلٌ يدعي بعدم السيطرة على هذه الأمراض لعظمة خطرها وإتساعها يوماً بعد يوم , ولكن هنا وقفة مهمة وهي إن الكثير ممن قد يرى علاجاً أو يطرح نظريات نفسية أو تربوية قد يكون مشارك في زيادة حجم هذه الظاهرة من خلال النظريات الأيديولوجية التي يطرحها ويكون حتى في ممارساته التي يمارسها بعنوان الدين ( ولو تعمقنا لرأينا بأن كل الأيديولوجيات تستغل الدين بأي عنوان ) عندما يتم تزييفه ويمارس إستغلاله له فيقتل وينهب ويحرق الأخضر واليابس وكل يوم نرى مظاهر ذلك في العراق وأفريقيا والهند وفلسطين كمثال بسيط ,, إستغلالاً للدين نرى الأرواح تزهق والبيوت تدمر والأطفال تيتم والأمهات تثكل والزوجات ترمل ,,
نحن لا نريد من حديثنا ذلك أن نطرح ما يدور في الواقع ولكن نريد وقفة واحدة تكون حقيقية ولو تقترب من الحقيقة بقليل لكي تكون لدينا جنبة الوعي الملتفت لهذه الظاهرة والمهيأ نفسه لمواجهتها على جميع الأصعدة ,, نعتقد بأن الوعي النفسي والتربوي يعتبر قاصراً بشكل كبير جداً جداً في خضم هذه الصراعات الدائرة بين الدول والقوى والتيارات وبين حتى الأنفس البسيطة التي تعيش في الواقع والغير متعلقة بالسياسة ,, نعم إن نسبة الوعي النفسي والتربوي قاصرة وخصوصاً عندما تكون منطلقات وعيها مقتبسة من عقول ذاتية غير مرتبطة بعقيدة ومنهجية أيديولوجية صحيحة ( والتي نعتقد إنها متوفرة في الإسلام الحقيقي بمنهج أهل البيت عليهم السلام وليس كل إسلام مطروح في الساحة ) فعندما تنفصل الحالة العلاجية عن الدين الصحيح تزداد حالة التدهور النفسي والتربوي وترى كل المخالفات المؤدية لجنوح النفس وإنحرافها في أعماقها بعيدة عن كل القيم السماوية والأحكام الشرعية ,,
نلاحظ بأن ثقافتنا المقتبسة في معظم نسبتها مقتبسة من الإعلام وهو الذي يلعب الدور الكبير في زرع كل المفاهيم العلمية والفكرية بكل التوجهات ,, وللأسف إن الإعلام المضلل تعتبر قوته أكبر من الإعلام السليم وفي كل مكان ترى ذلك من خلال الأجهزة الإعلامية أو المشاريع التي تعمل عليها الحكومات من أجل قمع شعوبها بطريقة أو بأخرى لتعمل على موت الذات الإنسانية أو صهرها في بوتقة مشاريعها التي تريدها بعيدة عن كل قيم الإنسانية التي من المفترض تكون في مصلحة الإنسان وتنمية روحه وعقله وكسبه المكانة التربوية والوعي العقائدي الذي يحميه من كل منزلق خطير هنا أو هناك ,,
نأتي هنا للحديث عن مجتمعاتنا المؤمنة ,, متى سمعنا في مجتمعاتنا الصغيرة المؤمنة المتعلقة بالجو الإسلامي وبالتربية الصحيحة على منهج أهل البيت عليهم السلام ,, متى سمعنا عن حالات الإنتحار والإغتصاب والمخدرات والمفاسد بكل أنواعها ؟ متى سمعنا بحالات الشواذ التي بدأت تظهر بلا حياء وتتشبه بعبدة الشيطان وبتغيير الجنس أو التشبه بالجنس الآخر ؟ متى سمعنا ذلك ؟ أصبحنا كل يوم نرى ذلك ونسمعه ونشاهده بأم أعيننا ,,, نعم نحن لا ننكر وجود ذلك ,, ولكن يأتي السؤال فنقول ,, لماذا لا نرى المشاريع والمناهج النفسية التربوية والمنبثقة من الاسلام وتعاليم أهل البيت عليهم السلام ؟ قد تكون موجودة بعض العلاجات والأساليب ,, ولكن كم نسبتها ؟ وما مقدارها ؟ وما مدى تفعيلها في الواقع ؟ ومن يتصدى لطرحها والعمل عليها ؟ قد نجد علماء محترمين متخصصين في الجانب الديني الفقهي والعقائدي ولكن وجود علماء في مجتمعاتنا الصغيرة متخصصين بالجانب النفسي والتربوي يعالجون هذه الظاهر بثقافة نفسية إسلامية وبأساليب الفكر المعاصر أعتقد إن وجودهم نادر جداً جداً ,, مع عدم نكران وجود هؤلاء العلماء في الحوزات ولكن أنا أعني هنا وجودهم في مجتمعاتنا أو مؤسساتنا الصغيرة وبشكل مشاريع ينطلق في الواقع,,, المقصود من كل ذلك بأننا محتاجون للوعي النفسي والتربوي بشكل أقوى من كل الوعي الموجود في الجوانب الأخرى وليس هذا إستنقاصاً لحاجتنا للوعي من الجوانب الرئيسية من العقيدة والفقه , ولكن الجميع يعلم بأننا و أبناءنا وشبابنا يواجهون الأخطار النفسية في المدارس والجامعات ومواقع العمل وهم بحاجة لوعي نفسي وتربوي أكثر من الأزمنة السابقة بحكم طغيان هذه الظاهرة على ما يعيشونه ,وحتى الأسرة المسلمة تواجه كل ضغوطات الحياة النفسية والتأثيرات السلبية للإعلام المنحرف, ولكي لا يحتاجوا للرجوع لمصادر غير موثوقة وبعيدة عن الإسلام وتعاليم أهل البيت عليهم السلام ,, فنحن نرى بأن الإستغلال للدين ولفكر الإرهاب والتكفير والأفكار الإنحلالية والميوعات الظاهرة قد أخذ مأخذه في شباب كثيرون تم إستغلالهم من أجل توسيع سيطرة المذاهب الفاسدة والمنحرفة ,, وهكذا فإن الصهيونية والإمبريالية العالمية بأفكارها الإستكبارية والإنحلالية تحاول جادة في كل الإتجاهات أن تفرض إعلامها المنحرفة و هي تصرف المليارات من الأموال من أجل أن تحرف العقول والنفوس وتخدرها وتحرفها عن فكرها الملتزم .
أعتقد الفكرة واضحة جداً ,, ولكن بإعتبار إننا غير متخصصين في ذلك ولكن نطرحه ليهتم به الآخرون وليثقفوا أنفسهم وذواتهم وعقولهم بالثقافة التربوية أولاً وأخيراً ويأخذوها من منابعها الأصيلة ولا يقصروا في كسب ذلك ,, بالإضافة لطلبنا كمجتمع وكشباب من الحوزات والجامعات والمؤسسات للإهتمام بذلك وتخريج كوادر مثقفة إسلامياً من العلماء والمفكرين والمعالجين النفسيانيين و التربويين بشكل كبير وكثير ولبث الوعي النفسي والتربوي المقتبس من العقيدة الصحيحة ,, فنحن على يقين بأن الإسلام عظيم وغني بذلك ولكن بحاجة لمن يعيه في هذا الجانب .
نسأل الله عز وجل أن يلهمنا التقوى ويهيء لنا سبل المعرفة والوعي الاسلامي الذي يجعلنا محصنين في مواجهة أي إنحراف وإنهزام نفسي , ويجعل أرواحنا متعلقة بعز قدسه ,, وأن يجعل مجتمعنا وشبابنا واعين لكل ما يبني شخصياتهم الإسلامية الرسالية القوية التي تبني المجتمع الصالح و تهيء للدولة الكريمة ,, والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين .
الأحد 25/02/2007م الموافق 7 / صفر / 1428هـ
( ذكرى إستشهاد الإمام المظلوم أبي محمد الحسن الزكي عليه السلام
للكاتب
نبضات ولائية

