فالقاص الشاب يعمل في المجموعة على جعل فكرة "القبو" مناخا أدبيا لاستلهام القصص والحكاية وإعادة تخييلها في قالب قصصي محكم. وإن كان منتسب يتماهى جماليا في كتابته مع نماذج قصصية غربية كبيرة عن طريق أسماء الشخصيات وفضاءاتها وعوالمها المخيفة في عتمة الجنون البشري فإن ذلك بدا اختيارا تجريبيا ناجعا حتى يفتح الكاتب لنفسه فضاءات جديدة للتخييل.
على هذا الأساس نجد سعيد منتسب يعوض مفاهيم الإدراك والعقل والوعي بالسوريالية والسخرية والغرائبية. ورغم أن القصص مألوفة من حيث وقائعها وواقعية شخصياتها إلا أن أسلوب صياغتها التخييلية وما تنحته من آفاق أنطولوجية تجعل النصوص القصصية متميزة بحسها التشويقي الساخر.
ينتمي منتسب إلى جيل التسعينيات في المشهد الأدبي المغربي هذا الجيل الذي بدأ في الآونة الأخيرة يرسم لنفسه مساحات مغايرة شعريا وقصصيا وروائيا بما فيه من التجريب الأدبي مما يجعله مميزا وقادرا بملامحه ووسائل ومكوناته ومخيلته على اختراق واقع الثقافة المغربية من الداخل وضخ دماء جديدة في شرايينها وفي كافة جسدها المنخور بحكم تبعية الثقافي للسياسي التي وسمت جيل السبعينيات وبعض من معالم جيل الثمانينيات.
وسعيد منتسب حاصل على الدكتوراه من جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء وقد صدر له عدّة مؤلفات أدبية نذكر منها "ضد الجميع" "قبلة التنين" "طائر أبيض بأجنحة مؤقتة".
بمناسبة صدور مجموعته القصصية الجديد "قبو إدغار آلان بو" (2021) ضمن منشورات دار أروقة بالقاهرة كان للجزيرة نت هذا اللقاء معه:
الرعب في المجموعة ليس شيئا إضافيا أو خارجيا أو "تزيينيا" كما أن غايته ليست سيكولوجية قطعا لأن رهان "القبو" بدرجة كبيرة هو ألا ينسى القارئ موعده مع القراءة متعددة الاتجاه.
ومعنى ذلك أن القبو يمكنه أن يكون على نحو جيد مكانا رائعا للعب مع القارئ ومع إدغار ألان بو ومع ذلك الحمض النووي للكتابة الذي نحرص على إضماره وحجبه وطمسه ومع سعيد منتسب نفسه.
إنني لا أسعى تبعا لذلك إلى استمالة القارئ نحو عوالم إدغار ألان بو "المخيفة" (هل هي مخيفة فعلا) لأن الكاتب لا يتحكم -أولا- في ردود أفعال القارئ ومشاعره ولا يمكنه أن يتوقع بدرجة كبيرة أن هذا القارئ سيجد في ما يكتبه مفاجآت سارة أو مرغبة.
وهنا أستطيع القول إننا نتوهم أن هذا الشرط يأتي من الخارج أي من نصوص (بو) ومن التبعية المعبّر عنها في العنوان. الأمر ليس بذاك اليُسر ولا بهذا التبسيط الذي يمكن أن تفضي به "مواجهة النص بأصله". كشف المرجعية خادع وغرضه تضليلي.
أنت تتحدث عن "الخلاص الجمالي"! هذا شيء مختلف ويحمل قدرا لا بأس به من الالتباس عندما نضعه في غرفة واحدة مع "التمييز بين الواقع والخيال".
لا بد أن أوضح شيئا بالغ الأهمية. "القبو" في هذه المجموعة مجرد حافز (موتيف) سردي. إنه تمظهر موضوعي متكرر في جميع النصوص يحضر فيها كاختيار جمالي نظرا لتوفره على طاقة تخييل قوية لتوليد المواقف السردية المتعددة واختبارها وتوسيعها وتجديدها. كما أنه -بمعنى من المعاني- حافز بنائي يخدم التدرج المتنوع للمادة الحكائية التي يستدعيها عنصر "القبو".
إن عملية الكتابة حول هذا الموضوع لم تكن شبيهة بإخراج ثوب تلو آخر من الدولاب. كما أن "القبو" لم يكن رفيقا ماتعا ولم أكن واثقا تماما من قدرتي على توقع ما سيحدث أو تصحيحه على الأقل. لقد جعلت من "القبو" موقعا أركيولوجيا غامضا ومغلقا ويتطلب الكثير من الخبرة والحنكة والدراية للدخول إليه. ثمة لُقى نصية قديمة وثمة جرار سردية تعود إلى ما قبل "إدغار ألان بو".
وثمة أشباح كتّاب وكتب وثمة ترسبات حكائية لا بد من فحص أثري دقيق لمعرفة عناصرها المورفولوجية. ولذلك فإن "القبو" -كما أدعي- ليس مجرد حافز سردي تكراري لاستحضار الأرواح كما يمكن أن يلاحظ "القارئ اللئيم" بل ورشة مفتوحة لترميم المتلاشيات خارج أي تفسير مجازي.
أتذكر أنني لم أكن مضطرا أثناء فترة الحجر الصحي الرهيبة لتجاوز جدلية مائدة الطعام ودورة المياه والكل كما أعتقد يضع حاجزا بينه وبين الآخرين. قد يكون حاجزا من الشك أو من الشوق أو من الاحتدام. أنا جالس على الأريكة أغمض عيني التي تؤلمني قليلا فأرى جذوع أشجار سوداء ودبابات وبنايات مهجورة ولا أحد يسأل أحدا عن الطريق. أفتح عيني لألتقط خبزا قديما أتناوله وأتذكر وجه كاترين زيتا جونز الخالي من أي تعبير.
من النافذة ألمح جنودا ورجال شرطة وقوات مساعدة لا يحملون البنادق. يكتفون باحتلال الرصيف الذي تحيط به مبان رمادية ويشرعون في إفراغ الشارع من المارة. لم أسمع أي طلقة. يتنقلون ببطء. لا يضعون كمامات. أرى بعضهم يدخن فأعود إلى الأريكة وأنغمس في ملاحقة أخبار الفيروس الذي يلمع في كل مكان بلون أخضر سائل ولزج.
نعم في هذا الظرف كل الشوارع كانت تتقاطع. بدأنا نسير حول حقيقتنا ببطء. كل واحد يعيش يقظته الخاصة. نسمع أصواتا قادمة من الضفة الأخرى للحياة. الجميع يبسط كفه يقرأ خطوطها ويتهيأ على مضض للاقتراب من المخرج. الكل يسأل هل هو الآن في المكان الصحيح وهل هناك صديق أو قريب أو حبيب يريد أن يتكلم معه أما أنا فأقول "إن الجدران تقصر دونها العُصْم". طيب ما علاقة كل هذا بالقبو هل القبو مكان اختباء دعني أخبرك بأن الكتابة مثل القبو احتماء ممنهج من الحرب بكل أشكالها وأظن بأن البشرية ما زالت تعيش هذه الحرب.
معنى كلامك هذا -في العمق- أنه ينبغي علينا أن نغادر "الأدب" والخيال والعجائبية وأن نكتفي بالواقع بدعوى أنه "ليس في الإمكان أبدع مما نعيشه". دعني أسألك بدوري هل التمسك بالواقع ضرورة ولماذا هذه الشهوة غير الواقعية للواقع
الواقعية السحرية أو الفانتازيا أو العجائبية -أو ما شئت من ألقاب- مخلوق جيد للأدب. الواقع يكتفي بذاته عكس الخيال الذي لا يكف عن صنع مكانه المطلق. وتبعا لذلك لا ينبغي أن نتآمر على الخيال بدعوى أنه منافس أقل "غرابة" من الواقع. هذا ليس صحيحا البتة. الواقع هو ما نندمج فيه ونخضع له ونحدد وجودنا على مقاسه. أما الخيال فدوره حاسم في العملية الإبداعية أي في دينامية التحويل والتحطيم وأيضا في الخلق والبناء.
لا أدري لماذا جعلني سؤالك أفكر في موت الأدب ولماذا تخيّلت أن "الدعوة" إلى محاكاة الواقع مجرد إشهار سلاح زائف في وجه "التجاوز الأدبي المضطرد". أعتقد أنه ينبغي الخروج على وجه السرعة من هذا المأزق.
ليس سرا أن الكتابة لحظة انعزال من الحياة. هذا شرطها وضرورتها. إن السيئ في نظري هو أن ننسحب من هذه اللحظة بحثا عن تناسق متعمد أي أن نضع قانونا للاندماج مع نصوص لا تقول شيئا أو مع نصوص ضعيفة أو متجاوزة بدعوى أنها نصوص "عربية". لا يعني هذا الكلام أنني غير مبال تماما أمام نصوص عربية ومغربية فارقة. كما لا يغيب عن بالي أن هناك نصوصا غير فانية ورائعة لكتاب مغاربة وعرب طالما استمتعت برفقتهم وأطلت النظر إلى منجزهم. لكن ما الذي يحدد مصير لحظة الانعزال هل هي إرادة التقيد بالهوية القاتلة أم الذهاب إلى "النصوص العالمية الكبرى" دون أي إحساس بالجرم
03c5feb9e7