لطالما كان هناك علويين، ولطالما ألهبتْ مسيرةُ الإمام علي بن أبي طالب
ــ ع ــ، وفكره ونهجه، قلوبَ التواقين للخير، العاشقين للسمو، الهائمين
بالنبل..
لم يكن الإمام علي ــ يوماً ما ــ للإسلام والمسلمين فقط، بل كان منذ
انبجاس فجر نوره الإنساني منارةً للإنسانية جمعاء، ومَعلِّماً ومربياً
وهادياً لها..
وإذا كان هذا هو حاله مع عموم أبناء "الجنس الشريف"، المخلوق لخلافة
الله، فماذا كان حاله مع مَن أُشبعت ذواتهم الإنسانية الصافية بأجمل
الصور والمبادئ والأسس الإسلامية العظيمة؟!
لقد أسس الإمامُ عليُّ بن أبي طالب ــ ع ــ بحُسن اقتدائه بنبي الإسلام
ــ ص ــ وشدة إخلاصه له ولدينه، وما حباه اللهُ من ملكات خَلقية وخُلقية،
خيرَ منهجٍ وأعظم مدرسة؛ منهج: "سنة رسول الله ــ ص ــ"[1]، ومدرسة: "أهل
بيت الرسول ــ ص ــ"[2]؛ ولقد أحب الإمامَ خيرةُ أهلِ زمانه وصفوتُهم،
فاتخذوه قدوة ومثلاً، وهكذا فاض النبع العلوي..!
الإمام علي والعلوية والعلويين
* الإمام علي بن أبي طالب ــ عليه السلام ــ هو: عنوان الإيمان، بدلالة
قول رسول الله ــ ص ــ له:
يا علي، لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق.[3]
* والإمام علي ــ ع ــ هو: جهة الحق.. لدعاء رسول الله ــ ص ــ له:
اللهم أدر الحقَّ معه حيث دار.[4]
* والإمام علي ــ ع ــ هو القريب الأميز والأخص لرسول الله ــ ص ــ،
بدلالة قول الرسول له:
"أنت مني وأنا منك[5]".[6]
وقوله:
"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ليس نبي بعدي[7]".
[8]
أما العلوية فهي إتباع الإمام عليّ الممثِّل لسنة رسول الله[9] وهي
قديمةٌ قِدم الإمام عليّ (ع)! ذلك لأنه كان يُطلق اسم "علويين" على أنصار
الإمام علي من الصحابة والتابعين كأبي ذر الغفاري وعمار بن ياسر ومحمد بن
أبي بكر[10].[11]
وهذه هي العلوية ــ الحقيقية الأصيلة ــ، والتي تعني ضرورةً الالتزام
بعلي بن أبي طالب التزاماً كاملاً كما يحب عليٌّ ويرضى!
تعني: إسلاماً صافياً نقياً؛ بمعنى: تبعيةً "صرفةً" للنبي ــ ص ــ.
والعلوية تعني أيضاً الزهد والإيثار والحب والسلام والشهامة والإخلاص
والمروءة والشجاعة والوفاء...
وهذا لا يتطلّب "نسبة طينية" لعلي بن أبي طالب، بل اقتداءً به واستنارة
بنهجه!
أما "العلويون" فهم ــ كما عرَّفهم الشيخ الدكتور محمد علي حلوم ــ:
المسلمون الموالون لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)؛ وتضم هذه التسمية
جميع الأتباع والموالين من العلويين الشيعة بكل تسمياتهم وفئاتهم.[12]
أسس المذهب العلوي[13] وخصائصه
بثبات انتماء الطائفة العلوية الواضح للإمام علي بن أبي طالب (ع) ــ
المرجع الديني الأول للمسلمين بعد وفاة نبي الإسلام (ص) ــ يُستغنى عن
الخوض في تفاصيل "المذهب العلوي" إذ ليست العلوية سوى محبة الإمام علي
وموالاته والاقتداء به.. أي: إسلاماً صرفاً كإسلام كل مَن آمن بالنبي
محمد ــ ص ــ ولم يخالف أمره ولم يبتدع في دينه.
وبناءً عليه، أسس المذهب العلوي هي نفسها أسس كل المذاهب الإسلامية
المعروفة، ولكن هناك مميزات وخصائص للمذهب العلوي (أي لأبناء الطائفة
العلوية)، هي:
· حب آل بيت رسول الله ــ ص ــ، وموالاتهم، والتبرؤ من أعدائهم..
حباً نقياً عظيماً لا غلو فيه، وموالاة حقيقية راسخة لا تستوجب تكفير مَن
لم يواليهم، وتبرؤاً يقوم على بيان فِعل الظالمين لهم الموجب لذمهم
بعيداً عن السب والشتم.
· حمد زوجات الرسول ــ ص ــ اللائي هُنَّ أمهات المؤمنين كما نص
القرآن الكريم..
· حمد صحابة رسول الله ــ ص ــ الذين حمدهم القرآن الكريم وهم
المهاجرون والأنصار ومَن تبعهم بإحسان، الذين آمنوا بما جاء به وبايعوه
وأخلصوا لدينه في حياته وبعد مماته؛ وحمد كل مَن صدَّق النبي الكريم ــ ص
ــ وآمن بما أتى به وعمل به.. (يترفع المسلمون العلويون عن ذكر مثالب بعض
الصحابة كرامةً لرسول الله ــ ص ــ؛ وهم لا يأتون على ذِكر أيّ فِعل غير
لائق أو غير حميد قام به أحدهم حفاظاً على الدين وأهله اللهم إلا إذا كان
هناك من داعٍ أو ضرورة قصوى لذكر شيء من ذلك دون الإساءة أو التجريح..)
· يمدون اليد لكل المسلمين، ويبنون الجسور بينهم وبين كل الطوائف
والمذاهب؛ وهم يمثلون بحق: إنموذجاً إسلامياً فريداً راقياً يصلح لأن
يكون بذرة تلاقي وتوحُّد.[14]
حركة الطائفة العلوية عبر التاريخ
دار على الطائفة العلوية كما دار على غيرها من الطوائف نوعان من العصور،
عصر قوة تأتى عنه ازدهار وتألق، وعصر ضعف تأتى عنه تراجع وتخلف؛ لكن
الحقيقة أن ليل الطائفة العلوية كان طويلاً جداً بالنسبة إلى نهارها،
وذلك للظلم الذي تعرضت له من قِبل المتعصبين والحاقدين..!
وقد امتاز عصر الضعف بالانكفاء على الذات فنتج عن ذلك انطواء وتقوقع، ما
لبث أو ولَّد غربة عن الآخرين وتراجع وتخلُّف..
أما عصر القوة فامتاز بانتشار العِلم بين أبناء الطائفة العلوية وانفتاح
النخبة المثقفة، أو رجال الدين، على الآخَر.
وكما هو معروف، يكون النتاجُ الطبيعي للانطواءِ والتقوقع العصبيةَ
والجهلَ، بينما يكون نتاجُ العِلمِ والتعلُّم الانفتاحَ والتلاحُمَ..
خيارات الطائفة العلوية
للمسلمين العلويين ماض انطلقوا منه وارتبطوا به، وواقع يعيشون به،
ومستقبل ينتظرهم.. فهل ثَمَّ وعي عميق وتعاطٍ سليم مع تلك الأزمان بكل
أبعادها..؟!
هناك تحديات، وهناك إشكاليات..[15]
فأما ماضيهم فمعروف بصفحاته البيضاء، بدءاً من الناحية العلمية
المتجسِّدة بثورة المسلمين العلويين العلمية التي قام بها الجيل الأول من
أبناء الطائفة (بعد أن أخذت بالتشكُّل والاستقلال)، وعلى رأسهم: الشيخ
الحسن بن علي بن شعبة الحراني صاحب الكتاب النفيس "تحف العقول"،
والمتجددة بعصر النهضة الأخيرة التي أرسى دعائمها العلامة الشيخ سليمان
الأحمد؛ وانتهاءً بالناحية السياسية التي أسس لها كلٌّ من فناخسرو "عضد
الدولة البويهي" وسيف الدولة الحمداني، وتجدداً بأفذاذ عمالقة ندرة كباني
سوريا الحديثة المرحوم الراحل حافظ الأسد[16] الذي خلفه ابنه الأمين
الرئيس بشار حافظ الأسد[17].
وأما حاضرهم ففيه حراك علمي ثقافي اجتماعي سياسي قوي ورفيع.. ولكن ثمة
فوضى عارمة وعدم تنظيم عام في كافة المجالات الخاصة بالطائفة، لا سيما
المجال الديني!!
ونركِّز على الحاضر لأنه الأهم؛ فبه يُناقش الماضي وتُغربَل الأمورُ، وبه
يُخطَّط للمستقبل ويُعمل لأجله!
وننبِّه إلى المجال الديني ــ على وجه الخصوص ــ حيثُ يُعتبر الدينُ
حاجةَ الإنسان الأهم في هذه الحياة الدنيا، ولأنه المحور الذي يتمركز
عليه وجود الطائفة وتجمّعها..
فما هو الحل إذاً، وما هي خيارات العلويين؟
الحل هو بالصحوة والوعي والتصميم والعزم..
بالجرأة من أجل الحق والحقيقة، وبالقوة والسرعة والدقة.. من أجل البقاء!
وبناءً عليه، يجب أنْ يُعاد النظر في كل شيء، وتقويم كافة الأمور، فيُرى:
أين الحقيقة والصواب، وأين تكمن مصلحة العلويين!
أما الخيارات فمعروفة؛ دينياً واجتماعياً وسياسياً.. وإما وقفة حق وصدق
مع النفس والآخر، ووضوح بالرؤية للداخل والخارج، وللماضي والمستقبل،
فانتخاب الأفضل؛ وإما تكريس الضياع وانتظار الانهيار!
وأما مستقبلهم، فالقريب منه مناط بعمل أبناء اليوم، والبعيد منه متروك
للقادمين من الأجيال اللاحقة.. وإرادة الله وقدره فوق كل نية وعمل!
وبهذا الفصل أُنهي هذه الدراسة المتواضعة سائلاً الله ــ عز وجل ــ أن
يتقبَّل عملي الخالص لوجهه..
كتبه
سام محمد الحامد علي
www.safwacenter.com
www.freemoslem.com
www.alaween.com
www.alaween.net
www.ftatali.com
الحواشي:
[1] عنيتُ بـ: "منهج" سنة رسول الله: الطريقة المثلى لتطبيق سنة رسول
الله ــ ص ــ؛ فالسنة ما كان من حديث رسول الله أو فعله.. وهي تحتاج إلى
فهمٍ للمضمون وآلية للتطبيق.. وقد أرسى الإمام علي ــ ع ــ دعائم هذا
النهج الأقدس.
[2] عنيتُ بـ: "مدرسة أهل بيت رسول الله" خط أهل البيت ــ ع ــ الإسلامي
الإنساني الأمثل.. وقد كوَّن الإمام عليّ وزوجه السيدة فاطمة ــ ع ــ
اللبنة الأولى له. (الإسلامي الإنساني: ما كان من اجتهاد في الفتوى حسب
الضرورات والمستجدات، وما تجسَّد من فنون الأداء والتعاطي مع ابتلاء الله
وقدره..)
[3] ورد في صحيح مسلم قول الإمام علي: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لعهد
النبي الأمي ــ ص ــ إليّ أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق.
[صحيح مسلم، كتاب الإيمان. انظر طبعة دار الفكر، مج1، ج1، ص61]
وقال الصحابي الجليل أبو سعيد الخدري:
كنا نعرف المنافقين ــ نحن معاشر الأنصار ــ ببغضهم علي بن أبي طالب.
[أسد الغابة، العلامة الشيخ ابن الأثير، دار إحياء التراث العربي، نسخة
صححها الشيخ عادل الرفاعي، مج4، ص120]
[راجع كتاب: الإمام علي في السنة والتاريخ، سام محمد الحامد علي؛ لا سيما
فصل: "علي في الإسلام"]
[4] سنن الترمذي، كتاب المناقب عن رسول الله ــ ص ــ، مناقب الإمام علي
بن أبي طالب.
[5] الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله ــ ص ــ، المشهور
بـ: صحيح البخاري، تأليف أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن
بَرْدِرْبَهْ البخاري، كتاب الصُّلح، 6/6؛ وورد أيضاً في كتاب المغازي،
44/44؛ وفي كتاب فضائل الصحابة،11/37. [انظر طبعة دار الفكر، مج2، ص652
وص907؛ ومج3، ص1038]
قال الإمام الحافظ ابن كثير: وشهد علي عمرة القضاء وفيها قال هل النبي ــ
ص ــ: "أنت مني، وأنا منك". [البداية والنهاية، أبو الفداء الحافظ ابن
كثير الدمشقي، خلافة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ــ رضي الله عنه ــ.
مج5، ص318]
[6] قال الإمام الحافظ ابن حَجَر العسقلاني في شرح هذا حديث الرسول ـــ ص
ــ "أنت مني وأنا منك": أي في النسب والصهر والمسابقة والمحبة وغير ذلك
من المزايا، ولم يرد محض القرابة وإلا فجعفر (ابن أبي طالب) شريكه فيها.
[فتح الباري، مج7، ص627]
[7] صحيح البخاري، كتاب فضائل الصحابة، ح3706. [مج2، ص908] وقصة الحديث:
أن رسول الله ـ ص ـ خرج إلى تبوك واستخلف علياً فقال: أتخلِّفُني في
الصبيان والنساء؟ قال: "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا
أنه ليس نبي بعدي". [صحيح البخاري، كتاب المغازي، ح4416. مج3، ص1076]
[8] انظر: الإمام علي في السنة والتاريخ، سام محمد الحامد علي، مطبعة
اليمامة، ط1.
[9] أعني بالسنة هنا: سنة رسول الله "الواضحة الجلية الثابتة الصحيحة"،
التي لم يُختلف عليها بين المذاهب. (قمة الإيمان والأخلاق)
[10] انظر صفحة: "تسمية العلويين".
[11] أُطلقت تسمية "العلوية" يوماً ما على أبناء علي وأحفاده بقطع النظر
عن مذهبهم!
فمن العلويين "الأشراف" مَن هو على مذهب أهل السنة والجماعة منذ القِدم،
ومنهم مَن كان على المذهب الشيعي الاثني عشري كالسادات من شيعة الأمس
واليوم..
إذاً، بنوّة عليّ تعني "علوية"، ولكن ليست كل "علوية" تعني بنوّة!
[12]النهج العلوي في الفقه الإسلامي، الشيخ الدكتور محمد علي حلوم، دار
عماد، ص18.
[13] استعملتُ عبارة "المذهب العلوي" مجازاً، فالحقيقة أنه ليس هناك
مذهباً علوياً بالمعنى الحرفي والدقيق للكلمة، فلا الإمام علي أسس مذهباً
خاصاً مستقلاً به ولا المسلمون العلويون ابتدعوا مذهباً خاصاً بهم خلافاً
لمنهج الإمام وسيرته الممثَّلان بسيرة النخبة والصفوة من المسلمين الشيعة
الاثني عشريين.
{قلتُ في مقال غير هذا (بحث: الطائفية) أنني استعمل بعض العبارات
والمفردات للضرورة والاضطرار فقط، ولمعانٍ وغايات أبعد وأسمى مما تُستعمل
به عادةً!}
[14]نتكلم هنا عن الأسوياء والملتزمين، بمعنى: العلويون الحقيقيون؛ لا عن
المظاهر الشاذة..
[15]انظر مقال: العلويون وتحديات العصر؛ ومقال: الخطاب العلوي بين
الأصالة والتجديد.
[16]انظر كلمة الأستاذ الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي في أربعين الرئيس
المرحوم، وما حققه الراحل من إنجازات عربية وإسلامية كبيرة وعظيمة. (من
حرب تشرين التحريرية إلى تحرير الجنوب اللبناني عبر المقاومة الإسلامية
اللبنانية المدعومة من قبله..)
أقول: حمَّل البعضُ رمزَ سوريا الصمودِ والتصدي القائدَ الخالد "حافظَ
الأسد" مسؤولية كل ما حدث من عمليات قمع التمرد المريب التي حصلت في
عهده، كما حمَّلوه كل مساوئ أفعال رجال دولته؛ وفي ذاك التحميل تعسُّف
وظلم، وكفانا أن ننظر إلى موقف النخبة وأشراف القوم مما حدث، من الذين لم
يبيعوا ضمائرهم للخارج أو لم يفتتنوا بزخرف ما يُقال ويحكى، لنرى أن
الأمر على غير ما يُصوَّر.
(يرجى مراجعة مقال: العلويون في سوريا؛ ومقال: العلويون والحكم في سوريا)
[17]انظر التفاف أئمة الشام وأشرافها، بل أشراف العالم، حول قيادة الرئيس
بشار الأسد..
(قلتُ ما قلتُ عن قناعة تامة، وبالدليل القاطع الساطع؛ ولا أُبرئ أحداً
من المنسوبين إلى زمرة القيادة السورية السابقة أو اللاحقة من أخطاء
ارتكبها، لا سيما بعد انكشاف القناع عن بعض أولئك المرتزقة المنافقين
المفسدين.. وبالوقت ذاته أقول: لا عصمة لبشر، ولا كمال إلا لله. يرجى
مراجعة مقال: العلويون والحكم في سوريا)
http://alaween.net/content/view/141/36/
لمعرفة المزيد من أكاذيب النصيرية راجع موقعهم