رحمت الله الهندي الكيرواني عالم مسلم مشهور ولد في كيروانة في الهند 1818 وتوفي في مكة 1891.[1][2][3] اشتهر لمناظرته القس فندر وتأليفه كتاب إظهار الحق.
هو محمد رحمت الله (بالتاء المفتوحة) بن خليل الرحمن الكيرانوي الهندي الحنفي ونسبه ينتهي إلى عثمان بن عفان عند الجد الرابع والثلاثين.
نشأ الشيخ رحمت الله في كنف أسرة واسعة الثراء والجاه وفي السادسة من عمره بدأ تعليمه في بلدته على يد والده وكبار أفراد العائلة المشهورين بالعلم والفضل والدين حسب النظام المتبع في ذلك العهد ولما بلغ الثانية عشرة من عمره حفظ القرآن الكريم وأتقن اللغة الفارسية وقرأ كتب الشريعة الإسلامية واللغة العربية على يد آبائه ثم ارتحل إلى دلهي عاصمة العلم وملتقى الفطاحل لطلب التعليم العالي فالتحق بمدرسة الأستاذ محمد حيات وسكن في مبناها حتى أخذ حظا وافرا من العلوم أبانت عن ذكائه وقدمته على أقرانه ثم سافر إلى لكهنو مدينة العلم والحضارة فتتلمذ على المفتي سعد الله المراد آبادي وتخصص في آداب اللغة الفارسية على يد الشيخ إمام بخش الصهبائي الدهخلوي المقتول سنة 1857 كما درس الطب على يد الطبيب البارع محمد فيض ودرس العلوم الرياضية والهندسية على يد الأستاذ صاحب نظرية (لوكارثم) وصاحب المؤلفات الرياضية الشهيرة.ولما ظهر نبوغه وتفوقه في العلوم الشرعية تصدر مجالس الدرس والإفتاء ولما ازداد إقبال الطلاب على دروسه أسس مدرسة شرعية في كيرانه تخرج منها كبار المدرسين والمؤلفين ومؤسسي المدارس في أرجاء الهند. ولكنّ ازدياد النفوذ التنصيري في الهند شغله عن مواصلة التدريس في مدرسته فتفرغ للتأليف والرد على المنصرين وقد ألف في ذلك مؤلفات كثيرة نترك ذكرها الآن.
لما تضايق الثوار في دلهي تحرك إليها الشيخ رحمت الله من معسكره في (نجيب آباد) ومعه مئتا جندي وكان له دور كبير في قيادة مجاهدي (شاملي وكيرانه) حيث نظمت فرق الجهاد ووزعت الأسلحة وأقيمت التحصينات القوية في وجه الجيش الإنجليزي وكان مساعده فيهما (عظيم الدين) لأن الحاج إمداد الله تولى قيادة المجاهدين في منطقة (تهانة بهون) بمساعدة الأستاذ عبد الحكيم التهانوي. كانت أسلحة المجاهدين بسيطة لا تقاس بأسلحة الإنجليز لكن أعنف المعارك وأكثرها خسارة في الجيش الإنجليزي تلك المعارك التي خاضها المجاهدون والعلماء باذلين أرواحهم دفاعا عن دينهم وقد اعترف الإنجليز بذلك في كتاباتهم وفي رسائلهم لأهليهم وقد كان (حنقهم شديدا على المسلمين وأهل الخطر منهم ومن له شأن في المجتمع الهندي يعلقونهم على المشانق ويقتلونهم بتعذيب وإهانة ويبحثون عن كل من كان له كلمة مسموعة أو نفوذ في المجتمع وكان من ضمنهم وفي مقدمتهم الشيخ رحمت الله الكيرانوي الذي انتصر عليهم في المعركة الدينية وأسهم في الكفاح ضدهم.
بعد أن فشلت الثورة تعرض المسلمون لسخط الإنجليز الموتورين الذين يعدون المسلمين هم أصحاب الفكر والقيادة في الثورة والمواطنون تابعون لهم ونصبت أعواد المشانق للعلماء والمجاهدين في قرية بنجيت لذلك كله اضطر الشيخ رحمت الله إلى الاختفاء مع بعض المجاهدين في قرية (بنجيت) وجاء الإنجليز إلى قرية كيرانه وفتشوها بيتا بيتا ولما فشلوا في العثور على الشيخ رحمت الله توجهوا إلى بنجيت فطلب عمدتها من الشيخ رحمت الله أن يتزي بزي الفلاحين ويخرج للعمل في الحقول فعمل الشيخ بمشورته ومرت قوات الإنكليز على الشيخ رحمت الله فسألوه وزملاءه عن الشيخ رحمت الله ولم يعرفوه ثم سألوا النساء والأطفال فأنكروا معرفتهم لهذا الاسم ثم قاموا بتفتيش القرية واستفزاز أهلها بالنهب والتهديد بالقتل وقبضوا على أربعة عشر شابا كرهائن فأراد الشيخ أن يسلم نفسه للإنكليز لكن العمدة أخبره بعدم مبالاة أهل القرية ولو أعدموا كلهم ولما يئسوا من العثور عليه أطلقوا سراح المعتقلين وقبضوا على العمدة بتهمة إخفاء الشيخ ورفعوا أمر الشيخ إلى المحكمة بتهمة قيادته للثورة وإحداث الشغب والخروج على القانون وأعلنوا عن جائزة مقدارها ألف روبية هندية لمن يأتي بالشيخ حيا أو ميتا (وكان ذلك المبلغ كبيرا في ذلك الوقت) ولكن بلا جدوى فزادت نقمتهم على المسلمين وبالذات في مقاطعة كيرانه لا لشيء إلا لأن الشيخ ينتسب إليهم وبثوا عيونهم للتحري عن الشيخ لكن الله هداه لأن يغير اسمه باسم مصلح الدين ويخرج مارا بالقرى والفيافي إلى سورات ثم إلى مومباي (بومباي سابقا) وقد رأى فتك الإنجليز بالمسلمين وذبحهم للعلماء على قارعة الطريق ومن مومباي ركب زورقا شراعيا إلى الميناء اليمني (مخا) لأن السفينة التي تبحر من (بومباي) إلى جدة قد فاتته بالإضافة إلى أن ميناء بومباي يغص بالموظفين والجنود الإنجليز.
بينما كان الشيخ رحمت الله في طواف العمرة التقى بالحاج إمداد الله الذي وصل إلى مكة قبله فأكملا السعي معا ثم اصطحبه إلى سكنه في رباط داود قرب باب العمرة وأقام معه. وكانا يترددان على الحرم للعبادة ولسماع دروس العلم وكان الشيخ رحمت الله يفتي على المذهب الحنفي فسمع الشيخ رحمت الله الشيخَ أحمد بن زيني دحلان (إمام وخطيب المسجد الحرام آنذاك) ينتصر لمذهب الشافعي ويضعِّف أدلة غيره فسأله بتواضع طلاب العلم عن سبب انتصاره لمذهب الشافعي وطال النقاش بينهما فأدرك الشيخ دحلان أن السائل من كبار العلماء فأخذ بيده وطلب منه التعرف عليه فاختصر له ظروفه وسبب مجيئه إلى مكة ثم اصطحبه إلى بيته وعمل وليمة كبيرة دعا إليها العلماء وطلب من الشيخ رحمت الله الحديث عن المناظرة وما يلاقيه المسلمون في الهند من جور الإنجليز ثم أعطاه إجازة التدريس في المسجد الحرام وسجل اسمه في السجل الرسمي لعلماء الحرم.
وفي مكة طلب الأستاذ العلامة السيد أحمد بن زيني دحلان من الشيخ رحمت الله أن يترجم للعربية مسائل المباحث الخمسة السابقة جامعا إياها من الكتب والرسائل التي ألفها في هذا الباب. ولما رأى الشيخ أن الدراسة في المسجد الحرام ليس لها منهاج ثابت وأنها تقتصر على العلوم الدينية واللغة العربية أراد إدخال علوم جديدة كالهندسة والرياضيات وعلم المناظرة والعلوم الفكية وأحضر الكتب اللازمة من الهند وكان يوما مشهورا في تاريخ التدريس في المسجد الحرام عندما أخذ الشيخ رحمت الله يدرس كتاب حجة الله البالغة في حكمة التشريع وشرح الجغميني في علم الفلك ومقدمة ابن خلدون وقد فصل في تدريسه بين علمي النحو والصرف بعد أن كانا يدرسان معا وكان يقوم بتدريس هذه العلوم في داره حتى تخرج على يديه كثير من العلماء والقضاة وكبار الموظفين الذين كان لهم دور كبير فيما بعد تاريخ مكة والجزيرة.
هذا وقد حاولت القنصلية الإنجليزية في جدة إغلاق المدرسة بإيحائهم إلى الوالي العثماني أنها تشكل حركة أجنبية تعمل داخل البلاد وبذلوا كل جهد لإيقافها فلم يفلحوا لأن الخطة التي رسمها الشيخ للمدرسة ضمنت استمرارها. وملخص هذه الخطة وجوب ابتعاد الطلاب والمدرسين عن الأمور السياسية والخلافات المذهبية والعصبيات القومية وكانت لهذه الخطة التي ما زالت المدرسة سائرة عليها إلى اليوم الأثر الفعال في إبعاد الطلاب عن كل ما يشغلهم عن العلم مما ساعد على دوامها رغم أنقراض غيرها من المدارس التي أنشئت بعدها.
687b7eae2f