ومن هنا يتحدد دور الفرد المسلم بأن يجعل من نفسه القدوة وأن يستشعر المسئولية فيكون مثاليا أولا بالقدوة والعمل في التطبيق والمنهج (١).
والحمد لله .. لقد منَّ الله عليَّ بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه.
لقد عشت أسمع الله سبحانه يتحدث إليَّ بهذا القرآن .. أنا العبد القليل الصغير .. أي تكريم للإنسان هذا التكريم العلوي الجميل! أي رفقة للعمر يرفعها هذا التنزيل! أي مقام كريم يتفضل به على الإنسان خالقه الكريم!
وعشت في ظلال القرآن أنظر من علو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة أنظر إلى تعاجب أهل هذه الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال وتصورات الأطفال واهتمامات الأطفال كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال ومحاولات الأطفال ولثغة الأطفال وأعجب .. ما بال هؤلاء الناس ما بالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة ولا يسمعون النداء العلوي الجليل النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه
وعشت في ظلال القرآن أحس التناسق الجميل بين حركة الإنسان كما يريدها الله وحركة هذا الكون الذي أبدعه الله .. ثم أنظر .. فأرى التخبط الذي تعانيه البشرية في انحرافها عن السنن الكونية والتصادم بين التعاليم الفاسدة الشريرة التي تملي عليها وبين فطرتها التي فطرها الله عليها وأقول في نفسي: أي شيطان لئيم هذا الذي يقود خطاها إلى هذا الجحيم! يا حسرة على العباد! (٢).
خواطر وانطباعات من فترة عاشها سيد قطب في ظلال القرآن دوّنها في هذه المجلدات الستة منطلقاً في ذلك من حقيقة أبدية وهي أن القرآن حقيقة ذات كينونة مستمرة كهذا الكون ذاته الكون كتاب الله المنظور والقرآن كتاب الله المقروء وكلاهما شاهد ودليل على صاحبه المبدع كما أن كليهما كائن ليعمل.
فالكون بنواحيه ما زال يتحرك ويؤدي دوره الذي قدره له بارئه والقرآن كذلك أدى دوره للبشرية وما يزال هو هو والإنسان ما يزال هو هو في حقيقته وفي أصل فطرته. وهذا القرآن هو خطاب الله لهذا الإنسان فيمن خاطبهم الله به خطاب لا يتغير فهو يخاطبه في أصل فطرته وفي أصل حقيقته لذا كان لا بد من التمعن أكثر لإدراك المعاني التي رمت إليها سوره وآياته ولإدراك ما فيه من الحيوية الكامنة لتلقي التوجيه المدخر منه للجماعة المسلمة في كل جيل وذلك من خلال استحضار سيد قطب في تصوره كينونة الجماعة المسلمة الأولى التي خوطبت بهذا القرآن لأول مرة للعيش معها لتمثلها في بشريتها الحقيقية وفي حياتها الواقعية وفي مشكلاتها الإنسانية وبتأمل قيادة القرآن لها قيادة مباشرة في شؤونها اليومية وفي أهدافها الكلية على السواء ويرى كيف يأخذ القرآن بيدها خطوة خطوة لينتقل بعدها إلى الجماعة الإسلامية اليوم المخاطبة بالقرآن في مثل ما خوطبت به الجماعة الأولى فالبشرية بكل خصائصها المعروفة تملك الاستجابة للقرآن والانتفاع بقيادته في ذات الطريق.
بهذه النظرة رأى سيد قطب بأن القرآن حياً يعمل في حياة المسلمة الأولى ويملك أن يعمل في حياة المسلمين اليوم والقرآن هو اليوم معهم وكذلك غداً وأنه ليس مجرد تراتيل تعبدية بعيدة عن واقع المسلمين المحدد كما أنه ليس تاريخاً نص وانقضى وبطلت فاعليته وتفاعله مع الحياة البشرية.
من هذا المنطلق يمضي سيد قطب في ظلال القرآن يستشف معانيه يفسر آياته بأسلوب بعيد عن ساليب أئمة التفسير المتقدمين ملتزماً بروح تفاسيرهم وبجوهرها ليحاكي عقولاً اختلفت في منهجيتها وبطريقة تفكيرها وتنظيرها للأمور والوقائع عن عقول معاصري أئمة التفسير المتقدمين. حيث يورد السورة معرفاً بها وبعدد آياتها ومكية هي أم مدنية والراجح عنده.
في ظلال القرآن المعروف بالظلال هو كتاب من كتب تفسير القرآن ألفه سيد قطب إبراهيم حسين الشاذلي المعروف بسيد قطب (9 أكتوبر 1906م - 29 أغسطس 1966م) وقسمه إلى ثلاثين جزءا حسب تقسيم أجزاء القرآن وبنفس الترتيب. وطبع عدة مرات في مجلدات. يصنف كتاب التفسير في ظلال القرآن ضمن التفاسير بالمأثور ولقد جمع بين الجانب التحليلي والبلاغي والأدبي الاجتماعي ويصنف كذلك من بين التفاسير الموضوعية حيث يهتم بالوحدة الموضوعية للسورة. وذلك بالكلام عن السورة ككل من ناحية أغراضها العامة والخاصة مع ربط موضوعاتها بعضها ببعض حتى تبدو السورة وهي في منتهى التناسق والإحكام وكأنها عقد من لؤلؤ منظوم في غاية الإبداع.[1] ويعد سيد قطب من أبرز من اهتم بهذه الناحية بصورة لم يسبق إليها ولم يقاربه فيها أحد إلى الآن....[1]
ترجم كتاب التفسير في ظلال القرآن إلى عدة لغات: فظهرت ترجمة للكتاب باللغة الإنجليزية والفرنسية والألمانية والأردية والتركية واللغة الإندونيسية والفارسية والبنغالية. فتمّت ترجمة المجلدات الأولى إلى الفارسية بواسطة المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران آية الله السيد علي الخامنئي.[4]
لقد عاش سيد قطب في ظلال القرآن لمدة 25 سنة كما ذكر ذلك هو نفسه في تفسيره... بعد استكمال حفظ كتاب الله واستظهاره ودراسة عشرات التفاسير التي يحيل عليها أحياناً وينتقدها تارة أخرى. والدارس لتفسير في ظلال القرآن يقف ولا شك على ما يمتاز به هذا التفسير عن سواه. فهو ينفرد بمزايا خاصة كثيرة يطول استعراضها بالبيان في هذا السياق نذكر منها: مقدمات السور وتلخيص موضوعاتها ومضمون كل منها تحليلا مع إبراز طابع كل سورة وشخصيتها وظلها الخاص بها وحكمة ترتيب آياتها ومقاطعها والإيقاع الموسيقي لتلك المقاطع وتغيير القافية بحسب السياق ودوره في التبشير أو النذير والوعد أو الوعيد الخ... والوقوف على المكي منها المصطبغ بالتركيز على عقيدة التوحيد الصحيحة ثم المدني منها المبين لأحكام الشريعة بعد قيام دولة الإسلام على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة المنورة وإلى غير ذلك من الأمور ومظاهر التصوير الفني في القرآن والبلاغة والإعجاز مع توظيف أسباب النزول والناسخ والمنسوخ والمتشابه والمحكم وشتى علوم القرآن والحقائق العلمية الحديثة والتاريخية التي تواكب النص القرآني بدون تعارض. وأسرار القرآن وعجائبه لا يمكن إحصاؤها واحتواؤها فينفد البحر تلو البحر حِبراً يُكتب ولن تنفد كلمات الله عبر العصور والأمصار. هذا من حيث الشكل أما من حيث المضمون : فمنهج سيد قطب صارم بالتقيد في التفسير بالمأثور والرجوع إلى السنة والنصوص الثابتة رواية والمرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فيشعر القارئ بمدى الاحتراز والحذر الذي يبديه مثلا من الإسرائيليات التي يأسف لتسربها لكتب التفسير قديمها وحديثها على جلال قدرها. فيعرض عن الروايات التي يشم منها أساطير التوراة المحرفة ولا يجاري باقي المفسرين بإقحامها في تفسيره الذي أراده الله أن يكون خالصاً للناهلين خالصاً مخلصاً من تلك الإسرائيليات التي تسربت لجل كتب التفسير بأسلوب ممتع سلسٍ ويُخرج لنا من بطون المجلدات الست من تفسيره رحيقاً مختوماً وشراباً سائغاً للشاربين. وما هو إلا فتح من الله عليه وعلى من استفاد من تفسيره للذكر الحكيم. وقد كان يمر بالآية ويقول بكل تواضع أنه استعصى عليه فهمها فيفتح عليه بفهم من العلم اللدني فيتداركها بالشرح في الطبعة اللاحقة من تفسيره... وهذا إن هو إلا غيض من فيض فقط...
03c5feb9e7