وعلى الرغم من ثقل المواد الدراسية في دار العلوم فلم يكتف صاحبنا بمقرراتها ولكنه وضع لنفسه منهجًا لدراسة كتب اللغة والأدب ودواوينه في عصوره المختلفة حتى حفظ معجم مختار الصحاح رغبةً منه في أن يتضلع من متن اللغة ومنهجا لقراءة الأدب العالمي المترجم وكذلك الثقافة العامة في العلوم التجريبية والإنسانية.
وفي دار العلوم تعرف على صديق عمره في الدراسة والعمل والحياة الشاعر علي الجندي وكانت دفعته ذاخرة بالطلبة النابهين الذين صاروا أساتذة كبارًا في مجالاتهم مثل الدكتور علي عبد الواحد وافي رائد علم اللغة والاجتماع والأديب حسن علوان والأديب محمد شفيق معروف الذي شارك أستاذه الشاعر علي الجارم شرح ديوان البارودي وأتم الشرح بعد وفاة الجارم.
تخرج عباس حسن في دار العلوم سنة ١٩٢٥م وكان من أوائل دفعته ورشحه ذلك للسفر إلى بعثة علمية بإنجلترا ولكن كان عليه أن يجتاز امتحانًا في اللغة الإنجليزية ولكن لم يتمَّ الأمر وفاتته البعثة والدراسة في الخارج إلى الأبد.
أعلنت وزارة المعارف عن مسابقة في كتابة بحث عن البترول وكانت الجائزة المقررة للفائز خمسة جنيهات مقابل أن يتنازل الفائز عن البحث للوزارة وينشر باسمها فاشترك صاحبنا في المسابقة وقدم بحثه وكانت المفاجأة أن فاز بحثه بالجائزة وأشادت لجنة فحص الأبحاث بأن الموضوع مستكمل المادة محكم الأسلوب متبَّعٌ فيه المنهاجُ العلمي الصحيح. فكان ذلك عِوَضًا له عن تخلُّفه عن البعثة ورسوبه في امتحانها.
بدأ عباس حسن حياته العملية مدرسًا بإحدى مدارس المنيا الابتدائية في الصعيد وحاول أن ينتقل منها إلى القاهرة لكن مساعيه ومساعي ابن خاله لم تنجح وظل فيها سنتين ثم انتقل إلى مدرسة باب الشعرية الابتدائية ومنها إلى غيرها من المدارس الأميرية بالقاهرة.
قرابة 20 عامًا قضاها حسن في التنقّل بين المدارس والترقِّي في الحياة الوظيفية شارك خلالها في تأليف عدة كتب مدرسية في مختلف المراحل التعليمية قدمها في مسابقات وزارة المعارف ففازت كلُّها تقريبًا وقررت الوزارة تدريسها على الطلاب. من بينها ثلاثة كتب تبتعد كلَّ البعد عن الدرس الأدبي واللغوي إذ كان تخصصها في الطب والعلوم أمَّا كتابا الطبِّ فهما: المبادئ الأولية في التدبيرات الصحية والصحة الأولية بالاشتراك مع الدكتور محمد صالح حلمي والدكتور محمد شفيع وأما كتاب العلوم فهو المفيد في مبادئ العلوم وهذا مُصِدِّقٌ ما ذكرتُه من قبل عن سعة ثقافته واطلاعه وهو ما جعل المؤلفين في العلوم يتسابقون لإشراك صاحبنا في مؤلفاتهم.
وكان اجتماعه بزملائه من المدرسين في الاستراحات بين الحصص الدراسية مجالًا واسعًا للمناقشة والمدارسة لمسائل اللغة والنحو وكان صاحبنا رجلًا جَدَلِيًّا لا يدعُ رأيًّا آمنَ به واعتقد صحتَه أبدًا بل يحشد له أدلته ويدافع عنه ويهاجم به كأنما هو في معركة دون هذا الرأي.
يروي الدكتور طه حسين أنه زار مدرسة حينما كان مستشارًا فنيًّا بوزارة الثقافة ودخل أحد الفصول وكان المدرس هو الأستاذ عباس حسن يُملي على الطلاب قصيدة لأبي نُوَاسٍ فجرى بينهما جدالٌ حول رواية مطلع القصيدة فأكثرا الجدال حتى اتهمه طه حسين بالمكابرة والإصرار على الخطأ. وليس الأمر كما قال.
وانتقل معه هذا الجدل بانتقاله إلى دار العلوم مدرسًا بقسم النحو والصرف والعروض سنة 1944م. يقول صديقه في دار العلوم العلامة علي النجدي ناصف: فلما أن استقر به المقام بيننا ونشأت له صحبةٌ فينا جعل يطرح علينا من حينٍ إلى حينٍ مسألةً من النحو أو اللغة يقول: إنٍَ له فيها رأيًّا غيرَ المعروف أو مأخذًا يجعله منها في ريب فيبدأ الحوار هادئًا رفيقًا لكنه لا يزال ينفخ فيه ويُذكِي جذوتَه بما عنده من التحدي والمناجزة حتى تعلو الأصوات وتصْطَرِعُ البيِّناتُ وِفاقًا وخلافًا يعزِّزُها تلويحُ الأيدي وانفعالُ الملامح حتى يدعو جرس المحاضرات إلى المدرجات فينفضَّ الجمع ولا يزال للحوار بقية فإذا تهيَّأتْ جلسة جامعة أعاد عرض المسألة ودعا إلى القول فيها بعدما يكون أعد لها وأوسعها بحثًا وتمحيصًا.
أما عن طريقة تدريسه في قاعة المحاضرة فيقول: هو مُعلِّمٌ بالمعنى الدقيق للكلمة يوصل ما لديه عن طريق المشافهة من أيسر السبل وأوضحها يجمع بين غزارة العلم وصحوة الذهن وفصاحة اللسان والقدرة على الأداء في مستويات عدة تتلاءم مع تفاوت طبقات المُتلَقِّين وكان يبتعد عن إيراد شواهد النحاة في كتبهم وينتقي هو شواهدَ تُنمِّي ذوق الطلاب لذلك كان الطلاب من شتى الشعب ومختلف المراحل الدراسية يحرصون على حضور محاضرته بل حدثني تلميذه د. محمود شرف الدين أن طلابًا من جامعة الأزهر كانوا يحضرون محاضرته في دار العلوم. فكان يجعل على بابَي المدرج حارسَينِ يتحققان من الطلاب الأصليين ويمنعانِ من سواهم.
ترقى في الدرجات العلمية حتى عُيِّنَ رئيسًا لقسم النحو والصرف والعروض في الكلية وألَّف في هذه المدة كتابه المتنبي وشوقي وكتابه رأي في بعض الأصول اللغوية والنحوية فلما كانت سنة 1960م أُحيل إلى المعاش وفضَّل التقاعد عن الاستمرار في الكلية لبعض الخلافات بينه وبين إدارة الكلية والجامعة.
وفي هذا العام أصدر أهمَّ كتبِه على الإطلاق وهو كتاب النحو الوافي الذي أصبح أشهرَ من مؤلفه نفسِه وقصةُ هذا الكتاب كما يرويها صديقه علي النجدي ناصف: كنتُ تمنيتُ أن ينهض بعضُ نحاتنا لينظروا في النحو ويؤلفوا كتابًا فيه يكون هو كتاب العصر وصحَّ مني العزمُ على العمل لهذه الأمنية فدعوتُ بعضَ الأصدقاء إلى جلسةٍ درسْنا فيها الأمر ووضعنا منهجه وتوزَّعنا أبوابًا من النحو بيننا ندرسها ونحررها ثم نلتقي لنرى الرأي فيها ولكن لم يُقدَّر لهذه المحاولة أن تتم ولا أن نُمعِنَ فيها بعيدًا وكأن الله تعالى وكَّلَ بهذه الأمنية العالم الجليل عباس حسن ليحققها وحده فكان كتاب النحو الوافي.
بعد بضع سنوات اختير عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة فأتيح له مجالٌ آخر لخدمة العربية وكان فرَّغ وقته وجهده كله لمذاكرة كتب العربية ومراجعتها وتحضير ما هو مكلَّفٌ به من أبحاث ومناقشات. حدثني ابنه المهندس محمد عباس أنه كان يعكف على مدارسة العلم في مكتبه لا يدخل عليه أحدٌ حتى ساعات متأخرة من الليل يقرأ ويراجع ويسجل الملاحظات ويضع الحواشي في هوامش الكتب. وقد كانت قواعد النحو حاضرةً في ذهنه بصورة مذهلة ولكن لكي يسعفه ذكر المراجع كتب في كراسة صغيرة رؤوس مسائل النحو وتحت كل مسألة أهمَّ مراجعها وكان يصطحب معه هذه الكراسة دائمًا حتى قبل انضمامه للمجمع.
اشترك في عدة لجان بالمجمع وكان بعضها بل ربما أكثرها من اللجان العلمية ولم تكن مشاركته في هذه اللجان مشاركة شرفية بل كان لا يدع مصطلحًا إلا ونبَّه على ملاحظاته عليه ولا يمنعه من الاعتراض انفرادُه به ومحاضر المجمع تسجل مناقشاتٍ كاملةً كان كل الحاضرين مجمعين على قول وهو يخالفهم في صوت جهير وحجة قوية لا يرهبها اجتماعُ الناس عليها ما دامت لها وجاهتها وقوتها حتى وإن جلب عليه ذلك شيء من مضايقات بعض أعضاء المجمع.
03c5feb9e7