يعد المذهب الحنفي من أكثر المذاهب التي كتب لها الاستمرار وتلقتها الأمة بالقبول ويُسمى مذهب أهل الرأي وهو المذهب الأكثر انتشاراً في العالم وهو أقدم المذاهب الأربعة وتتمثل أهمية هذا المذهب في أنه ليس مجرد أقوال الإمام أبي حنيفة وحده ولكنه أقواله وأقوال أصحابه. ويعتبر مذهب الأحناف من المذاهب التي كان لها فضل كبير على الفقه الإسلامي من خلال تحرير مسائله وترتيبها في أبواب حيث يعد الإمام أبو حنيفة أول من دون علم الشريعة ورتبه أبوابًا ثم تابعه مالك بن أنس في ترتيب الموطأ ولم يسبق أبا حنيفة في ذلك أحد لأن الصحابة والتابعين لم يضعوا في علم الشريعة أبوابًا مبوبة ولا كتبًا مرتبة وإنما كانوا يعتمدون على قوة حفظهم فلما رأى أبو حنيفة العلم منتشرًا خاف عليه الخلف السوء أن يضيعوه فدونه وجعله أبوابا مبوبة وكتبًا مرتبة فبدأ بالطهارة ثم بالصلاة ثم بسائر العبادات ثم المعاملات ثم ختم الكتاب بالمواريث وهو الأمر الذي اعتمده الفقهاء من بعده.[1][2]
فأما أبو يوسف: فقد كان أول من صنف الكتب في مذهب أبي حنيفة فدوّن آراءه ورواياته وذلك من خلال مصنفاته ككتاب الآثار الذي رواه عن أبي حنيفة وكتاب اختلاف ابن أبي ليلى الذي انتصر فيه لشيخه في خلافه مع ابن أبي ليلى وكتاب الرد على سير الأوزاعي الذي انتصر فيه أيضاً لمذهبه وشيخه.[7] بالإضافة إلى ذلك فإن أبا يوسف تولى القضاء للعباسيين طيلة ست عشرة سنة وأوكل إليه مهمة اختيار القضاة وتوليتهم في أرجاء الخلافة العباسية وكان لا يولّي في الغالب إلا حنفي المذهب فكان لذلك أثر كبير في نشر فقه أبي حنيفة وأقواله في ربوع أرض الخلافة الإسلامية.[8]
وأما محمد بن الحسن الشيباني: فهو راوية المذهب الحنفي[9] الذي نشر علم أبي حنيفة أيضاً بتصانيفه الكثيرة حيث قام بتدوين الأصول الستة للمذهب الحنفي أو ما يعرف بكتب ظاهر الراوية والتي تعد المرجع الأول في فقه الحنفية وهذه الكتب هي المبسوط (الأصل) والزيادات والجامع الصغير والجامع الكبير والسّير الصغير والسّير الكبير.[10]
يقول الموفق المكي مبيناً طريقة أبي حنيفة في تدريس أصحابه: فوضع أبو حنيفة مذهبه شورى بينهم لم يستبد فيه بنفسه دونهم اجتهاداً منه في الدين ومبالغة في النصيحة لله ورسوله والمؤمنين فكان يُلقي مسألة مسألة يقلبهم ويسمع ما عندهم ويقول ما عنده ويناظرهم شهراً أو أكثر من ذلك حتى يستقر أحد الأقوال فيها ثم يُثبتها القاضي أبو يوسف في الأصول حتى أثبت الأصول كلها. وبناء على ذلك فإن تلاميذ أبي حنيفة كانوا مشاركين في تأسيس هذا البناء الفقهي ولم يكونوا مجرد مستمعين مُسلّمين لما يطرح عليهم. ولم يكن أبو يوسف وحده هو الذي يقوم بتدوين ما استقر عليه الرأي بل كان يوجد في حلقة أبي حنيفة عشرة يقومون بالتدوين على رأسهم الأربعة الكبار: (أبو يوسف محمد بن الحسن الشيباني زفر بن الهذيل الحسن بن زياد اللؤلؤي).[14]
ولقد قام هؤلاء الأصحاب - خاصة الصاحبين: (أبا يوسف ومحمد بن الحسن) - بعد وفاة شيخهم بجهود كبيرة في تطوير المذهب وتنقيحه فقاموا بتنقيح تلك الآراء التي اعتمدوها على عهد شيخهم وأعادوا النظر فيها وراجعوها في ضوء ما استُجد من أدلة وما حصل من تغيُّر في حياة الناس ومشاكلهم ولذا وجدنا أبا يوسف ومحمد بن الحسن قد تراجعا عن كثير من الآراء التي اعتمدها إمامهم لمّا اطلعا على ما عند أهل الحجاز.[15] وكان من آثار ذلك أن خالفوا إمامهم في جملة من المسائل الأصلية والفرعية ومع ذلك فهم مجتهدون ومنتسبون إلى الإمام لأنهم اعتمدوا قواعده وساروا على طريقته في الاجتهاد.[16] ولذلك دُوّنت آراؤهم مع آراء أبي حنيفة وعُدّ الجميع مذهباً للحنفية بل أحياناً تكون الفتوى عندهم على رأي أبي حنيفة وأحياناً على رأي الصاحبين أو غيرهما.[17]
وظهر في تلك المرحلة أيضاً وتحديداً في القرن الرابع الهجري نوع آخر من التأليف عن الحنفية وهو ما يُعرف بالتأصيل الحديثي للمذهب كما تشير إلى ذلك مصنفات الإمام الطحاوي الحديثية كشرح معاني الآثار ومُشكِل الآثار.[22] كما برزت مدرستان أصوليّتان عند الحنفية لكل منهما ما يميّزها عن الأخرى وهما:
أصول الاستنباط عند الاحناف ثلاثة[27] وهي كتاب الله والسنة وإجماع الأمة والأصل الرابع هو القياس.[27] كما قيده فقيه ماوراء النهر فخر الإسلام البزدوي صاحب الطريقة وصاحب المنتخب الحسامي الإمام حسامِ الدين محمّدِ بنِ محمّد عمر الأخسيكثي.[28]ورغم أن الإمام أبا حنيفة لم يُؤثر عنه تفاصيل المنهج الذي اعتمده في بناء مذهبه ولا القواعد التفصيلية التي جرى عليها في بحثه واجتهاده إلا أنه قد رُويت عنه عدة روايات توضح الخطوط العريضة التي سار عليها والمنهج العام الذي اعتمده في إرساء قواعد المذهب وأصوله[29] ومن هذه الروايات ما يلي: ما رواه الصّيمَري والخطيب البغدادي عن يحيى بن ضُرَيس قال: شهدت سفيان وأتاه رجل فقال له: ما تنقم على أبي حنيفة قال: وما له قال: سمعته يقول: آخذ بكتاب الله فما لم أجد فبسُنة رسول الله فإن لم في كتاب الله ولا سُنة رسول الله أخذت بقول أصحابة آخذ بقول من شئت منهم وأدع من شئت منهم ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم فأما إذا انتهى الأمر أو جاء إلى إبراهيم والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيّب وعدد رجالاً فقوم اجتهدوا فأجتهد كما اجتهدوا.[30]
وروى الموفق المكي في كتابه مناقب الإمام أبي حنيفة عن عبد الكريم بن هلال عن أبيه قال: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا وجدت الأمر في كتاب الله تعالى أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذت به ولم أصرف عنه وإذا اختلف الصحابة اخترت من قولهم وإذا جاء من بعدهم أخذت وتركت.[31] وروى ابن المكي أيضاً عن سهل بن مزاحم قال: كلام أبي حنيفة أخذٌ بالثقة وفرار من القبح والنظر في معاملات الناس وما استقاموا عليه وصلُح عليه (أمرهم) يُمضي الأمور على القياس فإذا قَبُح القياس يمضيه على الاستحسان ما دام يُمضي له فإذا لم يُمضِ له رجع إلى ما يتعامل المسلمون به وكان يوصل الحديث المعروف الذي أجمع عليه ثم يقيس عليه ما دام القياس سائغاً ثم يرجع إلى الاستحسان أيهما كان أوفق رجع إليه. قال سهل: هذا علم أبي حنيفة رحمه الله علم العامة.[32] وروى أيضاً عن الحسن بن صالح قال: كان أبو حنيفة شديد الفحص عن الناسخ من الحديث والمنسوخ فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه وكان عارفاً بحديث أهل الكوفة وفقه أهل الكوفة شديد الاتّباع لما كان عليه الناس ببلده.[33]
ومن خلال هذه الروايات التي تنبّه على منهج الإمام وطريقته في الاستنباط بَلْور أئمة الحنفية هذه المنهجية وحدّدوا معالمها ووضعوها في قالبها الأصولي وجعلوا أصول الاستنباط عند الإمام على النحو التالي:[34]
59fb9ae87f