نرى بأنّ هذا التشكيل والسبك والتلوين في الحروف و العبارات في معمار القرآن هو نسيجٌ ليس له نظيرٌ في سبكه وكلّ عبارات جمله بيّنةٌ بيسرٍ وسهولةٍ للغاية ليس فيه أثر اعتمالٍ وافتعالٍ واعتسافٍ وإنمّا تسيل الكلمات في بساطةٍ شديدةٍ لتدخل القلب فتثير ذلك الإحساس الغامض بالخشوع من قبل أن يتيقّظ العقل فيحلّل ويفكّر ويتأمّل مجرّد قرع الكلمة الأذن وملامستها للقلب يثير ذلك الشيء الّذي لا نجد له تفسيراً ولربما لم يخطئ السيّد قطب حينما ردّ سحر القرآن البيانيّ إلى نسقه الّذي يجمع بين مزايا النثر والشعر ولو على مستوى الظواهر قال:
فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحّدة والتفعيلات التامّة فنال بذلك حرّيّة التعبير الكاملة عن جميع أغراضه العامّة وأخذ في الوقت ذاته من الشعر الموسيقى الداخليّة والفواصل المتقاربة في الوزن الّتي تغني عن التفاعيل والتقفية الّتي تغني عن القوافي وضمّ ذلك إلى الخصائص الّتي ذكرنا فشأى النثر والنظم جميعاً(7).
وإنّ هذه الألحان الداخليّة لتنبعث في القرآن حتّى من اللفظة المفردة في آيةٍ من آياته فتكاد تستقلّ بجرسها ونغمها بتصوير لوحةٍ كاملةٍ فيها اللون زاهٍ وفيها الظلّ شفّافٌ أو كثيفٌ.
تصوّر مشهد الإبعاد والتنحية بكلّ ما يقع في هذا المشهد من أصواتٍ وما يصاحبه من ذعرٍ الّذي يمرّ بحسيس النار ويسمعه ويكاد يصلاه!
فهذا شأن الإيقاع في القرآن وليست الفاصلة فيه كقافية الشعر تُقاس بالتفعيلات والأوزان وتضبط بالحركات والسكنات ولا الألفاظ فيه تحشّد حشداً وتلصق إلصاقاً بل الفاصلة طليقةٌ من كلّ قيدٍ والنظم بنجوةٍ من كلّ صنعةٍ والألفاظ بمعزلٍ عن كلّ تعقيدٍ والأسلوب يؤدّي غرضه كاملاً غير منقوصٍ فيتناغم مع المواقف بحسبها يلين أو يشتدّ ويهدأ أو يهيج ينساب انسياباً كالماء إذ يسقي الغراس أو يعصف عصفاً كأنّه صرصرٌ عاتيةٌ تبهر الأنفاس.
قال الأستاذ دراز: ويجد الإنسان لذةً بل وتعتريه نشوةٌ إذا ما طرق سمعه جواهر حروف القرآن خارجةً من مخارجها الشحيحة من نظم تلك الحروف ورصفها وترتيب أوضاعها فيما بينها هذا ينقر وذاك يصفر وثالثٌ يهمس ورابعٌ يهرّ وآخر ينزلق عليه النفس وآخر يحتبس عنده النفس فترى الجمال النغميّ ماثلاً بين يديك في مجموعةٍ مختلفةٍ ولكنّها مؤتلفةٌ لا كركرةٌ ولا ثرثرةٌ ولا رخاوةٌ ولا معاظلةٌ ولا تناكر ولا تنافر وهكذا ترى كلاماً ليس بالبدويّ الجافي ولا بالحضريّ الفاتر بل هو ممزوجٌ مؤلّفٌ من جزالة ذاك ورقّة هذا مزيجاً كأنّه عصارة اللغتين وسلالة اللهجتين.
نعم من هذا الثوب القشيب يتألّف جمال القرآن اللفظيّ وليس الشأن في هذا الغلاف إلا كشأن الأصداف تتضمّن لآلي نفيسةً وتحتضن جواهر ثمينةً فإن لم يلهك جمال الغطاء عمّا تحته من الكنز الدفين ولم تحجبك بهجة الستار عما وراءه من السرّ المصون ففلقت القشرة عن لبّها وكشفت الصدفة عن درّها فنفذت من هذا النظام اللفظيّ إلى تلك الفخامة المعنويّة تجلّي لك ما هو أبهى وأبهر ولقيت منه ما هو أبدع وأروع لك روح القرآن وجذوة موسى الّتي جذبته إلى نار الشجرة في شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة فهناك نسمة الروح القدسيّة: إِنِّي أَنَاْ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ(16).
وذكر السيّد قطب عن الإيقاع الموسيقيّ في القرآن أنّه من إشعاع نظمه الخاصّ وتابعٌ لانسجام الحروف في الكلمة ولانسجام الألفاظ في الفاصلة الواحدة وبذلك قد جمع القرآن بين مزايا النثر وخصائص الشعر معاً فقد أعفى التعبير من قيود القافية الموحّدة والتفعيلات التامّة فنال بذلك حرّيّة التعبير الموسيقيّ الداخليّة والفواصل المتقاربة في الوزن الّتي تغني عن التفاعيل والتقفية الّتي تغني عن القوافي فشأنه شأن النثر والنظم جميعاً.
وحيثما تلا الإنسان القرآن أحسّ بذلك الإيقاع الداخليّ في نفسه يبرز بروزاً واضحاً في السور القصار والفواصل السريعة ومواضع التصوير والتشخيص بصفةٍ عامّةٍ يتوارى قليلاً أو كثيراً في السور الطوال لكنّه على كلّ حالٍ ملحوظٌ دائماً في بناء النظم القرآنيّ.
وقال الرافعيّ: كان العرب يتساجلون الكلام ويتقارضون الشعر وكان أسلوب الكلام عندهم واحداً حرّاً في المنطق وجزلاً في الخطاب في فصاحةٍ كانت تؤاتيهم الفطرة وتمدّهم الطبيعة فلمّا ورد عليهم أسلوب القرآن رأوا حروفه في كلماته وكلماته في جمله ألحاناً نغميّةً رائعةً كأنهّا لإتلافها وتناسقها قطعةٌ واحدةٌ قراءتها هي توقيعها فلم يفتهم هذا المعنى وكان أبين لعجزهم وكلّ الّذين يدركون أسرار الموسيقى وفلسفتها النفسيّة يرون أن ليس في الفنّ العربيّ بجملته شيءٌ يعدل هذا التناسب الطبيعيّ في ألفاظ القرآن وأصوات حروفه وما أحدٌ يستطيع أن يغتمز في ذلك حرفاً واحداً والقرآن يعلو على الموسيقى إنّه مع هذه الخاصّة العجيبة ليس من الموسيقى.
إنّ مادّة الصوت هي مظهر الانفعال النفسيّ في الأنغام الموسيقيّة بسبب تنويع الصوت مدّاً وغنّةً وليناً وشدّةً وما يتهيّأ له من حركاتٍ مختلفةٍ وبمقدار ما يكسبه من الحدرة والارتفاع والاهتزاز مما هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى فلو اعتبرنا ذلك في تلاوة القرآن لرأيناه أبلغ ما تبلغ إليه اللغات كلّها في هزّ الشعور واستثارة الوجد النفسيّ وبذلك يؤول ما ورد من الحثّ على تحسين الصوت عند قراءة القرآن.
وما هذه الفواصل الّتي تنتهي بها آيات القرآن إلا صوراً تامّة الأبعاد الّتي تنتهي بها جمل الموسيقى وهي متّفقةٌ مع آياتها في قرارات الصوت اتّفاقاً عجيباً يلائم نوع الصوت والوجه الّذي يساق عليه بما ليس وراءه من العجب مذهب وتراها أكثر ما تنتهي بالنون والميم وهما الحرفان الطبيعيّان في الموسيقى نفسها أو المدّ وهو كذلك طبيعيٌّ في القرآن(17).
والتعبير بالموسيقى المراد منه نظم النغمات الألحانيّة المختلفة ولكن حيث إنّ الاستعمال العرفيّ للكلمة غالباً ما يكون في الملهيّات كان من غير المناسب التعبير عن نغمات القرآن بها.
وهذه هي طريقة الاستهواء الصوتيّ في اللغة وأثرها طبيعيٌّ في كلّ نفسٍ فهي تشبه في القرآن الكريم أن تكون صوت إعجازه الّذي يخاطب به كلّ نفسٍ سواء كانت تفهمه أو لا تفهمه فقد تألّفتْ كلماته من حروفٍ ولو سقط واحدٌ منها أو أُبدل بغيره أو أُقحم معه حرفٌ آخر لكان ذلك خللاً بيّناً أو ضعفاً ظاهراً في نسق الوزن وفي جرس النغمة وفي حسّ السمع وذوق اللسان وفي انسجام العبارة وبراعة المخرج وتساند الحروف وإفضاء بعضها إلى البعض ولرأيت لذلك هجنةً في السمع ولم يكن يستطع الوليد بن المغيرة أن يبرز ذهوله من بيان القرآن الكريم ونظمه على الرغم من كفره وقد مات على كفره قال بعد أن سمع القرآن:
03c5feb9e7