البلد اوكرانيا
التاريخ 26 أبريل / نيسان 1986
المكان منطقة تشيرنوبيل قرب الحدود البيلاروسية
الساعة 1 و 23 دقيقة ليلا ..
رن الهاتف بعد الواحدة ليلا استيقظ زوجي ورد على الهاتف ثم اسرع وارتدى ثيابه وقال لي عودي الى النوم هناك حريق في المحطة النووية سأعود بعد وقت قصير. لقد بقيت مستيقظة ونظرت من النافذة كانت السماء كلها مضاءة بوهج ابيض لامع واصبحت الحرارة لا تطاق بقيت منتظرة ان يعود زوجي مرت الساعات انها السادسة صباحا لكن زوجي فاسيلي لم يعد.
عند الساعة السابعة تلقيت اتصالا واخبروني ان زوجي تعرض لحادث وانه في المستشفى ركضت الى هناك وان اتذكر كيف التقينا انا وزوجي وكم احببنا بعضنا وكيف تزوجنا وانتقلنا الى مدينة بريبيات قرب المفاعل النووي وسكنا في مساكن فوج الاطفاء فزوجي رجل اطفاء .
وصلت الى المستشفى الذي كانت الشرطة تطوقه ولا تسمح لاحد بالمرور الا سيارات الاسعاف لم اكن وحدي بل جميع زوجات رجال الاطفاء كانوا هناك اسرعت بالبحث عن طبيبة اعرفها اسمها فاسينكا تعمل في المستشفى توسلت ايها ان تدخلني قالت الوضع سيء جدا وخطير فرجوتها اكثر فقالت لبضع دقائق فقط ودخلت .
كان جسمه متورما لا توجد عينان جلده محترق ومتسلخ وكانه ليس فاسيلي قالت الطبيبة نحتاج الى الحليب فقلت انه لا يحبه فقالت الآن سيشرب انه مجبر
عند العاشرة صباحا سمعت ان مراقب الاجهزة في المحطة كان اول الضحايا لقد مات واسمه شيشينوك اما زميله خوديميتشوك فلم يستطع الخروج ولم يتمكنوا من انقاذه فبقي هناك تحت الانقاض وسكبوا فوقه الاسمنت المسلح فليس هناك وقت .
امتلات مدينة بريبيات بالآليات العسكرية والجنود اقفلوا كل الطرق والقطارات كلها متوقفة والحافلات ايضا والناس لا يعلمون شيئا فقط احاديث عن انفجار في المحطة النووية لكن ليس هناك معلومات واضحة فقط الصمت والخوف فقط .
بدأ الجنود برش وغسل الشوارع والسيارات والبنايات والاشجار بمسحوق ابيض كل شيء يغسل والجنود يرتدون كمامات واقية لكن لا احد يعلم لماذا .
صبيحة الانفجار لاحظ المزارعون في الحقول اختفاء النحل والديدان اختفت لعمق اكبر في الارض والطيور تساقطت ميتة وحيوانات الخلد وجدت مختنقة والجنادب اختفت ايضا ولم يعرف الناس السبب لكن الحيوانات عرفت قبلنا انها غريزة البقاء.
في المساء عدت الى المستشفى لم يسمحوا لنا بالدخول قالوا بأنهم سياخذون المصابين الى موسكو ويجب ان نحضر لهم ملابس فملابسهم احرقت انها مشعة وخطرة لقد احرقت.
عندما احضرنا الملابس كانوا قد اخذوهم الى موسكوا لقد خدعونا عدت الى البيت منهكة ورأيت في الشارع كيف وقفت الباصات على جانب واحد من الطريق وفي الجانب الاخر وقفت سيارات الاسعاف لقد بدؤوا باخلاء المدينة والشوارع كلها مغطاة برغوة بيضاء لقد كانوا يغسلون كل شيء لكن لم يتم التصريح بشيء من القيادة العليا ولا احد يعلم ما يحدث وما سيحدث مستقبلا .
سافرت الى موسكو مع اهل زوجي وبحثت عن المستشفى الذي نقل اليه مصابوا حريق المحطة النووية لكن كل من تسأله لا يجيب الجميع صامت وخائف اخبرني شرطي انهم في المستشفى رقم 6 قرب محطة شوكينسكايا انه مستشفى خاص بعلاج الامراض الاشعاعية لقد رشوت الحارس لكي يسمح لي بالدخول فالدخول ممنوع الا بتصريح خطي من المسؤولين لقد دخلت لكن بشرط ممنوع اللمس ممنوع التقبيل ممنوع العناق وابقى بعيدة عن المصاب لأنه مشع.
دخلت لقد تم عزل المصابين في غرف منعزلة ومنفصلة والمبنى كله معزول فالمصابون خطرون جدا انهم مشعون ولا يمكن الاقتراب منهم ابدا.
كنت ازور زوجي كل يوم في المستشفى رقم 6 وحالته تزداد سوءا الحروق تتوسع اكثر والتقرحات تكبر وخرجت اللزوجة من كل مكان من جسده وتغير لون جلده من الازرق الى الاحمر ثم البني ثم الرمادي لقد بقي يعاني ويتألم كلما تحرك رأسه تسقط خصلة كبيرة من شعره على الفراش الذي كنت اغيره يوميا فلقد كان يمتلئ بالدم والقيح وتلتصق به قطع الجلد من جسم زوجي فليس هناك علاج للاشعاع.
لقد بقي 14 يوما في المستشفى ثم توفي لقد وعدني عندما تزوجنا ان ارى موسكو في 9 ماي عيد الانتصار على النازية حيث تفجر الالعاب النارية في السماء لكنني رأيت هذه الالعاب وهو امامي يحتضر في المستشفى لقد كنت حاملا في الشهر الثاني لقد نصحوني بالمغادرة فانا في خطر فزوجي اصبح مشعا وهو مثل مفاعل نووي صغير لكنني لم استطع تركه يتعذب ويموت وحيدا لقد توفي جميع زملائه الاطفائيين الذين عملوا معه تلك الليلة المشؤومة.
بعد وفاتهم مباشرة اجروا صيانة للمستشفى قشروا الجدران ونزعوا الارضيات وكل شيء اعيد بنائه ليتخلصوا من الاشعاع الذي تركه زوجي وزملاؤه.
بعد موت فاسيلي سألوني وانا اقف اما جثته في ثلاجة الموتى هل تريدين رؤيته لقد كان منظرا لا ينسى ابدا لقد انفصل اللحم عن العظم والاعضاء الداخلية ظاهرة لقد البسوه بصعوبة بدلة الاستعراض العسكري وتركوه بلا حذاء فقدماه متورمان بشدة ثم وضعوه في كيس بلاستيكي ووضع الكيس في تابوت خشبي ولفوا التابوت بكيس سميك ثم وضعوه في تابوت اخر من الزنك.
اجتمعنا انا واهلي واهل زوجي في المقبرة لقد منعونا من اخذ جثته ودفنها في قريته فهو سيدفن في موسكو فهو لم يعد لنا بل اصبح ملكا للدولة انه بطل تشيرنوبيل .
كنت اعمل رئيس مخبر معهد الطاقة النووية التابع لاكاديمية العلوم البيلاروسية وصلت الى العمل صبيحة 26/04/1986 كان المعهد يقع في ضواحي العاصمة.
اظهرت اجهزة القياس الاشعاعي ازدياد النشاط الاشعاعي بشدة وخطورة فقلت ربما حدث شيء ما او حدث تسرب نووي في المختبر ثم جاءت الاوامر بعدم خروج اي شخص من المبنى او التنقل بين المباني وتم فحص مكاتبنا انها كلها مشعة اتصلنا بمحطة اغناليم للطاقة النووية المجاورة لم يكن التسرب منهم لكن اجهزة القياس سجلت نشاطا اشعاعيا كبيرا عندهم ايضا. الكل مذعور وخائف ثم اتصلنا بمحطة تشيرنوبيل في اوكرانيا لكن لا احد يجيب فعرفنا ان الحادثة والاشعاع جاء من هناك وعند الظهيرة ظهرت غيمة مشعة فوق العاصمة البيلاروسية مينسك.
بعد أيام من الحادث بدأ الناس يشكون ان الحادث خطير وان ترحيلهم سيكون دائما وليس مؤقتا كما قيل لهم وبدأ الحديث عن الاشعاع والبحث عن معلومات عنه لكن كل المجلات العلمية والكتب التي تتحدث عن الاشعاع اختفت من المكتبات لقد تم جمعها من قبل حكومة الاتحاد السوفيتي حتى لا يعرف الناس ويحدث ذعر جماعي.
بدأ الصحافيون بالظهور من كل انحاء العالم وطرحوا الاسئلة.لاكانوا يلبسون البدلات الواقية والاقنعة والقفازات والاحذية المطاطية اما نحن فكنا نرتدي ثيابنا العادية بدون اي حماية لم نكن ندرك خطورة الامر.
في الليل تسلل اللصوص الى البيوت المتروكة لقد نهبوا كل شيء في غفلة من الجنود منهم من عاد الى منزله واخذ ما يحتاجه من اغراض ومنهم من كان لصا ونهب وسرق اغراض الاخرين لكن لم يعلموا ان هذه الاشياء خطيرة ونسبة الاشعاع فيها مميتة لقد استخدموها او باعوها في الاسواق لقد ساعدوا في انتشار الاشعاع اكثر واكثر دون يعرفوا ذلك.
03c5feb9e7