بعد سقوط الدولة الفاطمية أفل نجم الأزهر على يد صلاح الدين الأيوبي الذي كان يهدف من وراء ذلك إلى محاربة المذهب الشيعي ومؤازرة المذهب السني[4] فأبطلت الخطبة فيه وظلت معطلة مائة عام إلى أن أعيدت في عهد السلطان المملوكي الظاهر بيبرس البندقداري.[5] وفي عهد الدولة المملوكية عاد الأزهر ليؤدي رسالته العلمية ودوره الحيوي فعين به فقهاء لتدريس المذهب السني والأحاديث النبوية وعنى بتجديده وتوسعته وصيانته فعد ذلك العصر الذهبي للأزهر كما أظهر الحكام والأعيان في العصور التالية اهتماماً ملحوظاً بترميمه وصيانته وأوقفت عليه أوقافاً كثيرة.[1]
في عهد الملك فؤاد الأول صدر القانون رقم 46 لسنة 1930 للأزهر والذي بموجبه أنشأت كليات أصول الدين والشريعة واللغة والعربية لاحقاً سنة 1933 وأصبح للأزهر رسميًا جامعة مستقلة في عام 1961. وقد اعتبرت جامعة الأزهر الأولى في العالم الإسلامي لدراسة المذهب السني والشريعة الإسلامية.[4] ولا يزال الأزهر حتى اليوم منارة لنشر وسطية الإسلام ومؤسسة لها تأثير عميق في المجتمع المصري ورمزاً من رموز مصر الإسلامية.:122[6]:ج1ص47:63
تأسست مدينة القاهرة على يد جوهر الصقلي وهو قائد فاطمي رومي من أصل يوناني من جزيرة صقلية[7][8][9][10][11][12] وأطلق عليها اسم المنصورية وأُعِدَّت المنصورية لتكون مقراً للخلافة الفاطمية المتواجدة في تونس وقد استخدم المسجد لأول مرة في عام 972 وسُمّي في البداية بجامع المنصورية وقد كانت تسمية المسجد باسم المدينة التي يتواجد بها ممارسة شائعة في ذلك الوقت ومع دخول الخليفة المعز لدين الله لمصر قام بتسمية المدينة بالقاهرة وهكذا أصبح اسم المسجد جامع قاهرة حسب أول نسخة من المصادر العربية التاريخية.[13]
اكتسب المسجد اسمه الحالي الأزهر في وقت ما بين الخليفة المعز ونهاية عهد الخليفة الفاطمي الثاني في مصر العزيز بالله[13] والأزهر معناه المشرق وهو صيغة المذكر لكلمة الزهراء والزَّهْرَاءُ لقبُ السيدة فاطمة بنتِ الرسول محمد[14][15] زوجة الخليفة علي بن أبي طالب وقد ادعى المعز وأئمة الدولة الفاطمية أنهم من سلفهم وهي النظرية الوحيدة المتداولة عن سبب تسمية الأزهر بهذا الاسم[16][17] ومع ذلك لم تُؤَكَّد هذه النظرية في أي مصدر عربي وقد استُحْسِن دعمها كلياً وقد نفتها مصادر غربية في وقت لاحق.[18]
يُقدم آخرون نظرية بديلة تتمثل في أن اسم المسجد اشتق من الأسماء التي قدمها الخلفاء الفاطميين إلى قصورهم القريبة من المسجد فقد أطلقوا على قصورهم القصور الزاهرة تيمنًا بالحدائق الملكية بها التي اختيرت من قبل العزيز بالله وبعد أن انتُهِىَ من القصور غُيِّر اسم المسجد من جامع القاهرة إلى الأزهر.[13][19] أما اشتقاق كلمة جامع من جذر الكلمة العربية الجامعة وتعني الجمع ويتم استخدام الكلمة للتعبير عن المساجد التي تجمع الكثير من الناس.
في عهد الخليفة الفاطمي المعز لدين الله الإمام الإسماعيلي الرابع قامت الجيوش الفاطمية بغزو مصر تحت قيادة جوهر الصقلي والذي نجح في انتزاعها من سلالة الإخشيديين[20][21] وبأمر من الخليفة أشرف جوهر على بناء المركز الملكي للخلافة الفاطمية وجيشها وقد بنى الأزهر كقاعدة لنشر مذهب الشيعة الإسماعيلية[20][22] والذي يقع بالقرب من مدينة الفسطاط السنية وقد أصبحت القاهرة مركزاً للطائفة الإسماعيلية الشيعية ومقر حكم الدولة الفاطمية.[23] وعلى ذلك أمر جوهر ببدء بناء مسجد كبير للمدينة الجديدة وقد بدأ العمل في إنشائه سنة 970[18] وأتم في سنة 972 فعقدت أول صلاة جمعة فيه في 22 يونيو 972 خلال شهر رمضان.[18][24]
سرعان ما أصبح الأزهر مركزًا للتعليم وتخرج منه التصريحات الرسمية وتُعقد به جلسات المحاكم[20] وأصبحت التعاليم الباطنية الخاصة بالمذهب الإسماعيلي - والتي كانت تعاليم سرية لفترة طويلة - متاحة لعامة الناس في الأزهر[25] وقد عين المعز القاضي النعمان بن محمد القاضي مسؤولاً عن تدريس المذهب الإسماعيلي[25] وكانت بعض الفصول تُدرَّس في قصر الخليفة وكذلك في الأزهر مع دورات منفصلة للنساء[26][27] وخلال عيد الفطر عام 973 رُسِّمَ المسجد مسجدًا رسميًّا لصلاة الجماعة في القاهرة بأمر من الخليفة المعز وابنه عندما أصبح بدوره الخليفة وجعلوا خطبة الجمعة خلال شهر رمضان في الأزهر.[28]
كما جعل يعقوب بن كلس - الفقيه والوزير الرسمي الأول للفاطميين - من الأزهر مركزًا رئيسيًا لتعليم القانون الإسلامي في عام 988[29] وفي السنة التالية وُظِّفَ 45 عالمًا لإعطاء الدروس ليتحول الأزهر إلى جامعة رائدة في العالم الإسلامي.[30]
أُنشِئت مكتبةٌ ضخمةٌ تابعةٌ للجامع الأزهر وهبها الخليفة الفاطمي في 1005 الآلاف من المخطوطات التي أعطت قيمة بليغة للمكتبة[32] وكان ذلك ضمن محاولة الفاطميين بشتى الجهود نشر ممارسة المذهب الإسماعيلي بين الناس ولكن لم تنجح جهودهم[23] فالكثير من هذه المخطوطات فُرِقَّت في الفوضى التي تلت سقوط الدولة الفاطمية[32] وأصبح الأزهر فيما بعد مؤسسة سنية كبيرة.[23]
كان صلاح الدين الأيوبي الذي أطاح بالفاطميين عام 1171 معادياً لمبادئ التعاليم الشيعية التي رُوِّجَت في الأزهر أثناء الخلافة الفاطمية لذلك أُهِمَل المسجد خلال حكم السلالة الأيوبية لمصر وحظر صدر الدين بن درباس الصلاة فيه وهو قاضٍ عين من قبل صلاح الدين الأيوبي[33] والسبب في هذا المرسوم قد يكون بسبب الفقه الشافعي الذي يرى بعدم جواز خطبتين في بلد واحد[34] وقد يكون بسبب عدم الثقة في الجامع باعتباره مؤسسة شيعية[32][35] وأصبح مسجد الحاكم بأمر الله وهو المسجد الذي تُجرى فيه صلاة الجماعة وخطبة الجمعة في القاهرة.[36]
بالإضافة إلى تجريد الأزهر من مركزه كمسجد صلاة الجماعة أمر صلاح الدين الأيوبي أيضاً بإزالة شريط فضة أدرجت فيه أسماء الخلفاء الفاطميين عليه من محراب المسجد. كذلك أمر بإزالة شرائط فضية مماثلة من المساجد الأخرى بلغت قيمتها 5000 درهم.[31] لم يتجاهل صلاح الدين الأيوبي تماماً صيانة المسجد ووفقا للمفضل فإن إحدى مآذن المسجد رممت خلال حكم صلاح الدين.[31]
اعتمد الأزهر في نهاية المطاف الإصلاحات التعليمية التي فرضها صلاح الدين وتحسنت حظوظه في عهد المماليك الذين أعادوا رواتب الطلاب ورواتب الشيوخ.[32]
أعيد إقامة الصلاة في الأزهر أثناء حكم المماليك بأمر من السلطان بيبرس في 1266[40] ومع التوسع السريع في القاهرة والحاجة إلى دور المسجد قام السلطان بيبرس بتجاهل تاريخ الأزهر كمؤسسة لنشر المذهب الشيعي الإسماعيلي وأمر بعودة رواتب الطلاب والمعلمين فضلا عن بداية العمل لإصلاح المسجد الذي أهمل منذ ما يقرب من 100 سنة.[41] ووفقا للمفضل فإن الأمير عز الدين أيدامور الهيلي بنى منزله بجوار المسجد لمراقبة أعمال الإصلاح. وقد ذكر تقي الدين المقريزي أن الأمير أصلح الجدران والسقف ووفَّر الحصير الجديد. وألقيت الخطبة الأولى منذ عهد الخليفة الفاطمي الحاكم في 16 كانون الثاني/يناير 1266 وقد ألقيت الخطبة على منبر جديد انتهى تجهيزه قبل الخطبة بخمسة أيام.[42]
03c5feb9e7