الفصلُ الثالث مِن كتاب
حِكَايَةُ مُؤْمِن
مِنْ فِرَاشِ الْمَوْت .. إِلَى رِيَاضِ الْجَنَّة
الْفَصْلُ الثَّالِث:
أَهْوَالُ الْقِيَامَةِ وَالْحِسَاب
كَتَبَهُ الشَّيْخ : زُهَيْر بْنُ حَسَن حُمَيْدَات
فِي ذَلِكَ الْعَالَمِ الْبَرْزَخِيِّ الْهَادِئ..
حَيْثُ كُنْتُ أَنْعَمُ بِجِوَارِ عَمَلِيَ الصَّالِحِ الْمُؤْنِس..
وَقَدْ فُرِشَ لِي مِنْ حَرِيرِ الْجَنَّةِ الْأَخْضَرَ مَا يَلِيقُ بِأَهْلِ الْكَرَامَة..
وَفُتِحَتْ لِي طَاقَةٌ مِنْ رِيَاضِهَا يَأْتِينِي مِنْهَا الرَّوْحُ وَالرَّيْحَانُ وَشَذَى الْمِسْك..
بَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ مُسْتَبْشِرٌ بِنَعِيمِ اللَّه..
بَدَأَتْ لَحَظَاتُ السُّكُونِ الْمُرِيبِ الَّذِي يَسْبِقُ الْعَاصِفَة..
لَمْ يَكُنْ سُكُونًا مُعْتَادًا كَمَا عَهِدْتُهُ فِي لَيَالِي الْبَرْزَخِ الطَّوِيلَة..
بَلْ كَانَ ثِقَلًا غَرِيبًا جَثَمَ عَلَى أَنْفَاسِ الْوُجُودِ كُلِّه..
وَكَأَنَّ ذَرَّاتِ الْكَوْنِ قَدْ تَوَقَّفَتْ عَنِ التَّسْبِيحِ فِجْأَةً مِنَ الْهَوْل..
انْتِظَارًا لِحَدَثٍ جَلَلٍ لَمْ تَرَ الْخَلِيقَةُ مِثْلَهُ مُنْذُ بَدْءِ الزَّمَان..
فَجْأَةً.. وَدُونَ سَابِقِ إِنْذَار..
انْقَطَعَ نَسِيمُ الْجَنَّةِ الْعَلِيلُ الَّذِي كَانَ يُلَاعِبُ وَجْهِي..
وَأُغْلِقَتِ النَّافِذَةُ الَّتِي كَانَتْ تُطِلُّ عَلَى مَقْعَدِي فِي الْخُلْد..
وَحَلَّ مَحَلَّ الْأُنْسِ وَحْشَةٌ قَاتِلَة، وَمَحَلَّ النُّورِ كُسُوفٌ وَظُلْمَة..
ارْتَعَبْتُ وَنَظَرْتُ إِلَى رَفِيقِي وَأَنِيسِي.. عَمَلِيَ الصَّالِح..
فَوَجَدْتُهُ قَدْ أَطْرَقَ رَأْسَهُ خُشُوعًا وَارْتِعَادًا..
وَتَغَيَّرَتْ مَلَامِحُهُ الْمُسْتَبْشِرَةُ إِلَى مَلَامِحِ الْجِدِّ وَالْوَجَلِ وَالْفَزَع..
سَأَلْتُهُ بِعَيْنَيْنِ مَلْؤُهُمَا الْحَيْرَةُ وَالرَّجْفَة:
مَاذَا يَجْرِي يَا صَاحِبِي؟
فَأَجَابَنِي بِصَوْتٍ يَرْتَجِفُ هَيْبَةً لَا خَوْفًا..
صَوْتَ مَنْ يَعْلَمُ الْحَقِيقَةَ وَيَنْتَظِرُ الْوَعْد:
يَا عَبْدَ اللَّهِ اسْتَعِدّ..
وَتَمَسَّكْ بِرَحْمَةِ رَبِّك..
لَقَدْ بَدَأَ الْأَمْر..
لَقَدْ حَانَ الْمَوْعِد..
لَقَدْ أَذِنَ الْجَبَّارُ جَلَّ جَلَالُهُ بِخَرَابِ الدُّنْيَا..
لَقَدْ قَامَتِ السَّاعَة..