كتاب الشعر والشعراء هو من أهم كتب التراث الشعري الذي قد تم تأليفها في العصر العباسي. فهذا الكتاب كان عبارة عن ترجمة لكافة الشعراء المشهورين في الفترة التي تبدأ من العصر الجاهلي لحين العصر العباسي. ومن أهم ما تميز به الكتاب هو المقدمة النقدية المهمة التي تناول فيها ابن قتيبة القضايا النقدية المتعددة والكتاب مكون من قسيمين وهما كلاً من:
القسم الأول وهو عبارة عن مقدمة كبيرة للغاية ومهمة ولديها قيمة أدبية كبيرة للغاية بالإضافة لقيمتها النقدية. ففيها تم ذكر كافة أقسام الشعر مع لغته وألفاظه وعيوبه ومرادفاته بالإضافة لتقديم مختلف الآراء النقدية المهمة. وفي نهاية المقدمة تحدث عن أهم الأوائل في مجال الشعر.
القسم الثاني وهو خاص بتراجم الشعراء وقد بدأه بترجمة أمرئ القيس وانتهى بترجمة أشجع السلمي.وذكر أيضاً عدد من الشعراء الذي قد تم ترجمة لهم تقريباً مائتين وستة شعراء.ومن ينظر في كتاب الشعر والشعراء سيلاحظ أنه الكتاب يقتصر على تراجم شعراء العصر الذي هو فيه فقط.بل احتوى أيضاً على كلاً من الشعراء الجاهليين والإسلاميين والأمويين أيضاً.
آداب الظرفاء
وضع الوشّاء في كتابه أبوابا لوصف زي الظرفاء في المسرّات ولباس الظريفات من النساء و"زيهم في الشراب الذي يتخيره ذوو الألباب" والأشياء التي يتطير الظرفاء من إهدائها ويرغبون عنها لشناعة أسمائها وما قيل في صفة الورد ومحلّه في قلوب ذوي الوجد وذكر التفاح وما كره الأدباء من أكله وصفة التظرّف ومباينة الظرفاء لذوي التكلف.
ومن بين التقاليد والممارسات المثيرة للاهتمام لدى الظرفاء نقش الأبيات الشعرية على مجموعة متنوعة من الأمتعة منها الملابس والخواتم والآلات الموسيقية وأوعية النبيذ وغيرها وفي هذه الممارسات لم تتم تلاوة الشعر بالإلقاء الصوتي المعتاد وإنما بالعرض المادي المنقوش على المواد المختلفة أو حتى الأجساد.
ودارت القيم الاجتماعية للظرفاء حول محور معنوي وآخر مادي يشمل حسن الهيئة والاهتمام بالمأكل والملبس والسلوك واشترط الوشاء أن تكتسب هذه الصفات بطريق التمثل الثقافي بلا تكلف أو تصنع مع معرفة بأصول الظرف ومعارفه ومنها المروءة والحب.
واعتبر الظرف مثالا على الازدهار الفكري الذي وسم العصر العباسي وبغداد ودليلا على التعقيد الذي أصاب الحياة العامة بعد انتشار النمط المديني في المجتمع الإسلامي بحسب محقق كتاب الوشّاء.
وعلى الرغم من أن البلاط العباسي بدا وكأنه مقر الظرفاء فإن "آداب الظرف" لم تكن تُمارس فيه فقط بل أصبحت نموذجا يرغب العديد من الناس في الاقتداء به ولا سيما الشباب حيث روي عن محمد بن سيرين قوله "الظرف مشتق من الفطنة".
وانتشرت تقاليد الظرفاء في أنحاء العالم الإسلامي من وسط آسيا إلى الأندلس تأثرا بالثقافة العباسية السائدة واعتبرت البلاغة والبراعة أساسا لسلوك الظرف الذي ارتبط طويلا بالخطابة والحوار فيما عرف الظرفاء ببراعتهم في التعبير عن النفس شعرا وبسرعة البديهة.
نقوش العشاق
عرف الظرفاء نقش الأبيات الشعرية على أكمام ملابسهم أو جوانبها والأحذية والفواكه مثل التفاح والبطيخ والأكواب والآلات الموسيقية والأبواب والشرفات والجدران والوجوه والخدود والجباه وحتى الأقدام بحسب العديد من الأمثلة التي نقلها الوشّاء في كتابه.
وتتناول العديد من القصائد موضوع الحب العفيف الذي كان من تقاليد الظرفاء إذ يصوّر الشاعر نفسه في حالة من الضعف والهشاشة المرتبطة بتجاهل المحبوب ويقضي أيامه مهموما متمنيا الوحدة والنسيان دون فائدة.
وتناول الوشّاء في موضع آخر من الكتاب قصة أبيات نقشت على منديل معطر بالمسك أرسلته "ظريفة" إلى حبيبها وكتبت عليه:
أبواب
اعتبر كلا المنديلين وسيلة تواصل بين الظرفاء العشّاق واكتسب شخصية بحمله الرسالة فهو يذكر بالحبيب ويلامس المحبوب ويحمل دموع المحب المعذب بلطف وخفة و"ظرف".
وخصص الوشّاء أبوابا لما "اختير من ألفاظ الأدباء في المكاتبات وما استحسن من الظرفاء من مليح المعاتبات" وما كتبوه على العنوانات وسلكوا به سبيل المداعبات وما ينقشه أهل الهوى وما وجد على التفاح من الألفاظ الملاح إضافة إلى أبواب حول مودة الصديق وشرائع المروءة وفضل الصدق وقبح خلف المواعيد وإفشاء السر وقواعد التعطر والتطيب والطعام.
واعتبرت تقاليد نقش الشعر على المحامل المادية كما عرفها الظرفاء في بغداد في القرنين التاسع والعاشر الميلاديين تجربة شعرية فريدة من نوعها تختلف عن الإلقاء الشعري التقليدي والقراءة أو التلاوة الصامتة وتتفاعل مع ما كتبت عليه وتكتسب منه السياق وحفظت بفضل بقائها على محامل مادية خلافا للمعتاد من تداول الشعر بطريق الإلقاء الشفهي.
كان في مقدمة ماتطلع إليه بنو العباس التمركز في حاضرة جديدة بعيداً عن دمشق موطن الأمويين وفي منأى عن الكوفة معقل الشيعة وقد آثر الخليفة الثاني أبو جعفر المنصور لذلك موقع قرية على دجلة تدعى بغداد على مقربة من مدينة بابل القديمة واتخذها عاصمة لملكه وأطلق عليها لقب دار السلام مقتبساً ذلك من القرآن الكريم. وانصرف المنصور إلى إعمار حاضرته على خير وجه فابتنى فيها القلاع والجسور وأقام حولها الأرباض والسدود ونشر في ربوعها الشوارع والأسواق. ثم ما لبثت المدينة أن عمِّرت بمئات المساجد والمكتبات والأسواق والمنتزهات فأمها العلماء والأدباء والمهندسون والصناع. ثم تعاظم شأن بغداد حتى بلغت في القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي أوج ازدهارها وغدت أهم مركز حضاري في العالم وأصبحت مقصد الحركة الفكرية والعلمية والأدبية بلا منازع.
وقد ظلت في البادية حتى ضحى هذا العهد ترفد المدن والحواضر بمواد اللغة والأخبار والخطب والأشعار بوصفها موطن الأصالة ومنبع الإبداع. ثم أخذ الرواة واللغويون ينتشرون في حواضر العراق ويتجمعون في مدنها حتى اكتظت بهم الكوفة والبصرة فضلاً عن بغداد. وفي هذه المراكز العلمية والأوساط الأدبية قامت حركة تدوين رائدة لم يكن لمثلها نظير. فنشط الرواة وكثر المؤلفون وراجت سوق الوراقين. وقد واكب ذلك على صعيد الأدب نبوغ عدد من الشعراء والكتَّاب الذين احتضنتهم هذه المدن واتسم نتاجهم المنظوم والمنثور بكثير من ملامح الجدة والطرافة.
وما من ريب في أن الاستقرار السياسي ولاسيما بعد انقضاء طور الفتوحات والقضاء على الفتن قد ساعد على الالتفات إلى شؤون الأدب والعلم وقضايا الفلسفة والفكر وجعل الظروف ملائمة لتدفق العطاء وتفجر الإبداع. وكان من المعهود أن يولي الخلفاء كل ذلك اهتمامهم ويحرصوا على تشجيع ذوي المواهب يعينهم على ذلك ثراء كبير تجمع في خزائنهم من موارد البلاد الواسعة. بل إن من الخلفاء أنفسهم من كان معروفاً بميله إلى الأدب وحبه للعلم مثل المهدي والرشيد والأمين والمأمون والمعتصم والمتوكل. كذلك سار أمراء بني العباس وولاتهم ووزراؤهم على غرار خلفائهم فكان لكل منهم بلاط يقارب بلاط الخليفة أو يضارعه من مثل ما كان لآل برمك وطاهر بن الحسين وعبد الله بن طاهر ثم الصاحب بن عبّاد وابن العميد وعضد الدولة والمهلبي وسيف الدولة الحمداني.
03c5feb9e7