03/09/04 GMT 18:57
النائب انطوان غانم:مشروع القانون المعروض على المناقشة مخالف للدستور
وطنيةـ3/9/2004(سياسة)وقال النائب انطان غانم
زملائي النواب،
نجتمع اليوم تحت قبة مجلسكم لمناقشة مشروع قانون دستوري يرمي الى تمديد
ولاية فخامة رئيس الجمهورية العماد العماد اميل لحود ثلاث سنوات على
السنوات الست التي قضاها في سدة الرئاسة والتي تنتهي في الثالث والعشرين من
تشرين المقبل.
ان مشروع القانون الدستوري هذا هو الاغرب في تاريخنا الحديث، وقد يكون
الاغرب في تاريخ الدول الديمقراطية المعاصرة وقد نجد من يقترح ادخاله في
موسوعة "غينيس"، لانه ابن ليل دامس، يفتقر الى صفتي الديمومة والشمولية،
ثقيل الوطأة، سريع الخطى، ناقص الحجة والقناعة والاقناع في اسبابه الموجبة،
ومجهول الأب والأم والقابلة، وغير معروف تاريخ بدء الحبل به، ولان ولادته
لم تستغرق سوى ثلاث دقائق، اي اقل ما تستغرقه ولادة محضر ناطور في غابة
نائية عن العمران، ولان من شأنه ان يزلزل استقرارنا التشريعي اذا مكناه منا
بهذه الخفة، واعطيناه بالاقتراع عليه صفة قانونية يفتقر اصلا الى شرعية
الناس، ورغم ذلك كله، فنحن لم نفقد الامل بعد، ونحمد الله بكرة ومساء وعند
الفجر واناء الليل، ونرتل مسبحين شاكرين مثنى وثلاثا ورباعا.
فنحن نشكر الله اولا، لاننا اخترنا الديموقراطية التوافقية نظاما لحياتنا،
فلا الاكثرية تبقى اكثرية لتطغى وتسحق، ولا الاقلية تبقى اقلية لتستضعف
وتهمش، وقد تتبدل الحال بين لحظة واختها، فتنتقل الاكثرية او بعضها الى
صفوف الاقلية، اما بالمنطق،او التوافق او التضامن لمواجهة غدرات الزمان
واما بزوال الخوف والتهديد والترهيب والترغيب، وما اكثرها في هذه الايام
واما تشبها بالكبار من بلادي صانعي الاستقلال من بابه الواسع.
ونشكر الله ثانيا، لاننا حددنا ثوابتنا الوطنية والمسلمات ذات الصلة،
وقلنا لا للتوطين ولا للتجزئة ولا للتقسيم، ولأنا حددنا خياراتنا القومية
والعربية، او كما يحلو للبعض ان يسميها بخياراتنا الاستراتيجية، وادخلنا
هذه وتلك في دستورنا وتقاليدنا، فعرفنا من هو الشقيق والصديق، فقطعنا
الطريق بذلك على هواة الصيد في الماء العكر ومن استهوتهم "اللوثة العربية
القاتلة" لتصنيف الناس وتخوينهم وتوزيع الشهادات الوطنية يمنة ويسرى بناء
للطلب والتحريك وفق المزاج والمصالح والقرب والقربى، اما من دمشق الاقرب
الينا واما من القاهرة الاكبر في عواصمنا واما من الرياض الاغنى في عالمنا
واما من فرنسا امنا الحنون واما من موسكو الاتحاد السوفياتي وروسيا واما من
بكين ماوتسي تونغ واما من هافانا فيدل كاسترو واما من بوليفيا تشي غيفارا.
ونشكر الله ثالثا، لان حريتنا وكرامتنا منيعة الجانب بحيث كانت ولا زالت
مضرب المثل في الاقطار والمحيط، ومكنتنا، هذه وتلك، بالتالي من ثلاث
منفردات وهي:
- اغناء العالم وتعويمه عبر الانتشار بالانتاج الفكري.
- الانتصار الباهر على الغطرسة الاسرائيلية وتفوقها النوعي العسكري.
- تحويل لبنان الى عنترة العرب.
ان من يدرس تاريخ "عنترة العرب" يعرف تماما: انه مر في مرحلتين: مرحلة
العبد ابن زبيبة، حيث كان لا يحسن كرا ولا فرا، حتى لو اغارت اضعف القبائل
على قبيلة بني عبس بحضوره وامام ناظره وخاطره. ومرحلة الحر ابن شداد الامير
العربي، المجرب حيث صار بطل الابطال وقاهر الاعداء ورمزا لكل ثائر على
الظلم والقهر والاذلال منذ اللحظة التي سمع فيه اباه يقول: "كر يا عنترة
وانت حر".
ونشكر الله رابعا واخيرا، لان زمن الانتداب الفرنسي قد ولى ولاننا لم نكن
نوابا في العام 1926 ولم نسمع الشاعر القروي رشيد الخوري يقول:
في كل كرسي تسند نائب
متكتف اعمى اصم اخرس
جاد المفوض بالعليق فحمحموا
واثنى عليهم بالشكيم فأسلسوا
ولو كنا موجودين لما سنحنا له ان يقول بحقنا ذلك ولأثبتنا له بالحقائق
الناصعة: ان مجلس النواب اللبناني سيد نفسه فعلا وانه الناطق باسم الأمة
جمعاء فعلا وانه حريص على مبدأ، كفله الدستور، وهو ان لا سلطة لأية شرعية
تناقض العيش المشترك. وانه لا يتوخى في تشريعاته اية مصلحة تتقدم على مصلحة
لبنان وشعبه فعلا.
فبأسم هذه القيم مجتمعة انظر الى مشروع القانون الدستوري المعروض للمناقشة
فأجده مخالفا للدستور ولروح الدستور تحديدا لسببين:
اولا: لانه لا يخدم مصالحنا الوطنية اذ رشق مشروع القانون هذا نظامنا
الديموقراطي "بالاسيد" وحولنا بالطريقة والاخراج المذلين الذي انزل به
علينا من الخارج والداخل الى امة وشعب مسلوب الارادة والجانب، خانع منقاد
طيع ومطواع لا حول له ولا قوة في توليد قياداته السياسية ومؤسساته
الدستورية على مختلف الصعد والمندرجات.
ولانه قضى على الخيارات المفتوحة المؤملة وعطل مبدأ تداول السلطة بتعطيله
فكرة الانتخاب احدى سمات الديموقراطية، وعطل مبدأ عدم رجعية القوانين بسد
الطريق امام المرشحين المحتملين من زملاء كرام واخرين وجعلنا اقل تقدما
وامانة للدستور من ايام المغفور له شارل دباس اذ رفض ذلك الرئيس العظيم في
العام 1932 ان يستفيد شخصيا من التعديل الذي وقع ورفع مدة الرئاسة الى ست
سنوات بدلا من ثلاث سنوات.
وحرص على أن يضيف فقرة خالدة في تاريخنا الدستوري هي:"لا يتسفيد رئيس
الجمهورية الحالي من أحكام هذه المادة التي جعلت مدة الرئاسة ست سنوات بدلا
من ثلاث سنوات".
ثانيا: ولأنه لا يخدم ولا يحصن ويمنع خياراتنا القومية إذ أوجد شرخا
عاموديا بين المواطنين وهدد الى حد كبير وحدتنا الوطنية ولم يجلب لنا إلا
تنديد العالم، وسخرية الأشقاء والأصدقاء وشماتة الأعداء إذ راح الكل
يتهامسون ضاحكين ومرددين: ما بال اللبنانيين، ما بال أبناء الأرز والحرف
والحقوق، وأبناء الامام الاوزاعي والعلايلي وجبران يمزقون دستورهم بأيديهم
وبخفة وعجلة قل نظيرهما ويتنكرون لتاريخهم المجيد مكرهين مهرولين الى محج
"التوتاليتارية" في الوقت الذي يرون فيه كل الناس من ذلك الحج راجعين.
ألا يوجد بينهم رجال يا ترى مثل "بزر جمهر" ليجنبنا التاريخ صرخة خليل
مطران في عليائه في وصف محاكمة ذلك الوزير العظيم "ما كانت الحسناء لترفع
سترها، لو أن في هذي الجموع رجالا".
دولة الرئيس،
أيها الزملاء،
إن حرصي على حرمة دستور بلادي يوازيه حرصي على نصرة أشقائي العرب وفي
مقدمتهم سوريا إلا أن هذا لا يمنعني أن أحرص، بالوقت عينه، وفي المقدمة على
مناعة التشريع في وطني وعلى عزة بلادي وكرامتها وسؤددها، مما يحملني حملا
وطوعا ومطواعا على الاقتراع بغضب ضد مشروع القانون الدستوري المطروح على
مجلسكم الموقر.