دمشق - ولد نزار قباني في مدينة دمشق عام 1923 وخلال خمسة وسبعين عاما من عمره الشخصي والإبداعي رسم موهبة شعرية توهجت بطموحات واسعة في التجديد الشعري استطاع بها احتلال مكانة كبرى في تاريخ الشعر العربي الحديث وحمل خلالها العديد من الألقاب الشعرية.
نزار قباني طبع الشعر العربي بتجربته التي حملت منعطفات حادة وصدامات عنيفة مع المشهد الثقافي والأدبي السوري والعربي عموما. تميزت قصائده بالتجديد وقدمت نبرة شعرية متفردة وهو أكثر الشعراء العرب وجودا في ساحة الغناء العربي. أول الأغاني التي قدمت له كانت للملحن والمغني المصري أحمد عبدالقادر الذي غنى له قصيدة من ديوان "أنت لي" في إذاعة دمشق عام 1953 حملت عنوان "كيف كان". ثم تتالت القصائد وكانت أشهرها "أيظن" مع نجاة الصغيرة التي قدمت عام 1960 ولاقت نجاحا كبيرا.
عبر سنوات طوال قدمت قصائده في العشرات من الأعمال وبعض قصائده لحن أكثر من مرة مثل قصيدته الشهيرة "إني خيرتك فاختاري" التي قدمها الفنان السعودي طلال المداح والعراقي كاظم الساهر والسوري عبدالرزاق محمد. وغنت من أشعاره قامات غنائية عربية كبرى منها أم كلثوم وفيروز وعبدالحليم حافظ وماجدة الرومي وفايزة أحمد وكاظم الساهر وأصالة نصري وخالد الشيخ وغيرهم. كما تعامل مع شعره ملحنون كبار مثل محمد عبدالوهاب ورياض السنباطي والأخوين رحباني ومحمد سلطان ونجيب السراج وحلمي بكر وطلال المداح وغيرهم.
في ذكرى مرور المئوية الأولى على ولادته قدمت الفرقة السورية للموسيقى الشرقية حفلا غنائيا لمجموعة من القصائد النزارية التي تعامل معها مجموعة من المبدعين العرب بقيادة المايسترو عدنان فتح الله ومشاركة غنائية لكل من ديانا سعيد ورماح شلغين وسليفي سليمان وليندا بيطار وخلدون حناوي.
بدأ الحفل بتقديم أغنية "أيظن" التي لحنها الموسيقار محمد عبدالوهاب للمطربة نجاة الصغيرة عام 1960. وهي قصيدة فيها حالة درامية متصاعدة تبدأ من صراع عاشقة عاد إليها حبيبها تروي تفاصيل ما يكون في داخلها من صراع بين الرغبة بالرجوع إليه أو الابتعاد عنه. قدمتها نجاة الصغيرة وحققت بها شهرة واسعة جعلت التجربة تتكرر مع قصائد أخرى للقباني منها "ماذا أقول له" و"أسألك الرحيل". قدمت الأغنية في الحفل المغنية الشابة ديانا السعيد في حضور متزن وهادئ. المغنية الشابة لم تخرج عن عباءة أداء نجاة الصغيرة فقدمتها بحالتها الطربية الكلاسيكية.
أما الأغنية الثانية فكانت من الزمن الأحدث نسبيا حيث قدم فيها رماح شلغين أغنية "مدرسة الحب" وهي القصيدة التي لحنها وغناها الفنان العراقي الشهير كاظم الساهر ورسم من خلالها وجودا خاصا جديدا في تلحين القصيدة الشعرية العربية من حيث خروجه على قالب الطقطوقة وشغله إياها بقالب موسيقي أوجد فيه صيغا موسيقية متعددة لكل مقطع شعري ما يناسبه كما أدخل آلات نفخية غربية في المقدمة الموسيقية. نجح شلغين في تقديم الأغنية وكان متفاعلا مع الفرقة الموسيقية وواثقا من تقديمه إياها بنجاح.
الأغنية الثالثة كانت وطنية وهي "أصبح عندي الآن بندقية" التي كتبها قباني عندما ولدت المقاومة الفدائية العربية الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي ولحنها الموسيقار محمد عبدالوهاب وغنتها السيدة أم كلثوم ثم غناها بصوته. قدمت الأغنية سليفي سليمان بوعي كامل لطبيعتها وحساسية مكانتها فكانت صاحبة حضور جليل اتضح فيه تناغم أداء الفرقة مع المغنية سليمان وحققا معا حضورا قويا خاصة في المقطع الأخير الذي يتداخل فيه صوت الموسيقى والكورال والمغنية ليقول "طريقنا إلى فلسطين طريق واحد يمر من فوهة بندقية".
وتحتل قصيدة "قارئة الفنجان" مكانة خاصة في تاريخ الفن العربي عموما كونها آخر ما قدمه الفنان الكبير عبدالحليم حافظ قبل رحيله وكذلك لغرابة فكرة القصيدة التي برع نزار قباني في تقديمها وهو يتحدث عن قراءات في مصير عاشق تحكي عنها بصارة في فنجان. لحن القصيدة الموسيقار محمد الموجي في ثاني تعاون له مع نزار قباني وعبدالحليم حافظ إذ سبقتها قصيدة "إني أتنفس تحت الماء" وحقق بها لحنا متميزا ما زال يتوهج رغم مرور زمن طويل على تقديمه. قدم الأغنية في الحفل خلدون حناوي الذي لم ينغلق على محاكاة أداء الراحل عبدالحليم حافظ بل قدم شيئا من تكوينه فمعروف أن عبدالحليم مال في تقديم الأغنية إلى الأسلوب المساير لحالة الحزن والخوف الذي يتولد في قلب البصارة على مصير ذلك العاشق فكان صوته كسيرا شجنا في المقاطع التي تتحدث عن نهايته المأساوية والتي تقول:
حناوي لم يذهب في تقديم حالة الحزن الكامنة في مضمون الشعر بل قدم حالة طربية خالصة تميزت أحيانا بقوة الصوت والتزيينات التي خرجت عما قدمه عبدالحليم. فصنع حالة فنية خطرة لكنها لاقت استحسان الجمهور.
"قيثارة الشرق وصاحبة السكون الصاخب في صوتها حنان الأرض" هكذا وصف الموسيقار محمد عبد الوهاب موهبة المطربة الكبيرة نجاة الصغيرة والتي تفردت بصوت ملائكي لا يشبه أحدًا ونعومة وعذوبة صوت تأسر المسامع فثمة خيوط حريرية ربطتها بالمستمع.
منذ 85 عامًا ولدت نجاة محمد كمال حسني البابا في مثل هذا اليوم 11 أغسطس عام 1938 وقد ورثت الموهبة عن والدها الدمشقي الذي كان يعمل خطاطًا وساهم في تنميتها وتدريبها وساعدها على الغناء لأم كلثوم إذ كان يطمح أن تكون خليفتها فحفظت أغانيها وقلدتها إلا أن نجاة تمردت على ذلك رغبة منها في تكوين شخصية غنائية مستقلة لتمر السنين وتصبح لها بصمة وأداء متفردًا لا يشبه أحدًا.
"أعيش داخل لؤلؤة الفن فأنا أحب الناس ولكني خجولة جدًا وتسيطر الحساسية على شخصيتي ولذلك لا أحب الظهور كثيرًا فأنا لا أجيد الحديث بقدر ما أجيد الغناء" هكذا بررت نجاة الصغيرة غيابها الدائم عن التواصل مع الجمهور ولكنها تتخلى عن عباءة الخجل مع صعودها على خشبة المسرح فتحتضن الجمهور بصوتها الدافئ وتشكّل معه مزيجًا من المحبة الصادقة فتقول عن ذلك: "رغم خجلي الشديد ولكني عندما أقف على خشبة المسرح أتحول لشخص آخر فالمسرح هو العشق" ولذلك وصفها كمال الطويل بأنها أفضل أداءً على مستوى العالم العربي.
" أنا لم أصنع نفسي ولكن عشرتي مع الفنانين الكبار أمثال عبد الوهاب وأم كلثوم ساهمت في تشكيل وتكوين شخصيتي وتقييم الكلمة واللحن" جملة سرت على لسان قيثارة الطرب التي لم تنس دعم محمد عبد الوهاب لمشوارها إذ وصفته بأنه كان أكبر داعم لها وساهم في بنائها قائلة: "أكبر حصيلة أخذتها منه وهو ليس أستاذا في التلحين فقط ولكن كنت آخذ منه استشارة قانونية وطبية فهو موسوعة كبيرة والموهوب من استفاد منه ولذلك كنت مثل الإسفنجة اكتسبت منه الكثير".
كانت موهبة نجاة حديث المثقفين والشعراء والمفكرين على مستوى الوطن العربي والتي يعتبرها البعض بأنها تفوقت على شهرة أم كلثوم وأدارت موهبتها بذكاء وأحاطت نفسها بأفضل الملحنين والشعراء مثل بليغ حمدي ومحمد الموجي وكمال الطويل وسيد مكاوي عبد الرحمن الأبنودي ونزار القباني ولذلك حصدت الكثير من الجوائز والأوسمة منها وسام من الرئيس جمال عبد الناصر وأيضًا 3 أوسمة من رؤساء دولة تونس وأيضًا وسام الاستقلال من ملك دولة الأردن وغيرها الكثير من الجوائز.
03c5feb9e7