غنائم الكفار وأثرها على الرماةفي هروب المشركين إلى مكة ألقوا وراءهم كل شيء فألقوا الأمتعة والأثقال والأحمال ألقى المشركون الدنيا ليتخففوا ويستطيعوا الهرب والرماة من فوق الجبل رأوا الدنيا التي ألقاها المشركون خلفهم.
وقد أَعْمت هذه الغنيمة أبصارهم عن تذكر ما قاله النبي r لكن عبد الله بن جبير القائد ذكرهم بما قاله النبي r وقال: "أَنَسيتم ما أمركم به رسول الله r!" فقالوا: "الغنيمة الغنيمة"[1].
فكانت مخالفة متعمدة لكلام النبي r وللقائد المباشر وتخلى أربعون رجلاً من الرماة عن مواقعهم بنسبة ثمانين في المائة ونزل الرماة ليجمعوا الغنيمة مع المسلمين.
ولفت هذا الموقف نظر القائد العسكري خالد بن الوليد وقد حاول أن يخترق خالد جيش المسلمين من هذه الثغرة أكثر من مرة ولكنه فشل في ذلك عندما التزم المسلمون بكلام النبي r ولما خالف الرماة ورأى خالد تكالب المسلمين على الغنيمة وتَرْكهم الجبل التفَّ هو بجيش المشركين حول الجبل ليخترق صفوف الجيش المسلم من خلفه وحاول عبد الله بن جبير ومن تبقى معه من الرماة أن يبعدوا خالد بن الوليد ومن معه من الدخول خلف الجيش الإسلامي لكنه فشل في ذلك وخرج إليهم عبد الله بن جبير وحاول قتالهم لكن صعد إليه على الجبل مجموعةٌ من الكافرين وأبادوهم واستشهد عبد الله بن جبير ومن تبقى معه من المسلمين.
والتف خالد بن الوليد حول الجيش الإسلامي وصاح صيحة أدرك منها المشركون الهاربون أن خالدًا التف حول الجيش الإسلامي فعادوا للقتال وحوصر المسلمون بين خالد بن الوليد من خلف الجيش والمشركين من أمام الجيش ووُضِع المسلمون كما يقولون بين فكي كماشة وأسرعت امرأة من المشركين واسمها عمرة بنت علقمة ورفعت اللواء الساقط على الأرض من أول المعركة واهتاج المشركون وتحمسوا للقتال حماسًا كبيرًا وهم يحملون بين نفوسهم ذكريات بدر وذكريات الهزيمة في بداية معركة أُحُد وبدءوا بالضغط على المسلمين.
وكان r ينظم الصفوف في مؤخرة الجيش لما التف خالد بن الوليد حول الجيش المسلم فكانت أول فرقة قابلها خالد الفرقة التي فيها النبي r. ولم يكن أمام النبي r إلا اختياران:
الاختيار الثاني: أن ينادي على الجيش ليجتمع من جديد ويبدأ في المحاولة لاستعادة الموقف على أرض أُحُد لكن مناداة النبي r للمسلمين قد تلفت إليه نظر المشركين الذين هم في خلف الجيش الإسلامي ولو سمعوا النبي r لأحاطوا به وقتلوه.
لكن النبي r في شجاعة معهودة منه r اختار الحل الثاني ونادى بأعلى صوته لاستعادة الموقف من جديد فقال: "إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ أَنَا رَسُولُ اللَّهِ".
وبدأ النبي r يرفع صوته ليَسْمع المسلمون وكان المسلمون في حالة اضطراب شديدة والمشركون في حالة نشاط عجيب. وكان الموقف مأساويًّا للغاية وسمع خالد صوت الرسول r فحاصر النبي r وقاتلت الفرقة التي مع النبي r قتالاً شديدًا وبدأ النبي r يشجعهم ويقول: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّةُ" أو: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَهُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّةِ"[2].
فتقدم أحد الأنصار وقاتل قتالاً شديدًا حتى قُتل شهيدًا فتقدم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس ثم السادس حتى وصل الأمر إلى سابعهم وهو عمارة بن يزيد بن السكن فقاتل قتالاً شديدًا عنيفًا حتى أصيب وسقط على الأرض واقترب من النبي r حتى وضع وجهه على قدم النبي r فاستشهد ووجهه ملتصق بقدم الحبيب r وتأثر النبي r بهذا الموقف وقال: "مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا"[3].
فأثار هذا الموقف طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص فقاما فقاتلا قتالاً شديدًا وماذا يفعل طلحة وسعد في مواجهة كتيبة من المشركين وتقدم عتبة بن أبي وقاص -أخو سعد بن أبي وقاص- يقذف بالحجارة وجه رسول الله r فتفجرت الدماء من وجه النبي r وجاء عبد الله بن شهاب الزهري أحد المشركين وشجَّ النبي r شجةً منكرة في رأسه ثم جاء إليه رجل اسمه عبد الله بن قمئة وضرب الرسول r في كتفه ضربة ظل يشتكي منها شهرًا كاملاً ثم ضرب النبي r في وجهه فدخلت حلقتان من المِغْفَر التي كان يلبسها النبي r في وجنته وهو يقول: "خذها وأنا ابن قمئة". فقال له النبي r: "أَقْمَأَكَ اللَّهُ" أي أهلكك الله. وقد وقع هذا الرجل من فوق جبل وقُتل بعد ذلك.
كان موقفًا متأزمًا وكان r يقول: "كَيْفَ يَفْلَحُ قَوْمٌ شَجُّوا رَأْسَ نَبِيِّهِمْ"[4]. فأنزل الله قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ [آل عمران: 128].
في هذا الوقت قام سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله بعمل لا يستطيع أن يقوم به إلا جيش كامل فقد كان النبي r محاصَرًا بفرقة من المشركين ومع ذلك قام سيدنا سعد برمي المشركين بسهامه وكان النبي r معجبًا بأداء سعد فقال له: "ارْمِ سَعْدٌ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي"[5]. وهو الوحيد الذي جمع له النبي r أبويه وكان يفتخر بها بعد ذلك فكان يرمي رميًا عظيمًا في ذلك اليوم.
وحارب طلحة حربًا ضروسًا في هذا اليوم قاتل من كل مكان حول النبي r حتى وصلت الجروح التي بجسده إلى حوالي تسعة وثلاثين جرحًا ورغم كل هذه الجروح ظل يقاتل t.
وجاء سهم من بعيد كاد يصيب النبي r فوضع يده أمام السهم فوقع السهم في يده وأنقذ الرسول r وشُلِّت يد طلحة من ذلك السهم.
بعد هذا القتال الشرس حول النبي r وصل بعض الصحابة إليه r وكانوا قد رأوه محاصرًا فكان موقفًا صعبًا على النبي r وأول من عاد إلى النبي r سيدنا أبو بكر الصديق t ورأى رجلاً يقاتل حول النبي r فقال الصِّدِّيق: "كن طلحة فداك أبي وأمي". ثم وجده طلحة كما توقع y أجمعين لأنه كان يعلم أن طلحةَ فارسٌ مغوارٌ وهو الذي يستطيع أن يقاتل ذلك القتال.
وبعد أن وصل أبو بكر كان بعده سيدنا عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح ووجد أبو بكر الصديق أن حلقات المِغْفَر في وجه النبي r فذهب لينزعها فقال له أبو عبيدة: "نشدتك بالله يا أبا بكر نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني". وبدأ يجذب أبو عبيدة حلقات المغفر بأسنانه من وجه النبي r بخفة شديدة لئلا يؤذي النبي r وبخروج حلقة المغفر الأولى سقطت سِنٌّ من أسنان أبي عبيدة بن الجراح وتوجه أبو بكر إلى النبي r لينزع الحلقة الأخرى فقال له أبو عبيدة: "نشدتك بالله يا أبا بكر إلا تركتني". ولما جذب أبو عبيدة الحلقة الثانية سقطت سنٌّ أخرى من أسنانه[6] t وعن الصحابة أجمعين.
ولما رأى النبي r طلحة يقاتل رغم كثرة الجراح التي ألمت به قال r: "دُونَكُمْ أَخَاكُمْ فَقَدْ أَوْجَبَ"[7]. وسقط سيدنا طلحة t من الإصابات الكثيرة التي ألمت به.
وبدأ الصحابة في الدفاع عن النبي r وجاءت مجموعة أخرى من الصحابة جاء أبو دجانة ومالك بن سنان -وهو والد أبو سعيد الخدري t- وحاطب بن أبي بلتعة وجاءت أم عمارة إحدى النساء تقاتل حول الرسول r وكان أبو طلحة الأنصاري يضع نفسه أمام الرسول r ليحميه من سهام المشركين وكان الرسول r إذا أراد أن يرمي بسهم أشرف فوق رأس أبي طلحة فكان يقول له: "بأبي أنت وأمي لا تشرف يا رسول الله فيصيبك سهمٌ من سهام القوم نَحْرِي دون نَحْرِك"[8].
03c5feb9e7