التربية العلمية والتربية التقنية:
تشكل التربية العلمية والتربية التقنية الأساس الذي تعتمد عليه عمليات
إصلاح تعليم العلوم في القرن الحالي، ومن ثم تعتبر القاعدة التي سيتم
الانطلاق منها لتحقيق الهدف المتمثل في تحقيق التنور العلمي والتقني
للمتعلمين.
وقد برز الاهتمام بالتربية العلمية، والتربية التقنية، كمجالات جديدة،
أخذت تفرض نفسها في ميادين التعلم والتعليم عمومًا، وميدان تدريس العلوم
على وجه التحديد. ولم تلق هذه المجالات في تاريخ البشرية اهتمامًا قدر ما
تلاقيه في الوقت الراهن سواء في المجتمعات المتقدمة، أو المجتمعات
النامية، يتمثل ذلك في محاولة التربية، والقائمين عليها في كل تلك
المجتمعات، مواكبة التغيرات والتطورات العلمية والتقنية المتلاحقة، بغية
إيجاد الفرد المتنور علميًا وتقنيًا، وهو الأمر الذي يعد غاية أهداف
التربية العلمية، والتربية التقنية وهو في ذات الوقت الهدف الرئيسي
لتعليم العلوم الذي تسعى جميع النظم التعليمية إلى تحقيقه اليوم.
والتربية العلمية (Scientific Education) كفلسفة تربوية برزت في النصف
الثاني من القرن الماضي، كاتجاه جديد لإصلاح تعليم العلوم في الولايات
المتحدة الأمريكية، وهي في حقيقتها أسمى غايات تعليم العلوم، فهي ليست
مفهومًا اصطلاحيًا يمكن الاتفاق عليه بصورة علمية أو إجرائية، بل هي غاية
تتحقق من خلال عمليات تعليم وتعلم العلوم، ويتضح مفهومها بحسب فلسفة
المنُظ�'ر وما ينبغي أن يتحقق من خلالها. ولذلك تعددت التعريفات التي
وضعت للتربية العلمية، فقد عرفت بأنها «فرع من المعرفة يهتم بدراسة
التفاعل بين العلم والمجتمع».
وعُرفت بأنها العملية التي تهدف إلى تربية الفرد علميًا، من خلال
الاهتمام بفهم طبيعة العلم وسماته، وبحيث تكون لدى الفرد القدرة على
توظيف المعلومات التي اكتسبها بما يعود عليه وعلى مجتمعه بالنفع، كما
يتكون لديه تجاه إيجابي نحو أهمية كل من العلم والتقنية، والتعرف على
العلاقة المتبادلة بين العلم والمجتمع والعلم والتقنية، كما تتكون لديه
القدرة على استخدام عمليات العلم واتباع الأسلوب العلمي في التفكير لحل
القضايا والمشكلات التي تواجهه وتواجه المجتمع الذي يعيش فيه.
و عرفها آخرون بأنها العملية التي تستهدف تزويد الفرد بمجموعة من الخبرات
العلمية (معارف، مهارات، اتجاهات) اللازمة لأن يكون مثقفًا علميًا،
مهتمًا بتفهم طبيعة العلم، وتطبيق المعرفة العلمية المتصلة بالمواقف
الحياتية اليومية، وإدراك العلاقة المتبادلة بين العلم والتقنية
والمجتمع، والإفادة من عمليات الاستقصاء العلمي، والإلمام بالقيم
والاتجاهات والاهتمامات المرتبطة بالعلم.
وعلى الجانب الآخر تعرف التربية التقنية (Technology Education) والتي
تعد الوجه الآخر للعملة التي تضم أيضًا التربية العلمية على اعتبار أن
كلاهما يكمل الآخرـ بأنها عملية هادفة ومنظمة يتم من خلالها تزويد الفرد
(المواطن العادي) بالقدر اللازم من الخبرات التقنية «معارف، مهارات،
اتجاهات، سلوك، أخلاقيات» التي تعمل على تنوير هذا الفرد، وتثقيفه
تقنيًا.
وعلاقة التربية العلمية بالتربية التقنية، علاقة تكاملية بين العلم
والتقنية، حيث إن العلم هو المجال النظري، والتقنية هي المجال التطبيقي،
وهما يسيران في طريق مزدوج للتفاعل ينتج عنه إثراء وتعميق لكل منهما.
فالتربية العلمية والتقنية هي الإطار العام لعملية تهدف إلى تزويد أفراد
المجتمع بحد أدنى من الخبرات العلمية والتقنية، ليكونوا متنورين علميًا
وتقنيًا، حتى إذا استمر تزويدهم بقدر أكبر من تلك الخبرات، صاروا مثقفين
علميًا وتقنيًا. ومعنى ذلك أن التنور العلمي والتقني والثقافة العلمية
والتقنية يمثلان هدفًا لا يتحقق دون التربية العلمية والتقنية المناسبة.
وهناك لبس وقعت فيه الكثير من الأنظمة التعليمية والتربوية، ويتمثل ذلك
في الفصل بين التربية العلمية والتربية التقنية، باعتبار أن مهمة الأولى
هي إعداد الفرد لمرحلة دراسية تلو مرحلة، واقتصار مهمة الثانية على إعداد
الفرد للحياة والعمل، وهذا الفصل غير منطقي وأدى إلى آثار سلبية عانت
منها الكثير من المجتمعات ولازالت، وحقيقة الأمر أن التربية العلمية
والتربية التقنية هما وجهان لعملة واحدة.
منقول...