فقدان عزيز هو من الأحداث شديدة الألم التي قد يختبرها المرءُ في حياته وقد يختبرها أكثر من مرة. يُغادرنا عزيزٌ فيترك في روحنا ندبة كبيرة. فكيف نجتاز فجيعة كهذه
دعنا نخبرك ابتداءً أنه لا إجابة صحيحة بالمُطلق لهذا السؤال. وهنا لا بد أن نُشير إلى اختلاف الحزن عن الاكتئاب إذ يُميّز الباحثون بين أعراض الاكتئاب وأعراض الحزن الناجم عن الفقد أو التعرّض لمصيبة الخسارة والموت ومع هذا يتشارك الحزن والاكتئاب عددا لا بأس به من الخصائص كما يَظهر في الرسم أدناه.
الحزنُ تجربةٌ فريدةٌ من نوعها لا حزن يُشبه الآخر ولا تجربة فقدٍ تُماثل الأخرى. قَضَتْ الباحثة والطبيبة النفسية "إليزابِيث كوبلر-روس" حياتها كلها تُدرِّس وتكتب عن الموت ما قبله وما بعده تأثيره على المُحتضر وعلى من حوله استخلصت من دراساتها نموذجا يُسمى "نموذج كوبلر روس" أو "مراحل الحزن الخمس" سرَدتها تفصيلا فيما يُشبه الدليل لمُسايرة الحياة بعد فقدان شخصٍ نُحبه بصحبة الطبيب النفسي "ديفيد كيسلر" الذي حذا حذوها في تخصصه.
يرسمان في كتابهما "On Grief and Grieving (عن الفجيعة والأسى)" إطارا عاما للمراحل الخمس بعد الفقد. وهي لا تنطبقُ على الجميع بالمثل ولا نمر بها بالترتيب نفسه ولا في فترةٍ زمنيةٍ متشابهة فقد يجتازها البعض في شهرٍ واحد وآخرون قد يستغرقون سنوات. لكن سيقودك فهم هذه المراحل باعتباره مرشدا تتلمسُ معه طريقا مظلما سواء لك أو للتعامل مع قريب مرّ بهذه التجربة (وهذا الدليل يُقرأ من اليمين إلى اليسار).
وهنا لا نقصد الإنكار بمعناه الحرفيّ بل هي حالةٌ رمزية. لن تنفي رحيل والدكَ بل يعني أنكَ تعود للمنزل ولا تُصدق فعلا أن أباكَ لن يعود من عمله كالمعتاد. قد يكون رد فعلكَ بداية هو الصدمة المُغلفة بالشلل أو الخَدر تُكرر مرة تلو المرة: "لا أصدقُ أنه رحل لا أصدق أنني لن آراه ثانية".
يؤكد الواقع الحدث بسلامكَ الأخير على عزيزكَ أو حَملِ نعشه أو المشي في جنازته أو حتى حضور عزائه. عندها تتأكد أن الراحل لن يعود هذه المرة. قد تظن أنكَ لست في حالة إنكار لأنك أكملت شؤون العزاء بحس عملي وأيضا منطقيٌّ أن تظن أنكَ في حالة إنكار لأنك لا تصدق أنه حدثَ فعلا. كلا الموقفين صحيح ومتشابك. عقلكَ يرفض معالجة الحدث الجديد ويساعدكَ الإنكار دونَ وعيٍ في تسيير مشاعرك يُقصيكَ عن الألم ويمنحكَ لحظاتٍ من: "لربما يعود".
في تلك المرحلة يتجردُ كل شيءٍ من المعنى وتكثر الأسئلة. كيف أواصل حياتي وإن واصلتها فلِمَ أفعل هذا أصلا تحاول أن تعيشَ يوما بيوم يساعدك الإنكار حينها على جعل النجاة ممكنة.
وحين يبدأ الإنكار في الانحسار تبدأ طرح أسئلة الكيف والماذا. كيف حدث أكان لِزاما أن يحدث أكان يجب أن يحدث بهذه الطريقة وفي هذا التوقيت ما الذي لو تغيَّر سيمنع موته وشيئا فشيئا تطرق حتمية الخسارة باب واقعك. تتقبل أنك لن تراه ولن تسمع صوته. هكذا تبدأ رحلة التعافي دون أن تعرف. يتلاشى الإنكار فتتسللُ كل المشاعر التي كبحتها على السطح.
في هذه المرحلة يتجلى الغضب في أشكالٍ متنوعة قد تغضب ممن رحل لأنه لم يهتم بنفسه كفاية تغضب من نفسكَ لأنك لم تَرْعَهُ كما يجب تغضب من الأطباء لأنهم لم ينقذوا حياته تغضب من عجزكَ عن إنقاذ حياته تغضب من أنك لم تتوقعه تغضب من أنك لا تستحق ما حدث تغضب من أنكَ مستمر في العيش في عالمٍ لم يَعد موجودا فيه قد تغضب لأنكَ أضعت وقتا فيما مضى كان بوسعكَ قضاؤه مع من فقدت قد تغضب من الميت نفسه تعرف أنه لم يتمنَّ موته ولم يسعَ إليه لكنك غاضبٌ من أنه غادركَ ورحل. ليس الغضب بشعورٍ منطقي ولا يجب أن يكون كذلك.
يصعد الغضب للسطح حين تعرف أنكَ نجوت من هول صدمة الخسارة تُذهلك فكرة أنكَ ما زلت حيا بعدما حدث ولم يدهسك الحزن أو الألم ولم يبتلعكَ الفراغ الذي خلَّفه مَن رحل. لا يأتي الغضب منفردا بل معه حزنٌ كثيف وهلعٌ وألم وتشعر بالوحدة كما لم تشعر بها من قبل. لكنَّ مرحلةَ الغضب مرحلةٌ مهمةٌ وأساسية في رحلة التعافي كلما شعرت به أكثر يبدأ في التخفيف من حضوره.
ليس للغضب أي حدود قد يمتد وقتا طويلا ويصل لأماكن نخاف أن نُعبِّر عنها كأن نغضب من القَدَر ذاته من أن الله اختارنا تحديدا الطيبين العطوفين الأب المُحبّ والشقيق الألطف والأذكى نغضب أن القدر لم يتغير رغم دعائنا وتوسلنا رغم أن الراحل كان يُحافظ على صحته ويتجنب كل ما هو مضر نغضب لأن القدر أو الله استدعى من نُحب في ريعان شبابه وهو لم يعش حتى نصف حياته بل قد يغضب المرء لظنه أنه ارتكب ذنبا جللا وكان عقابه هو رحيل أحبابه.
أما أسفل الغضب يقبع الألم الذي يبدأ بإفساد عالمك فتغضب من عائلتك وتصب جام غضبك على من حولك الذين سيتفاجؤون بدورهم لأنك عُدتَ لحياتك الطبيعية ولم يتوقع أحدهم انفجارا كهذا. هكذا تتغير هيكلية غضبك لكنَّه يصبح جسرَ تواصلك مع الناس. شيءٌ تتعلق به أن تشعر بشيءٍ تجاه شخصٍ ما أفضل من أن تشعر باللاشيء بخواءٍ يُشعركَ أن العالم على وشك الانهيار وربما تشعرُ كأنكَ غرقت في كل هذا الألم وأنك لن تخرج منه أبدا. لكنه ليس صحيحا إذ ينزاح الغضب جانبا بالتدريج وتتغير مشاعر خسارتك.
كما ذكرنا سابقا فإن المراحل الخمس لا تحدث بشكلٍ خطي فهي ليست سُلَّما تصعده وتصل لقمته بل هي أشبه بالحُفر تقفز من الأولى للثالثة ثم من الخامسة للرابعة ثم تعود للأولى هذه عمليةٌ "طبيعية" فريدةٌ تختلف من شخصٍ لآخر.
في حالة المساومة أنت لستَ أمام "مرحلة" تماما بل هي آلية تساعدك للتخفيف من وطأة مشاعرك مقابل تقديم شيئ مقابل آخر. ربما قبل الخسارة عندما يصيب أحد أحبائكَ حادث أو مرض تُفكر على الفور أنك ستفعل أي شيء لتمر الغُمَّة بسلام. لكن حين تقع الخسارة سواء كانت متوقعة أو مفاجئة فإن المساومة تأخذ شكل هدنة في مقابل ألا تحزن. "سأتطوع لمساعدة الفقراء كل شهر سأصلي الفروض في مواعيدها وأضيف عليها السنن لعلَّ كل هذا يصبح حلما أو لعلَّ أمي تكون راضية عليَّ في قبرها".
تُرافق المساومة أحيانا شعورا بالذنب وأسئلة "ماذا لو" لا تنتهي: ماذا لو اتصلنا بالطبيب مبكرا ماذا لو كنت ذهبت بها إلى مشفى أفضل ربما تجد أنكَ أسأت في تصرفٍ بعينه أو لو أن حدثا اختلف لما كانت الأمور لتؤول لهذه النهاية. في هذه المرحلة نعيش أكثر وقتنا في الماضي نفاوض الظروف بطريقةٍ نتجنب معها الألم الذي نشعر به. لكن إجابات الأسئلة ستؤدي إلى النتيجة ذاتها: من نحبه سيظل ميتا إلى الأبد.
أحيانا تساعدنا المساومة على الانتقال من حالة الخسارة إلى حالةٍ مُغايرة كأنها محطة استراحة تمنحنا وقتا ومساحة للتأقلم. قد تملأ المساومة الفجوات التي تُسيطر عليها مشاعرنا القوية فتُبقي المعاناة الشديدة بعيدة حتى نُطيق احتمالها فنتخلى عن المساومة وندخل بأنفسنا في مرحلة اكتئابٍ "عادي" بل ومقبول. تساعدنا في الإيمان بقدرتنا على فرض نظامٍ ما على الفوضى التي حدثت إثر رحيل من نحب. تتغير المساومة مثل باقي المراحل ربما نبدأ بالتوسل والمساومة لإنقاذ حياته ثم نساوم بأن نموت بدلا منه.
03c5feb9e7