فضيلة الشيخ محمد بشير الباني

بقلم: مجد مكي
هو العالم العامل القاضي الفاضل المعمر الشيخ محمد بشير بن توفيق بن عبد الرحمن الباني من أسرة دمشقية ، اشتهرت بالعلم والصلاح، يتصل نسبها بقضيب البان الحسيني الموصلي ، من أبناء موسى الجون، وقد ولد الشيخ محمد بشير في دمشق 1329هـ- 1911 م ، ووالده الشيخ الفاضل توفيق بن عبد الرحمن بن محمد بن عثمان الباني ، المتوفى سنة 1338 الموافق 1919 ، وعمه فضيلة العلامة الشيخ محمد سعيد بن عبد الرحمن الباني المتوفى سنة 1351، الموافق 1933، ونشأ الشيخ في كنف عمه، ودرس في مدارس دمشق ونال البكالوريوس في الرياضيات ، ثم انتسب إلى كلية الحقوق وتخرج فيها عام 1934 ، وتم تعيينه في وزارة المالية ، ثم أصبح القاضي الشرعي بدمشق عام 1940 ثم رئيساً لمحكمة الجنايات بدمشق ، ثم عضواً في محكمة التمييز ، ثم مستشاراً في محكمة النقض ، واستمر فيها حتى نال تقاعده منها عام 1990 ،
تعرف منذ شبابه على العلامة الشيخ محمد أمين كفتارو رحمه الله ، ولازم مجالسه ، وقرأ على يديه «بداية المجتهد» لابن رشد ، وكثيراً ما كان يقدمه للإمامة ، تدريباً وتعريفاً بفضله وقدره ، وعند وفاة الشيخ محمد أمين رحمه الله ، عام 1938 ، لازم الشيخ الباني مجلس ولده الشيخ أحمد كفتارو رحمه الله ، فكان مثال التلميذ البار لشيخه ، وصاحبه في العديد من أسفاره إلى العالم شرقاً وغرباً ، منها أسفاره في أوربا وأمريكا والاتحاد السوفييتي ، وناب عنه في بعض المؤتمرات والندوات الدولية ، وكان للشيخ الباني محاضرات قيمة في جامعات روسيا وجامعات أمريكا خلال هذه الأسفار .
تدرب على الخطابة في شبابه على منبر جامع أبي النور ، ثم تنقل خطيباً على منابر مساجد دمشق ، ثم عُيِّن خطيباً لجامع الشيخ محي الدين بن عربي ، ثم خطيباً للجامع الأموي الكبير بدمشق.
اختاره الشيخ أحمد كفتارو للتدريس في كلية الدعوة الإسلامية فرع دمشق ، ثم للتدريس في كلية أصول الدين ، فحاضر في مادتي أصول الفقه وتاريخ التصوف ، وتم اختياره ليحاضر في كلية الشريعة بجامعة دمشق .
له مؤلفات في التربية والقضاء والتراجم ، منها: نظرات في القضاء ، المرشد المجدد ، عبقرية المحدث وفقه الخطيب ، منبر الدعاة ، الحج ، وقد منح شهادة الدكتوراه الفخرية من جامعة أم درمان الإسلامية نظير أعماله الدعوية ومساهماته في إثراء المكتبة الإسلامية ، وذلك عام 1994 م.
والشيخ الباني أحد المؤسسين البارزين لمجمع الشيخ أحمد كفتارو، ورئيس مجلس إدارة جمعية الأنصار الخيرية لدورات عدة ، وكان ينوب عن الشيخ أحمد كفتارو ، بمحاضراته الأسبوعية في جامع أبي النور ، وما زال يحاضر في جامع أبي النور قبل صلاة الجمعة ، وقد أمَّ صلاة الجنازة على شيخه أحمد كفتارو في جامع بني أمية الكبير/ font> عند وفاته عام 2004م . وللشيخ درس أسبوعي بين المغرب والعشاء من يوم الجمعة، في جامع محيي الدين بن عربي، والأستاذ الشيخ محمد بشير الباني شقيق الأستاذ العالم المربي الفاضل المعمر الشيخ عبد الرحمن الباني المولود سنة 1336 الموافق 1917 المقيم في الرياض ، والأستاذ الشيخ عبد الهادي الباني، ولم يعقب الأستاذ الباني، ولكنه ترك المئات من التلاميذ الذين نهلوا من علمه وفضله ، وتربوا على نصحه وتوجيهه.
عُرف الشيخ، بهمته العالية ، ونشاطه المتميز ، ومحافظته على وقته ، وحسن ترتيبه لجميع أموره ، ودقته وموضوعيته وكرمه ، وبقي ممتعاً بحواسه ، يقود سيارته .
واستمر الشيخ على عطائه ، ونصحه، وتوجيهه إلى أن توفي يوم الخميس 5 شعبان 1429 الموافق 7آب 2008 عن عمر يناهز المئة ـ رحمه الله تعالى ـ .
سبع قراءات وخمسة محاريب
محمد حبش : صحيفة بلدنا
24/8/2008
قبل أيام حلَّ ضيفاً على الله، وحملته دمشق على أعناقها بعد أن أكمل نحو مئة عام من العطاء، صنع لنفسه آلاف المحبين ولم يتمكن من صناعة عدو واحد، وقد كان كما عرفته الشام رجل الوفاق والتسامح والصفاء والوفاء.
أذكر أنني تحدثت ذات يوم عن شتات المسلمين وتفرقهم، وكان أقرب الأمثلة إلي جدار القبلة في الجامع الأموي، حيث تنتصب فيه أربعة محاريب، وقلت بنزق: كيف يمكن أن نجد وحدتنا وقوتنا ونحن في محراب الصلاة مختلفون على أربعة مذاهب، ولم تستطع الصلاة نفسها أن توحد بين قلوبنا؟؟
إنه سؤال بريء سمعته مئات المرات، وكان جوابنا عليه دائماً الصمت وهزّ الرؤوس!! ـ
كان جواب الشيخ بشير هادئاً وفريداً، وتحدث هذه المرة بوصفه خطيباً للجامع الأموي، حيث خدم في منبره ومحرابه أكثر من أربعين سنة، وقال لي بهدوء: لا يا أخ محمد، إنها أولاً خمسة محاريب وليست أربعة؛ فهناك محراب الشافعية، والحنفية، والمالكية، والحنابلة، وهناك أيضاً محراب خاص في مشهد الحسين في الجامع الأموي. وهذه المحاريب الخمسة ليست كما تظن مظهر شتات وفرقة، بل هي دليل تسامح و قبول!!، وهي تعكس إصرار المسلمين على التسامح في الفقه
وإعذار المخالف، وقد أقرَّ العلماء خلال العصور كلها هذه المحاريب تنبيهاً إلى وجوب التسامح بين أبناء المذاهب.
فهنا يقرأ علم الإمام مالك، وهنا يقرأ علم الشافعي، وهنا يقرأ علم أبي حنيفة، وهناك يقرأ علم أحمد بن حنبل، وهناك يقرأ علم جعفر الصادق، وحين تقام الصلاة فإنَّ الجميع يلتقون في محراب واحد خلف إمام واحد، ولا مكان في ثقافة كهذه لمذهب يلغي سواه أو إمام يتنكر لدور أئمة آخرين، إنها باختصار رسالة مشتركة لسائر أبناء الأمة في لقائهموفراقهم على الله وجماعة المسلمين.
كان تحليل الشيخ بشير لظاهرة المحاريب في الجامع الأموي نقطة تحول في وعيي بثقافة الإعذار بين المذاهب الإسلامية، وأدركت أكثر من أيِّ وقت مضى أنَّ المذاهب الإسلامية ظاهرة غنى فقهي وثراء فكري، وأنها يجب أن تعمل متجاورة متواصلة على أساس التكامل وليس على أساسالتماثل، وأنَّ هذه المذاهب هي ألوان الطيف الإسلامي التي يتشكل منها المجتمع الإسلامي، وهي اللوحة الكبيرة
التي تعكس غنى منجم الفقه الإسلامي وثراءه، وتدعونا لاحترام ما أنجزه الفقهاء الكرام خلال التاريخ الإسلامي.
إنها كلمة نور أرويها اليوم وفاء للشيخ الكبير بشير الباني، الذي رحل الأسبوع الماضي إلى لقاء ربه، وهو شاب يقارب المئة عام، يمتلئ بالعافية واليقين.
وربما كانت حكاية المحاريب الخمسة تدعونا للتأمل في القراءات السبع، التي أذن بها الرسول الكريم، وكان قادراً أن يلزم الأمة بقراءة واحدة. والمقصود بالقراءات السبع، هي تلك الأوجه المختلفة من القراءة، التي أذن بها النبي الكريم ورضي للصحابة أن يقرؤوا بها.
وهذا الاختلاف، كان مثار اعتراض شديد من عدد من كبار الصحابة،
على رأسهم عمر بن الخطاب؛ فحين سمع رجلاً يقرأ على غير ما يقرؤه من القراءة أخذ بتلابيبه ومضى إلى النبي الكريم ثائراً هادراً يطالبه بحسم المسألة ومنع الاختلاف، ولكن النبي الكريم كان له موقف آخر، وابتسم من صنيع عمر، وقال له: "على رسلك يا عمر"، وأمر الرجل بأن يقرأ كما يحفظ.
وبعد أن استمع من الرجل، قال ببساطة: هكذا أنزلت!!، ثم استمع إلى عمر. وعلى الرغم من الخلاف الحاد بين القراءتين، لكن النبي عاد فقال لعمر: هكذا أنزلت!! إنَّ القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها شاف كاف، واقرؤوا منه ما استطعتم!!.
أما الفكرة الصبيانية التي تلازمنا دوماً، فهي أنَّ الواجب أن يأخذ على يد المخالف ويقمعه ويلزمه اختيارالجماعة، فهي مخالفة لحكمة النبوة، وهي تتعارض تعارضاً حاداً مع منطق التسامح والإعذار الذي بشر به النبي الكريم.
إنَّ المطلوب هو قراءة بين القراءات، وليس قراءة فوق القراءات، ومذهب بين المذاهب وليس مذهباً فوق المذاهب، وأمة بين الأمم وليس أمة فوق الأمم، ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين