أما كون الرسول صلى الله عليه وسلم لم يرَ الشيء ولم يسمع به , فهذا حاصل لكل البشر , والنبي صلى الله عليه وسلم بشر يدخل بيته والبُرمةُ على النار لا يدري ما الذي فيها _ والبرمة مثل القِدر _ فإنه دخل ذات يوم على أهله فدعا بطعام وكان رأى البرمة على النار , وفيها لحم تُصُدِّقَ به على بَريرة وهي عتيقة لعائشة رضي الله عنها عندها . وقد علموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأكل الصدقة , فقالوا : لحمٌ تُصُدِّقَ به على بَريرة . فقال : (( هو عليها صدقة , ولنا هدية )) رواه البخاري ومسلم _ أنا أضرب هذا مثلاً للدلالة على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب . وحادثةٌ أخرى تدل على ذلك , فقد كان أبو هريرة رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم , فانخنس منه وذهب واغتسل ثم رجع , فقال له : (( أين كنت ؟ )) قال : كنتُ جُنُباً فكرهتُ أن أكون معك على غير طهارة قال : (( سبحان الله , إن المؤمن لا ينجس )) رواه البخاري ومسلم _ فانظر تغيب عنه أبو هريرة وهو لا يعلم فالرسول نعم قد لا يسمع بالشيء وقد لا يرى الشيء .
لكن قولهم : لم يسمع به الله , ولم يره . هذا سوء أدب عظيم مع الله ويُخشى على من ألقى هذا السؤال , فَضَلَّ به من ضَلَّ من الناس , أن يبوء بالإثم , والعياذ بالله , جانب الرب عز وجل يجب أن يُعَظَّم , يجب أن يُهاب , يجب ألا نتكلم في جانب الله عز وجل بما يوهم نقصاً لا من قريب ولا من بعيد لأن الله تعالى قال : ((لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ )) ( النحل: 60 ) كل وصف كمال فأعلاه لله عز وجل , فكيف تقول : إن الله لم يسمع بأمر , ولم يره ؟ فالحذر الحذر من مثل هذه التعبيرات والحذر الحذر من الكلام في جانب الرب عز وجل إلا بما جاء في الكتاب والسنة , يجب أن نتأدَّب كما تأدَّب الصحابة رضي الله عنهم . كانت الآيات تنزل في صفات الله وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم في صفات الله , ومع ذلك لا يوردون أسئلة ولا إشكالات , يأخذونها بالرضى والتسليم والقبول . ويعلمون أن الله تعالى فوق ما يتصوره الإنسان : ((لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ )) ( الشورى: 11 ) .