وقال الإمام أبو المظفر الإسفراييني في "التبصير في الدين": كتاب "العالم والمتعلم" لأبي حنيفة فيه الحجج القاهرة على أهل الإلحاد والبدعة وكتاب "الفقه الأكبر" الذي أخبرنا به الثقة بطريق معتمد وإسناد صحيح عن نصر بن يحيى عن أبي حنيفة. كذا في التبصير ص 113. وفيه عرض جيد لعقيدة أهل السنة يجدد الانتفاع به. طُبع أول مرة بتحقيق العلَّامة الكوثري .
وقد رأيت مخطوطة جيدة من "الفقه الأكبر" في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة على ساكنها ألف صلاة وسلام رواية علي بن أحمد الفارسي عن نصر بن يحيى عن أبي مقاتل عن عصام بن يوسف عن حماد بن أبي حنيفة. والنسخة ضمن المجموعة رقم (226) وهذا يؤكد نسبة "الفقه الأكبر" إلى الإمام .
وقال العلَّامة محمد محمد المرتضى الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين شرح إحياء علوم الدين": جاء في "مناقب الإمام الأعظم" لمحمد بن محمد الكردري عن خالد بن زيد العمري أنه قال: كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر وحماد بن أبي حنيفة قد خصموا بالكلام الناس أي ألزموا المخالفين وهم أئمة العلم.
وقد عُلم مما تقدَّم أن هذه الكتب من تأليف الإمام نفسه. والصحيح أن هذه المسائل المذكورة في هذه الكتب من أمالي الإمام التي أملاها على أصحابه: كحماد وأبي يوسف وأبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي وأبي مقاتل حفص بن مسلم السمرقندي فمنهم الذين قاموا بجمعها وتلقّاها عنهم جماعة من الأئمة: كإسماعيل بن حماد - حفيد الإمام - ومحمد بن مقاتل الرازي ومحمد بن سماعة ونصير بن يحيى البلخي وشداد بن الحكم وغيرهم إلى أن وصلت بالإسناد الصحيح إلى الإمام أبي منصور الماتريدي.
فمن عزاهن إلى الإمام صح لكون تلك المسائل من إملائه ومن عزاهن إلى أبي مطيع البلخي أو غيره ممن هو في طبقته أو ممن هو بعدهم صح لكونها من جمعه. ونظير ذلك المسند المنسوب للإمام الشافعي فإنه من تخريج أبي عمرو محمد بن جعفر بن محمد بن مطر النيسابوري أبي العباس الأصم من أصول الشافعي.
فمن ذلك: فخر الإسلام البزدوي وقد ذكر في أول أصوله جملة من "الفقه الأكبر" وكتاب "العالم والمتعلِّم" والرسالة. وقال أخيراً - وقد ذكر جُملاً من الكتب الخمسة "الفقه الأكبر العالم والمتعلِّم الفقه الأوسط الرسالة والوصية" منقولاً عنها في نحو ثلاثين كتاباً من كتب الأئمة وهذا القدر كافٍ في تلقّي الأمة لها بالقبول والله أعلم.[5]
نفى كثير من العلماء المحققين نسبة كتاب الفقه الأكبر لأبي حنيفة ومن هؤلاء بعض علماء المذهب الحنفي المحققين كالكشميري صاحب فيض الباري بشرح صحيح البخاري.
ونسبة كتاب "الفقه الأكبر" لأبي مطيع البلخي هي التي اعتمدها الإمام الذهبي رحمه الله. قال في كتابه "العلو" (135): " وبلغنا عن أبي مطيع الحكم بن عبد الله البلخي صاحب (الفقه الأكبر) قال: سألت أبا حنيفة عمن يقول لا أعرف ربي في السماء أو في الأرض فقال: قد كفر لأن الله تعالى يقول: الرحمن على العرش استوى وعرشه فوق سمواته. فقلت: إنه يقول أقول على العرش استوى ولكن قال لا يدري العرش في السماء أو في الأرض قال: إذا أنكر أنه في السماء فقد كفر!!". انتهى.
قال الشيخ الألباني رحمه الله في "مختصر العلو" (136-137): " وفي قول المؤلف: "صاحب الفقه الأكبر": إشارة قوية إلى أن كتاب "الفقه الأكبر" ليس للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى خلافا لما هو المشهور عند الحنفية وقد طبع عدة طبعات منسوبا إليه ومشروحا من غير واحد من الحنفية منهم أبو منصور الماتريدي الذي ينتمي إليه أكثر الحنفية في العقيدة وجمهورهم فيها من المؤولة فترى أبا منصور هذا قد تأول قول أبي حنيفة المذكور في الكتاب وفي "الفقه الأكبر" تأويلا يعود إلى إفساد كلام أبي حنيفة وإخراجه عن جماعة السلف في عدم التأويل فقال في تأويل قوله رحمه الله: "فقد كفر" "ص19 طبع مصر": "لأنه بهذا القول يوهم أن يكون له مكان فكان مشركا"! ولم يلتفت إلى تمام كلامه المبطل لتأويله وهو قوله رحمه الله: "لأن الله تعالى يقول: الرحمن على العرش استوى .
قلت: فهذا صريح في أن علة كفره إنما هو إنكاره لما دلت هذه الآية صراحة من استعلائه سبحانه على عرشه لا لأنه يوهم أن له تعالى مكانا سبحانه وتعالى عن ذلك. ولما ذكرنا قال شارح الطحاوية رحمه الله تعالى بعد أن ذكر رواية أبي مطيع البلخي "ص323 طبعة المكتب الإسلامي الطبعة الرابعة": "ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة فقد انتسب إليه طوائف معتزلة وغيرهم مخالفون له في كثير من اعتقاداته وقد ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد من يخالفهم في بعض اعتقاداتهم وقصة أبي يوسف في استتابة بشر المريسي لما أنكر أن يكون الله عز وجل فوق العرش مشهورة رواها عبد الرحمن بن أبي حاتم وغيره".
قلت: والقصة المشار إليها تأتي في الكتاب قريبا في ترجمة أبي يوسف إن شاء الله تعالى. وفيها دلالة على أن أصحاب أبي حنيفة الأول كانوا مع السلف في الإيمان بعلوه تعالى على خلقه وذلك مما يعطي بعض القوة لهذه الروايات المروية عن الإمام أبي حنيفة ومن ذلك تصريح الإمام أبي جعفر الطحاوي الحنفي في عقيدته بأن الله تعالى مستغن عن العرش وما دونه محيط بكل شيء وفوقه."انتهى.
وقال الشيخ أبو زهرة رحمه الله: "ويجب التنبيه: إلى أن نسبة الفقه الأكبر إلى أبى حنيفة موضع نظر عند العلماء فلم يتفقوا على صحة نسبة هذا الكتاب إليه ولم يدع أحد الاتفاق على صحة هذه النسبة حتى أشد الناس تعصباً له ورغبة في زيادة آثاره وكتبه...
فالنسبة إذن موضع شك أو إنكار عند بعض العلماء... واختلافهم بشأنه واختلاف الروايات فيه ومقدار قوة هذه الروايات.
والدقة توجب علينا أن نلتفت التفاتة سريعة إلى ما حواه متنه أتصح نسبته كله إلى أبي حنيفة أم أن في هذا المتن ما يشير إلى أن نسبته كله لأبي حنيفة موضع نظر أو شك... ونرى في الفقه الأكبر تصدياً لمسائل لم يكن الخوض فيها معروفاً في عصره ولا العصر الذي سبقه فلم نجد فيمن قبله ولا من معاصريه من المصادر التي تحت أيدينا من تصدى لها لهذا لا نريد أن نستقي آراء أبي حنيفة في العقائد من "الفقه الأكبر" أو "العالم والمتعلم" فقط" انتهى باختصار من " أبو حنيفة حياته وعصره" (187-189).
العبارة المذكورة -(والله تعالى يُرى في الآخرة ويراه المؤمنون وهم في الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كميّة ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة)- تناقلها علماء الأحناف في كتبهم العقدية على اختلاف في بعض الالفاظ زيادة ونقصاً.
وأغلب نسخ كتاب الفقه الأكبر الذي نُقل عنها القول المنسوب لأبي حنيفة ليس فيها لفظ (ولا كمية) بل العبارة في المثبتة "بلا تشبيه ولا كيفية". وعليه تكون العبارة إلى قوله "بلا تشبيه ولا كيفية" صحيحة وموافقة لعقيدة السلف في رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة.
جاء في شرح العقيدة الطحاوية" (ص962 بترقيم الشاملة): "فقولهم بلا كمية يقصدون به -حسب زعمهم- تنزيه الله عن الجسم والأبعاض والأجزاء.
59fb9ae87f