قال رسول صلى الله عليه وسلم: الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يدًا بيد هاء وهاء. هل هذا يعني أنه لا يجوز شراء هذه المواد عن طريق النقود بأقساط مؤجلة مثلا الذي يقتني المواد الغذائية من عند البقال ولا يؤدي ثمنها إلا في نهاية الشهر بعد حصوله على راتبه. فهل يرتكب محرمًا
فإن شراء السلع المذكورة في الحديث أو غيرها مما يحتاج إليه الناس من المحلات التجارية كالبقالات وغيرها عن طريق النقود نقداً جائز وكذا بأقساط مؤجلة لا حرج فيه ولو زاد ثمن بيعها أو شرائها إلى أجل على ثمن بيعها أو شرائها حالاً لأنه قد علم أن للزمن حصته من الثمن وهذا مما تقتضيه مقاصد الشرع وتحقق به مصالح الأنام لكن يشترط لصحة ذلك أن يستوفى البيع الشروط المعتبرة ومن ذلك: أن تكون الأقساط معلومة والأجل مسمى لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ [البقرة: 281] ولقصة بريرة الثابتة في الصحيحين فإنها اشترت نفسها من سادتها بتسع أواق في كل عام أوقية وهذا هو بيع التقسيط ولم ينكر صلى الله عليه وسلم ذلك بل أقره ولم ينه عنه وإن اشترتها عائشة فيما بعد وعجلت الأقساط وعلى هذا جرى عمل المسلمين في القديم والحديث.
والمنهي عنه إنما هو بيع الأعيان المذكورة في الحديث بجنسها أي: التمر بالتمر أو الملح بالملح مثلاً متفاضلاً أو إلى أجل أما بيع هذه الأعيان أو غيرها بالنقود فلا حرج فيه كما أسلفنا.
يقول السائل: إنه صاحب متجر للمواد الغذائية وقد اعتاد على بيع القمح والملح والتمر بالدين لزبائنه ولكنه سمع بعض الناس يحرم ذلك ويعتبره من الربا فما قولكم في ذلك أفيدونا الجواب: ورد في الحديث عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواءً بسواء يداً بيد فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) رواه مسلم. هذا الحديث أصل في بيان الأصناف التي يجري فيها الربا وقد اتفق جماهير أهل العلم على أن الربا يتعدى هذه الأصناف إلى غيرها إن اتحدت معها في العلة ولكنهم اختلفوا في علة تحريم الربا في الأصناف المذكورة في الحديث ومع ذلك فهم متفقون على أن الأصناف الستة المذكورة في الحديث تنقسم إلى مجموعتين: المجموعة الأولى: الذهب والفضة والمجموعة الثانية: البر والشعير والتمر والملح والفقهاء متفقون على أن علة التحريم في المجموعة الأولى واحدة وعلة التحريم في المجموعة الثانية واحدة أي أن علة التحريم في الذهب والفضة هي غير علة التحريم في البر والشعير والتمر والملح قال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة , وعلة الأعيان الأربعة واحدة ثم اختلفوا في علة كل واحدٍ منهما] المغني ٤/٥. وقال الشيخ تقي الدين السبكي: [الأمة أجمعت على أن السنة المذكورة في الحديث جملتان متفاضلتان النقدان والأشياء الأربعة تنفرد كل جملة بعلتها] تكملة المجموع ١٠/٩١. وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٢/٦٤ ما نصه: [اتفق عامة الفقهاء على أن تحريم الربا في الأجناس المنصوص عليها إنما هو لعلة وأن الحكم بالتحريم يتعدى إلى ما تثبت فيه هذه العلة وأن علة الذهب والفضة واحدة وعلة الأجناس الأربعة الأخرى واحدة] . وينبغي أن يعلم أن مسألة تحديد العلة في الأصناف الربوية محل خلاف كبير بين العلماء فهي مسألة اجتهادية وقد تباينت فيه أقوال العلماء: [فقال الحنفية: العلة: الجنس والقدر وقد عرف الجنس بقوله صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب والحنطة بالحنطة) وعرف القدر بقوله صلى الله عليه وسلم: (مثلاً بمثل) ويعني بالقدر الكيل فيما يكال والوزن فيما يوزن لقوله صلى الله عليه وسلم: (وكذلك كل ما يكال ويوزن) وقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تبيعوا الصاع بالصاعين) ... وقال المالكية: علة الربا في النقود مختلف فيها فقيل: غلبة الثمنية وقيل: مطلق الثمنية ... وعلة ربا الفضل في الطعام الاقتيات والادخار ... وعلة ربا النساء مجرد الطعم ... وذهب الشافعية إلى أن العلة في تحريم الربا في الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان غالباً ... والعلة في تحريم الربا في الأجناس الأربعة وهي البر والشعير والتمر والملح أنها مطعومة ... وروي عن أحمد بن حنبل في علة تحريم الربا في الأجناس الستة ثلاث روايات: أشهرها أن علة الربا في الذهب والفضة كونهما موزوني جنس وفي الأجناس الباقية كونها مكيلات جنس ... والرواية الثانية: أن العلة في الأثمان الثمنية وفيما عداها كونه مطعوم جنس ... والرواية الثالثة: العلة فيما عدا الذهب والفضة كونه مطعوم جنس مكيلا أو موزونا] الموسوعة الفقهية الكويتية ٢٢/٦٤-٦٧.
وقال الشيخ ابن حزم: [وجائز بيع القمح والشعير والتمر والملح بالذهب أو بالفضة يداً بيد ونسيئةً وجائز تسليم الذهب أو الفضة بالأصناف التي ذكرنا لأن النص جاء بإباحة كل ذلك وبالله تعالى التوفيق.] المحلى ٧/٤٣٨.
وخلاصة الأمر أنه يجوز شرعاً بيع القمح والشعير والتمر والملح - وكذا كل ما يتحد معها في العلة - بالنقود إلى أجل وأن القول بمنع ذلك قول مخالف لما دلت عليه الأدلة ولما تعارف عليه الناس منذ عهد بعيد وما هو إلا جمود على ظاهر النص.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فضيلة الشيخ : ارجو ان توضح لي الاصناف الربوية المذكورة في الحديث الشريف (( الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى فإذا اختلفت الاصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد )) فضيلتكم قلتم في فتاوى سابقة ان بيع الذهب بالدين حرام لانه لم يحقق الشرط وهو يدا بيد فهل معنى هذا ان كل الاصناف سابقة الذكر في الحديث لا يجوز بيعها بالدين .. وإذا كانت الاجابة نعم فأرجو التركيز على هذه النقطة في دروسكم لان معظم الناس يشترون التمر والملح خاصة بالدين فلا يخفى عليكم أن التعامل مع محلات المواد الغذائية عند الغالبية بالدين حيث يتم السداد من المرتب شهريا . أفيدونا أفادكم الله وجزاكم الله عنا خير الجزاء
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.
بيع التمر والمواد الغذائية بالدين جائز وقد مات النبي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة في شعير اشتراه بالدين لأهله لأن التمر وغيره من المطعومات لا تجمعه مع النقود والذهب والفضة في الربا علة واحدة فعلة الربا في النقود والذهب الثمنية وفي المطعومات الاقتيات والادخار أو كونها مطعومة.
الصادق بن عبد الرحمن الغرياني