مقدمة:
لا شك أن لكلمة "الشخصية" سحراً خاصاً لدى العامة الذين يستخدمونها كثيراً في حياتهم اليومية ويطلقون أحكاماً تقويمية بشأنها وعندما يتحدث الرجل العادي عن الشخصية فغالباً ما يشير إلى المهارة الاجتماعية أي الجاذبية والسحر الذي يحدثه الفرد في الآخرين وقد يقصد بها أقوى الانطباعات التي يخلفها الفرد في الآخرين لذلك نجده يردد عبارات من مثل "فلان شخصية عدوانية" أو "شخصية متسامحة" أو "شخصية مبدعة" ... إلخ أي أنه يختار الصفة الأكثر تميزاً فيمن يتم وصفه ويعنون شخصيته بها.
وتتميز الشخصية عن غيرها من موضوعات علم النفس بتركيزها على التنظيم الديناميكي المعقد داخل الفرد (أي بالنظر إليه ككل متكامل) وعلى الفروق الفردية في الوظائف النفسية (كالدافعية والإدراك والانفعال والتعلم ...). وفي الوقت ذاته يسعى علماء نفس الشخصية للتوصل إلى قوانين عامة تنطبق على جميع البشر.
وهكذا يمكن القول بأن النظرة الحديثة لمفهوم الشخصية تشير إلى النمط الدائم نسبياً للأفكار والمشاعر والسلوك الذي يميز الفرد عن غيره وتتضمن هذه النظرة أمرين هامين هما: (1) أن لكل فرد نمطاً خاصاً من التفكير والمشاعر والسلوك يميزه عن غيره (2) أن الشخصية ثابتة نسبياً خلال الزمن فشخصياتنا لا تتسم بالثبات الكلي (Davis & Palladino, 2004) الذي يسمح بتعديل السلوك وتزكية النفس.
وثمة من يجادل بفكرة الثبات النسبي ومنهم والتر ميشيل Walter Mischel الذي يرى أن السلوك تحدده المواقف لا السمات الداخلية للمرء فقد يختلف سلوكك كثيراً عندما تكون مع زملائك في الجامعة عنه عندما تكون مع إخوتك في البيت إلى الحد الذي يصعب فيه القول بأنك الشخص نفسه في الموقفين. ويؤكد الموقفيون عموماً بأننا نخلق مواقفنا في كثير من الأحيان ليس بالضرورة من خلال سلوكاتنا بل ببساطة لمجرد من نكون وبعبارة أخرى فإن بعض الخصائص الشخصية (كالعمر والجنس والعرق والدين والوضع الاقتصادي والاجتماعي يمكن أن تحدد سلوك الآخرين تجاهنا مما يخلق موقفاً مختلفاً يمكن أن يؤدي بدوره إلى فروق في السلوك (Davis & Palladino, 2004), وهناك من يرى أن السمات والمواقف والتفاعل بينها تؤثر في الأفكار والمشاعر والسلوك (Kosslyn & Rosenberg, 2004). هذا من جهة ومن جهة أخرى فهناك من يؤيد اتساق السلوك عبر المواقف المختلفة وبمرور الزمن ومنهم بم وألن (Ebm & Allen) فالطفل الهادئ يبقى هادئاً عبر المواقف لذلك نجد أن الوالدين يصابان بالصدمة عندما يعلمان أن ابنهما الهادئ يظهر سلوك الشغب في المدرسة فيردون بعبارات من مثل "هذا غير معقول فإبننا لا يظهر قط سلوكاً كهذا في البيت" وهم صادقون في قولهم لأن ابنهم لا يظهر سلوك الشغب في البيت (Davis & Palladino, 2004).
وخلاصة القول فإن السلوك يعتمد على الموقف من جهة ومع ذلك فهناك ميل لثبات السلوك واتساقه خلال المواقف المختلفة يجعل من الممكن التنبؤ بالسلوك في المواقف المماثلة كما أن هناك ثباتاً في الميول والدوافع والاتجاهات والقيم وهوية الشخصية ... إلخ غير أن ثبات الشخصية لا يعني سكونها الأبدي بل الثبات النسبي الذي يحتمل التغير والتطور وتزكية النفس أو ارتدادها.
ثانياً: المناحي الرئيسة في دراسة الشخصية:
يعني منظرو الشخصية بالسؤال التالي: لماذا يستجيب الأفراد لموقف واحد بطرق مختلفة ويقدمون إجابات مختلفة له. فعلى سبيل المثال لماذا تكون ساجدة اجتماعية عند مقابلة شخص ما لأول مرة فيما تكون علياء خجولة في الموقف ذاته لماذا تكون سناء مطمئنة على نتيجتها في امتحان الثانوية العامة في حين تكون رانية قلقة على نتيجتها في الامتحان ذاته يعتقد بعض منظري الشخصية أن العوامل الجينية والبيولوجية هي المسؤولة عن الفروق الفردية في الشخصية فيما يعتقد آخرون أن الخبرات الحياتية هي العوامل الأكثر أهمية.
كما يرى بعض منظري الشخصية أن الطريقة التي نفكر بها هي بمثابة المفتاح لفهم الشخصية في حين يرى آخرون أن فهم الشخصية لا يتم إلا بمعرفة الطريقة التي نتصرف بها إزاء بعضنا بعضاً وفي ضوء تعدد النظرة إلى مفهوم الشخصية تعددت نظريات الشخصية. وعليه يكون من المفيد تصنيف هذه النظريات في مناحي (أي توجهات) عامة رغم الفروق بين النظريات داخل المنحى الواحد كذلك فقد يتم تصنيف بعض النظريات في أكثر من منحى. ورغم ذلك فإن التصنيف يقدم للقارئ صورة عامة عن الإطار العام لتوجهات نظريات الشخصية.
هذا وسنعرض فيما يلي خمسة مناح رئيسة لدراسة الشخصية هي: المنحى الإسلامي والمنحى السيكودينامي والمنحى السلوكي والمعرفي الاجتماعي والمنحى الإنساني ومنحى السمات.
2- المنحى السيكودينامي: Psychodynamic Perspective
يرى أصحاب هذا المنحى أن الشخصية في معظمها لا شعورية وأنها تتطور عبر مراحل كما يؤكدون أهمية الخبرات المبكرة (خبرات الطفولة) في تشكيل شخصية الفرد. ويعتقدون أننا إذا أردنا أن نفهم شخصية المرء بصورة حقيقية علينا أن نكتشف الدلالات الرمزية لسلوكه وسبر أعماق شخصيته من الداخل ولا نقتصر على دراسة سلوكه الظاهري. هذا وسنعرض تحت هذا المنحى نظرية التحليل النفسي عند فرويد ونظريات "الفرويديين المتجددين" (أي ما وراء فرويد) ومنهم يونج وآدلر وهورني.
أ. نظرية التحليل النفسي عند فرويد: Freud's Psychoanalytic Theory
طور سيجموند فرويد أفكاره حول نظرية التحليل النفسي من خلاله عمله مع المرضى العصابيين فهو يرى أن اللاشعور هو مفتاح فهم الشخصية فحياتنا تزخر بالضغوط والصراعات وللحد منها فإننا نضع الخبرات المؤلمة والمزعجة في اللاشعور وقد تنكشف هذه الخبرات على شكل هفوات اللسان أو زلاته وقد تظهر في الأحلام ... والأحلام عند فرويد تمثيل لاشعوري للصراع والضغوط الحياتية التي يكون من المؤلم التعامل معها بصورة شعورية والأحلام هامة لأنها تحمل دلالات رمزية جنسية أو عدوانية وتحتل الغريزة الجنسية مكان الصدارة من حيث تأثيرها على السلوك اللاحق.
شبه فرويد الشخصية بجبل الثلج بحيث يقع معظمها تحت مستوى الشعور تماماً كما أن الجزء الأكبر من جبل الثلج يقع تحت مستوى سطح الماء كما يتضح في الشكل رقم (15: 1). تتكون الشخصية من ثلاث مكونات (أبنية) هي: الهو (Id) والأنا (Ego) والأنا الأعلى (Superego). يتكون الهو من الغرائز (الجنس والعدوان) وهي مصدر الطاقة النفسية والهو لا شعوري ولا يتصل بالواقع وهو أول مكون ينمو في الشخصية يعمل الهو وفق مبدأ اللذة وتجنب الألم وعندما يدرك الأطفال متطلبات الواقع والمعيقات التي تحول دون إشباع اللذة يتشكل المكون الآخر للشخصية (وهو الأنا) يتعلق الأنا بمتطلبات الواقع ويعمل وفقاً لمبدأ الواقع فهو يحاول أن يجلب اللذة للمرء وفق معايير المجتمع.
وبخلاف الهو الذي يقع كلياً في اللاشعور فإن الأنا يكون شعورياً بصورة جزئية وهو المكون النفسي للشخصية والجهاز التنفيذي لها الذي يتخذ القرارات العقلانية ويؤدي الوظائف العقلية العليا. أما المكون الثالث للشخصية فهو الأنا الأعلى وهو المكون الأخلاقي لها ويضم الأنا المثالية والضمير ويعمل الأنا الأعلى على كبح دوافع الهو الأمر الذي يقتضي أن توفق الأنا بين دوافع الهو ومتطلبات الأنا الأعلى وحل الصراعات بينهما. وقد تعجز الأنا عن حل الصراع فتستدعي عدداً من الاستراتيجيات التي تسمى ميكانزمات الدفاع (Defence Mechanism) (الحيل الدفاعية) لحل الصراع والحد من القلق عن طريق التشويه اللاشعوري للواقع وهذه الميكانزمات هي (Pervin & John, 2001):
03c5feb9e7