التسويق الصحي
في ظل المتغيرات المعاصرة
بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي الأول
لكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية
جامعة العلوم التطبيقية الأهلية
الأردن
الأستاذ الدكتور
الدكتور
ثامـــر ياسر البكـــري غسان عبد الرزاق
العبيدي
دكتوراه إدارة أعمال طبيب أسنان/ دبلوم
عالي إدارة مستشفيات
العراق- بغداد- الاعظمية- كلية الإدارة والاقتصاد- قسم إدارة الأعمال
البريد الإلكتروني aest...@uruklink.net
Abstract
Long list of challenges is facing Health Care Organizations nowadays.
One of the most important among these, is the environmental changes,
and challenging these changes through their abilities to balance
between delivering high quality services, which should be available to
all, in spite of buyers ability for paying, and attaining monetary
returns that is important for continuity, and development.
Implementing this crucial balance is very difficult task. Without
carrying out a lot of factors such as: market recognition, resource
attracting, transforming these resource into accessible and available
services, maintaining good relations with the stakeholders, (patients,
patients’ families, Unions, Associations, doctors, and community as a
whole.). Furthermore promoting these services in the aim of informing
and instructing, and meeting patients’ needs and wants. Marketing is
one of the most important approaches for the effective achieving for
all of these factors.
الملخص
تواجه المنظمات الصحية عدداً كبيراً من المتغيرات البيئية، واكثر
التحديات صعوبة وأصبحت بحاجة إلى إدارة اكثر جدية وأكثر صرامة وذات تخصص
اكثر في مجال عملها ومتطلعة بالوقت نفسه إلى المستقبل اكثر من أي وقت
مضى. وان ذلك يعني إعادة النظر والتفكير بصورة جوهرية في كيفية إدارة تلك
المنظمات الصحية وحول ماهية الأدوات والتقنيات التي ستستخدمها لمواجهة كل
تلك التحديات والمتغيرات، ومن بين تلك الأدوات وأكثرها أهمية هي وظيفة
التسويق الصحي، والدور الرئيس لهذه الوظيفة هو ليس تسويق المستشفى للسوق
فحسب، ولكن تأسيس المفهوم التسويقي في المنظمات الصحية وترسيخه، وتحديد
ما يجب أن يقوم به التوجه التسويقي في المستشفيات، و إقرار الكيفية التي
يمكنه من خلالها المساهمة على الصعيد العملي في مواجهة تحديات الإدارة
على مستوى جانب الكفاءة التشغيلية اليومية من ناحية، وعلى مستوى الحاجة
للتطوير البعيد الأمد من ناحية أخرى.
المقدمة
لعل من بين ابرز التحديات التي تواجهها المنظمات الصحية في القرن
الحادي والعشرين هي عملية الموازنة بين أهداف المنظمات الصحية و تحقيق
مشاركة فاعلة لخدمة المجتمع، بمعنى آخر الموازنة بين الحصول على إيرادات
مالية تمكن إدارة المستشفى من تقديم خدمة صحية ذات نوعية عالية، و تقديم
تلك الخدمات الصحية لكل شرائح المجتمع بغض النظر عن قابليتهم للدفع، على
أن يتم ذلك ضمن رؤية من شأنها أن تقود التحول من الاكتفاء بعلاج المرضى
على أساس الحاجة السريرية فحسب، إلى تبني رؤية و قيم شاملة نحو تحسين
صحة أفراد المجتمع ككل. ومما لا شك فيه إن تحقيق مثل هذه الموازنة هو أمر
صعب يتطلب توفر جملة من العوامل، فعلى المنظمات الصحية المعاصرة التي
تريد أن تبقى وتستمر وتنجح أن تتعرف على أسواقها، وتقوم بجذب الموارد
الكافية اللازمة لإتمام عملياتها الإنتاجية بكـــفاءة وفاعلية، ومن ثم
تحويل تلك الموارد إلى خدمات مناسبة، و إيصال تلك الخدمات إلى أسواق
مستهلكيها ومجتمعات المستفيدين منها وبشكل متاح. هذا فضلاً عن عوامل أخرى
كثيرة منها تفعيل التواصل مع الجمهور والمتمثل ( بالمرضى، المجتمع، وزارة
الصحة، النقابات، الجمعيات، الأطباء، المنظمات الخيرية…الخ)، و وجوب
الالتزام برسالة الرعاية الصحية والترويج للخدمات الصحية بغرض الإعلام
والإخبار عنها (التثقيف والإرشاد الصحي)، فضلاً عن إشباع حاجات ورغبات
أسواق تلك المنظمات الصحية وبشكل فاعل. وتجدر الإشارة إلى أن معظم شروط
وعوامل تحقيق الموازنة المذكورة آنفاً تصب في فلسفة ومسؤولية وظيفة
التسويق. وبعد مسح مرجعي معمق لمصادر المعلومات، طمح الباحثان إلى تسليط
الضوء على هذا الموضوع المهم والجديد نسبياً على أدبيات الإدارة الصحية
المعاصرة. أملين أن يكون هذا الجهد هو إسهام في موضوع أحوج ما تكون إليه
منظماتنا الصحية اليوم، ومكتبات الإدارة الصحية على حدٍ سواء.
تعريف التسويق
إن كلمة تسويق Marketing مشتقة من المصطلح اللاتيني Mercatus
الذي يعني السوق وهذا المصطلح مشتق بدوره من Mercari التي تعني المتاجرة
(السيد علي،2000: 24).
وبالرغم من أن التسويق قد نشأ بنشوء التبادل التجاري منذ القدم إلا انه
لا يوجد إجماع على تعريفه، إذْ أن التسويق شأنه شأن النشاطات الديناميكية
(الحركية) المتجددة يصعب تعريفه في إطار ضيق فهو يتضمن وظائفاً متنوعة
ومتداخلة، بالإضافة إلى كونه نشاطاً غير منفصل عن نشاطات المنظمة
المختلفة.
فقد عرفت جمعية التسويق الأمريكية (American Marketing
Association) AMAعام1960 م التسويق بأنه: القيام بمختلف النشاطات اللازمة
لتدفق السلع و الخدمات من مصادر إنتاجها إلى أسواق استهلاكها أو
استعمالها (البكري،1999: 13).
من الواضح أن هذا التعريف تقليدي للتسويق يركز في النقل المادي
للسلع من مراكز الإنتاج إلى مراكز الاستهلاك، وانه يقلل من أهمية رجال
التسويق و المستهلك ودورهم في عملية التسويق، إذ أهمل التعريف الأنشطة
المتعددة التي يقوم بها رجال التسويق مثل بحوث التسويق ودراسات السوق
والتسعير…الخ، فضلاً عن إهماله الجوانب السلوكية للمستهلك.
ونتيجة قصور هذا التعريف أعادت جمعية التسويق الأمريكية عام 1985م
تعريف التسويق بأنه: العملية الخاصة بتخطيط وتنفيذ وتسعير وترويج وتوزيع
الأفكار والسلع والخدمات اللازمة لإتمام عملية التبادل التي تؤدي إلى
إشباع حاجات الأفراد ورغباتهم، وتحقيق أهداف المنظمة (السيد علي،2000:
25).
إن هذا التعريف يضيف كثيراً من المزايا للتسويق أهمها أن التسويق
كنشاط يمارس من قبل منظمات مختلفة، وفي إطار أخلاقي لذلك فهو يحقق أهداف
الأفراد و المنظمات معاً، كما يحدد هذا التعريف الأنشطة الفرعية للتسويق
(المنتَج،والسعر،والتوزيع،والترويج) والتي تعرف باسم المزيج التسويقي
Marketing Mix، والتي تستخدم بهدف إشباع حاجات الأفراد ورغباتهم و تحقيق
أهداف المنظمات.
إلا أن Kotler عرف التسويق على انه العملية الإدارية والاجتماعية
التي يحصل من خلالها الأفراد والجماعات على ما يحتاجون إليه ويرغبون فيه،
من خلال خلق وتقديم وتبادل القيم والمنتَجات مع الآخرين (Kotler,
1997:9).
إن هذا التعريف يستند إلى المفاهيم الآتية: (الحاجات والرغبات
والمتطلبات) و (المنتَجات: سلع، وخدمات وأفكار) و (القيمة والكلفة
والرضا) و (المبادلة والمعاملة التجارية) و (العلاقات وشبكات الاتصال) و
(السوق) و (رجال التسويق ونظرتهم).
وتأسيساً على ما تقدم من تعاريف فان التسويق كنشاط تجاري
Commercial /إنساني Humanizing /اجتماعي Social ما هو إلا عملية يتم بها
التوفيق بين المنتَجات والأسواق، وهذا يعني أن المنظمة الناجحة لا تسوق
إلا السلع و الخدمات التي يمكن إنتاجها ولا تنتج بالمقابل إلا السلع و
الخدمات التي يمكن تسويقها، كما نلاحظ بان كل من التعاريف السابقة لم
تركز في عملية البيع وهذا ما يؤكده Peter Drucker أحد قادة النظريات
الإدارية إذ يشير إلى أن الهدف من التسويق هو جعل البيع عملية زائدة أو
غير ضرورية (Kotler, 1987:4).
فحقيقة إذا ما السلع أو الخدمات قدمت بصورة ملائمة وسعرت و وزعت
وروج لها بفاعلية، فإنها سوف تباع بسهولة و من دون الحاجة إلى أنشطة
بيعية قوية، فالمنتَج الجيد يبيع نفسه بنفسه.
وقبل البدء في التعريف بالتسويق الصحي لابد من معرفة أن التسويق
هو مدخل إداري يمكن تطبيقه في كل أنواع المنظمات، إذْ انه يضع الزبون في
مركز العملية التشغيلية ويوجه الموارد بطريقة تحقق للزبون أعلى مستوى من
الرضا وبطريقة (الكلفة-الفاعلية) (Gilligan, 1995:15). كما يفضل الإلمام
بالتحديات المشتركة التي تواجهها المنظمات الصحية بالعالم اجمع للتعرف
على الدور الذي يمكن أن تلعبه وظيفة التسويق في مواجهة تلك التحديات، من
خلال توضيح مفهوم وأهمية التسويق الصحي و تطوره. فضلاً عن أهم المعوقات
والانتقادات التي تحول دون تنفيذه.
التحديات التي تواجهها إدارات المنظمات الصحية
تواجه إدارة المنظمات الصحية قائمة طويلة من التحديات، وان
الأهمية النسبية لكل من تحديات المستشفى تتباين كثيراً من مستشفى إلى أخر
أو من وحدة داخل المستشفى إلى أخرى تبعاً لعوامل كثيرة مثل حجم المستشفى
وبيئتها ومجال تخصصها. ويمكن تلخيص التحديات المشتركة التي تواجها إدارات
المستشفيات في كل أنحاء العالم بما يأتي(Detels,1997:343):
1- التغير في البيئة.
وتعني التغير في البيئة المادية التي يوجد فيها المستشفى، وتؤثر في
المستشفى بصورة مباشرة وغير مباشرة، فمثلاً زيادة التلوث يسبب زيادة في
أمراض معينة كالربو..من جانب، كما أن ارتفاع تكاليف إدارة البيئة تؤثر في
كلفة الرعاية الصحية، وهذا يعني أن الموارد الخاصة بالرعاية المباشرة
للمريض ستقل..من جانب آخر. فعلى سبيل المثال فان تنظيم التخلص من مخلفات
ونفايات المستشفى بصورة غير ضارة بالبيئة يتطلب كلفاً إضافية. فضلاً عن
عوامل بيئية أخرى تتمثل بالتغير في القوانين واللوائح الصحية، فضلاً عن
الضغوط المالية المتنوعة ومحدودية الموارد.
2- التغير في التركيبة العمرية للسكان.
ازدياد أعداد المعمرين نتيجة التطور والاستمرار بالبحوث الطبية التي أدت
إلى زيادة المعدل والمدى للأمراض التي يمكن معالجتها، والسيطرة إلى حدٍ
ما على الأسباب الفسلجية للموت المبكر، مما أدى إلى ازدياد أشكال وحالات
الأمراض المزمنة كالضغط والسكر..الخ والمتزامنة مع التغير في التركيبة
العمرية للمجتمع، مما دفع إلى أن يكون مراجع الخدمة الصحية مستهلكاً
للخدمة اكثر من كونه زبوناً، مما يضيف تحدياً آخر لإدارة المستشفى.
3- التطورات التقنية والتكنولوجية.
زيادة البحوث والابتكارات والتقنيات أدت إلى ظهور مبتكرات تكنولوجية
جديدة في خدمات معينة كجراحة الناظور مثلاً، وتكون مثل هذه المبتكرات
التكنولوجية بمثابة تهديدات للمستشفيات المبتعدة عنها، وفرصاً للمستشفيات
التي تحاول إن تتعشق معها. كما ان هذه البحوث والتطورات لا تقف عند حد
معين مما يسبب تحدياً كبيراً للمستشفيات إذْ تتولد الحاجة إلى اتخاذ
القرارات حول تقليص أو إلغاء بعض الخدمات الحالية، أو حول كيفية توزيع
الموارد المالية على الخدمات الحالية والجديدة، وكذلك الحاجة إلى ملاك
اكثر تدريباً واكثر دافعية للعمل، فضلاً عن أن التطورات التكنولوجية
والمصحوبة بدخول الحوسبة والحاجة إلى بيانات ومعلومات مواكبة للتطور،
برزت أهمية إيجاد نظام للاتصالات داخل وخارج المستشفى وبكفاءة وفاعلية
اكثر من السابق.
4- زيادة وتباين توقعات المرضى والجمهور.
زيادة الوعي واتساع مدارك الجمهور بطبيعة عمل المستشفيات ومنتسبيها نتيجة
لزيادة المعرفة والثقافة العامة للمجتمع، فضلاً عن تعدد مصادر المعرفة
مثل المجلات الطبية والصحف وبرامج التلفزيون والانترنيت..الخ، كل ذلك أدى
إلى زيادة في توقعات الأفراد مصحوبة برغبة في الشكوى، فهم يريدون
المشاركة في القرارات المتعلقة بكيفية علاجهم ومعرفة الخيارات والبدائل
المتاحة لخطوات العلاج، ويرغبون في المشاركة في وضع وتشذيب اللوائح
الصحية، مما قوى الحاجة للانتباه اكثر للصورة التي تريد أن تكون عليها
المستشفى.
كما ان زيادة التوقعات لدى المرضى والجمهور يتطلب تقديم خدمة صحية ذات
نوعية أعلى لملاقاة تلك التوقعات، هذا فضلاً عن زيادة الخيارات المتاحة
لدى المرضى والتغير في التركيبة المكانية للسوق الصحي، برزت الحاجة لتبني
فلسفة ذات رؤية تنافسية اكثر والبحث عن تلك الميزات التنافسية التي تميز
المستشفى من غيرها.
5- زيادة معدلات الإصابة والانتشار Incidence & Prevalence لأمراض معينة.
زيادة أشكال الأمراض المزمنة Chronic diseases المتزامنة مع التغير في
التركيبة العمرية للسكان والمذكورة في الفقرة (2) آنفاً، وازدياد عادات
صحية سيئة كالتدخين واحتساء الكحول أدى إلى زيادة في الأشكال الحادة
للأمراض Acute cases كأمراض القلب والشرايين. وان كل ذلك يتطلب العمل
بكفاءة أكثر لمواجهة هذه الزيادة في الطلب على الخدمة الصحية، فضلاً عن
الحاجة لتقليل الكلف المتأتية عن تصحيح الأشياء الخاطئة والعمل ضمن مفهوم
التلف الصفري Zero defect، مما يشكل تحدياً قوياً أخراً لإدارة المستشفى،
فضلاً عن انتشار أمراض لم تكن موجودة من قبل كالإيدز، مما يشكل تحدياً
مضافاً يتمثل في فحص كل قناني الدم وقبل إعطائها للمرضى للتحري عن فيروس
العوز المناعي Human Immune Virus، أو التأكد من أن تلك القناني قد تم
فحصها مختبرياً، فضلاً عن اتخاذ سلسلة من الإجراءات الوقائية كالتعقيم
والكفوف الجراحية المزدوجة Double gloves technique عند إجراء التداخلات
الجراحية.
مفهوم التسويق الصحي
تعرض معنى التسويق الصحي لسوء فهم كبير من قبل مديري المنظمات
الصحية وكان ينظر إليه كصورة موسعة أو معظمة للعلاقات العامة، ولهذا
السبب فان العلاقات العامة في بعض المنظمات الصحية في أمريكا قبل منتصف
الثمانينات قد حملت وبصورة غير صحيحة مسؤولية التسويق (Kotler, 1987:4)،
وهذا ما كان معمولاً به عندما كان يعرّف التسويق الصحي على انه البيع
والإعلان والترويج للخدمات الصحية.
والبعض الآخر كان ينظر إلى التسويق الصحي على انه (التخطيط)،
وبالرغم من أن الأنشطة التخطيطية تتضمن جمع البيانات عن مجتمع
المستشفيات وتحليلها، وبصورة مشابهة إلى حدٍ ما لأحد الأنشطة الضرورية
للتسويق الصحي الجيد، إلا أن التخطيط هنا مقتصر على البيئة الداخلية
للمستشفى فقط ولايمكن أن يطابق التركيب الحقيقي للتسويق الصحي لأنه يشمل
التخطيط خارج وداخل المنظمة الصحية معاً.
هذه النظرة للتسويق غير مثيرة للدهشة إلى حدٍ ما، لأن اكثر جزء
مرئي من التسويق ظاهر هو الترويج، ففي أمريكا فوجئ كثير من مديري
المنظمات الصحية لما كانوا يعتقدونه في السابق عندما اخبروا بان التسويق
الصحي لا يعني البيع(Kotler,1987:4) ، وما البيع سوى قمة صغيرة لجبل
التسويق الكبير، وان التسويق يعتمد أساساً على تقديم القيم و تبادلها مع
الأطراف المختلفة لتسهيل عملية التعاون فيما بينهم، أي بمعنى الاعتماد
على الآلية التبادلية لتحقيق أهداف طرفي التبادل، فرجل التسويق المتخصص
هو ذلك الرجل الماهر في فهم وتخطيط و إدارة عمليات التبادل، ورجال
التسويق يعرفون كيف يبحثون ويفهمون حاجات الطرف الآخر لتصميم قيمة
لملاقاة هذه الحاجات والاتصال لتقديمها بفاعلية وفي الوقت والمكان
المناسبين.
على أية حال ان سوء الفهم هذا لا يزال موجوداً حول ماهية التسويق
الصحي، وحول ماذا يتضمن التسويق الصحي وكيف يمكنه في الجانب العملي من
المساهمة في مواجهة تحديات الإدارة على مستوى جانب الكفاءة التشغيلية
اليومية من ناحية، وعلى مستوى الحاجة للتطوير البعيد الأمد من ناحية
أخرى.
فقد عرف Kotler التسويق الصحي على انه: التحليل والتخطيط والتنفيذ
والرقابة على البرامج المعدة بدقة نحو تحقيق قيمة تبادلية اختيارية
(طوعية) مع الأسواق المستهدفة بهدف بلوغ ما تسعى إليه المنظمات الصحية من
أهداف، ومعتمدة في ذلك على ملاقاة حاجات تلك الأسواق المستهدفة ورغباتها،
ومن خلال الاستخدام الفاعل للتسعير والاتصالات والتوزيع، من اجل إعلام
السوق وإيجاد الدافع لدى الأفراد وخدمتهم (Kotler, 1987: 5).
وهناك كثير من القضايا التي يمكن ملاحظتها من خلال هذا
التعريف:
أولاً: التسويق عرف كوظيفة إدارية تتضمن التحليل والتخطيط والتنفيذ
والرقابة، كما أكد هذا الاتجاه كل من Robin Lowe & Colin Gilligan إذْ
أشارا إلى أن التسويق الصحي هو عملية من أربع مراحل هي(Gilligan,
1995:22) :
1-المرحلة الأولى: (أين نحن الآن) وهي مرحلة تحليل وفهم عميق لكل من:
آ- البيئة.
ب- حاجات وتوقعات المرضى والجمهور.
ج- المنافسة (ماذا تفعل المستشفيات الأخرى وماذا يمكن أن
نقتبس ونتعلم منها).
2-المرحلة الثانية: التخطيط
آ- بحث ومسح حاجات المرضى الحالية والمستقبلية.
ب- وضع الأهداف والمعايير.
ج- تقييم قابلية المستشفى.
3-المرحلة الثالثة: التقييم والتنفيذ (كيف سنصل إلى هناك)
آ- إدارة المزيج التسويقي الصحي.
ب- تسويق الخطة داخلياً (داخل المستشفى).
ج- تطوير العلاقات مع الجمهور.
4-المرحلة الرابعة: التغذية العكسية والرقابة (كيف نتحقق من أن الخطة
تسير بالشكل الصحيح)
آ- بناء وتطوير الاختبارات والموازنات.
ب- مراقبة التطور.
ج- إجراء العمليات التصحيحية (تعديل الأخطاء والانحرافات إن
وجدت).
ثانياً: يحدد التسويق الصحي بإنشاء البرامج المعدة بدقة لتحقيق
الاستجابات المرغوبة للأسواق دون الاقتصار على تلك الأنشطة التلقائية أو
الآنية فحسب. فالتسويق ومن خلال برامج وخطط مصاغة بموضوعية ودقة يساعد
المنظمات الصحية بصورة كبيرة في مجال فاعليتها وهذه الفاعلية تنعكس في
الدرجة التي تتعامل بها مع المساهمات الآتية(Kotler,1987:32) :
1- فلسفة الزبون: التسويق يُعّرِف الإدارة بأولويات السوق وحاجات الزبون
ورغباته وانعكاسات ذلك كله على تشذيب خطط المنظمة وعملياتها.
2- التكامل التسويقي للمنظمة: التسويق يجعل المنظمة تجاهد في تحليل السوق
والتخطيط والتنفيذ والرقابة بصورة متكاملة.
3- معلومات تسويقية دقيقة: يوفر التسويق المعلومات اللازمة وبالنوعية
والكمية المناسبة لتنفيذ تسويق فاعل.
4- توجه استراتيجي: مساهمة التسويق في توليد استراتيجيات وخطط مبتكرة
لتنفيذ أهداف المنظمات الصحية طويلة الأمد.
5- الكفاءة التشغيلية: اختيار الأنشطة التسويقية والتعامل معها على وفق
منظور (الكلفة-الفاعلية).
ثالثاً: يبحث التسويق في جلب تبادل اختياري (طوعي)، فرجال التسويق يبحثون
عن استجابة الطرف الآخر، ولكن ليست تلك الاستجابة التي يُحصَل عليها بطرق
قسرية وبأي سعر كان، فالتسويق الصحي يحمل فلسفة مناقضة للقوة Power، إذ
أن رجال التسويق في المستشفى يبحثون في تكوين حزمة من المنافع للسوق
المستهدف من خلال الجذب الكفوء والتبادل الطوعي بين المنفعة والكلفة التي
يتحملها الطرفان المتبادلان (المستشفى والسوق).
رابعاً: يعنى التسويق الصحي باختيار السوق المستهدف Target Market اكثر
مما يعمل في سوق شامل، ليتمكن اكثر من خدمة ذلك السوق المستهدف، والعمل
على وفق هذا المنظور يحقق جملة من الفوائد أهمها:
آ- جعل المنظمة الصحية في موقف افضل لاكتشاف الفرص التسويقية لأن تجزئة
السوق Market Segmentation تعني البحث عن الحاجات المستجدة وليس التعامل
مع ما هو سائد من حاجات.
ب- جعل المنظمة اكثر تطابقاً لما تقدمه من خدمات مع حاجات تلك الأسواق
المستهدفة.
ج- جعل المنظمة الصحية اكثر دقة في استخدامها لعناصر المزيج التسويقي
وخاصة فيما يتعلق بضبط الأسعار للخدمات الصحية المقدمة.
خامساً: الغرض من التسويق هو مساعدة المنظمات الصحية في تحقيق أهدافها في
البقاء والاستمرار، وتزويدها بالمرونة اللازمة للعمل في بيئة متغيرة من
خلال خدمة أسواقها بصورة اكثر فاعلية. ففي منظمات الأعمال يكون الهدف
الرئيسي هو الربح بينما في المنظمات الصحية ربما تسود أهداف أخرى غير
مرتبطة بالربح، مثل تحسين مستوى نوعية وتوزيع الخدمات الصحية، أو أهداف
أخرى ترتبط ببرامج معينة تروم بها المستشفيات خدمة مجتمعات مستهدفة، ففي
برامج التحصين يتم إعطاء اللقاحات للأطفال المستفيدين منها مجاناً، وفي
برامج رعاية الحوامل والأطفال دون الخامسة من العمر الذين يعانون من سوء
التغذية يتم تزويدهم بغذاء عالي البروتين High protein dietمجاناً
أيضاً …إلا أن ذلك لا ينفي بان العديد من المنظمات الصحية تبحث عن تحقيق
الربح أيضا (والذي يطلق عليه فـي المنظمـات الصحية الفائض Surplus أو
العائد return) لضمان المرونة المالية اللازمة للبقاء والاستمرار للمنظمة
الصحية. فالمنظمات الصحية هي منظمات أعمال والربح جزء من أهدافها إلا انه
ليس هدفاً رئيساً.
سادساً: يعتمد التسويق في تصميم خدمات المنظمة الصحية على وفق حاجات
ورغبات الأسواق المستهدفة اكثر من تلك الصيغ المرتبطة بأذواق البيع
الشخصي، فالتسويق الفاعل موجه نحو المستهلك (المرضى والمستفيدون)
Consumer-oriented وليس نحو البائع (المستشفى)، والمنظمات الصحية التي
تصمم خدماتها من دون الاتصال بأسواقها قبل التصميم غالباً ما تجد نفسها
بمرور الوقت مع عدد قليل من الزبائن، فالتسويق يبدأ قبل الإنتاج بمدى
طويل ويستمر خلاله وبعده.. ومن ثم إلى ما بعد الاستهلاك أيضاً.
سابعاً: يستخدم التسويق ويعتمد على مجموعة من الأدوات تسمى المزيج
التسويقي Marketing Mix وهي: (تصميم المنتَج/
الخدمة،التسعير،الاتصالات(الترويج)،والتوزيع(المكان)) ويعرف هذا المزيج
التسويقي بصيغ (4Ps) Product, Price, Promotion, Place وفيما يأتي توضيح
مختصر لعناصر المزيج التسويقي في المستشفى(Roberts,
1989:13):
1- المنتَج: ويمثل تلك السلع و الخدمات التي تقدمها المستشفى لسوقها مثل:
الخدمات الجراحية، خدمات التوليد، خدمات الأسنان، الفحوص المختبرية..الخ.
2- السعر: هو مقدار ما يدفعه المريض من نقد و يمثل مدى تقويمه (مقياس
للقيمة) للمنافع التي يحصل عليها من تلك الخدمة. وينظر إليه من قبل
المنظمات الصحية وفقاً لصيغ الكلفة وأسعار الخدمات المنافسة و الأهداف
التي يسعى المستشفى إلى تحقيقها، فضلاً عن أساليب دفع الأجور والأمانات
وتكييف هذه الأساليب وجعلها ملائمة لخدمات معينة مثل الطوارئ.
والفرق في التسعير بين المنظمات الهادفة وغير الهادفة للربح
كالمستشفيات هو أن الأولى تسعر لتعظيم الأرباح، بينما الثانية تسعر
بمستوى معين معتمدة أساساً على حاجات الزبائن وقابليتهم للدفع(Assael,
1998: 5.26) .
3- المكان(التوزيع): ويصف الموقع الجغرافي والطريقة التي تقدم فيها خدمات
المستشفى (خدمات ثابتة داخل المستشفى، وحدات متنقلة، برامج العناية
المنضمة لطلاب المدارس، الوحدات الجوالة وحملات اللقاحات..الخ).
4- الترويج: وهو عنصر الاتصال بالجمهور، وبالنسبة إلى المستشفى يمثل
العلاقات العامة والعلاقات مع المجتمع والإعلان وتثقيف المرضى وترويج
الخدمة الصحية والبيع الشخصي…الخ.
إلا أن البعض يؤكد أن المزيج التسويقي في المستشفيات على اعتبار
أن المنتَج خدمة Service، يتضمن سبعة عناصر من ضمنها الأربعة المتقدم
ذكرها، والعناصر الثلاثة المضافة هي: العمليات Process ، والأفراد (مقدمي
الخدمة) People، والإظهار المادي أو الأوجه المادية للخدمة Physical
Evidence or Physical Aspects (Gilligan,1995:26).
5- فالعمليات: يقصد بها كل الأنشطة والأفعال التي تؤدى في أثناء تقديم
الخدمة و إدارة التفاعل بين مقدم الخدمة ومستقبلها.
6- والأفراد (مقدمي الخدمة في المستشفى): هم مجموع الأفراد المشاركين في
تقديم الخدمة للمستفيدين، والمؤثرين على مدى تقبل المستفيد للخدمة الصحية
(كالأطباء،الإدارة،الملاك التمريضي،العاملين) فعليهم تقع مسؤولية خلق
الرضا عن الخدمة وخلق الثقة فيها، ومن ثم السعي لخلق الولاء للمستشفى.
7- الإظهار المادي: كل الرموز المادية المستخدمة في عملية الاتصال
والإنتاج للخدمة الصحية إذْ أن السمة الأساسية للخدمة الصحية أنها غير
ملموسة، لذلك يحصل تردد في قبول الخدمة عادةً، ولذلك فان التسويق يعمل
قدر المستطاع لكي يجعل الخدمة قريبة لأن تكون مُظهَرة مادياً، ويتم ذلك
من خلال التعريف بالأدوات والمعدات المستخدمة في تقديم الخدمة الصحية.
التطور الفكري للتسويق
مر التسويق كوظيفة إنسانية واجتماعية بمراحل مختلفة، عكست كل
واحدة منها مرحلة تاريخية تعبر عن طبيعة الظروف الحياتية التي كان يعيشها
الإنسان سواءً أكانت تلك الظروف حضارية أم اقتصادية أم سكانية أم
تكنولوجية …الخ، وقد انعكست هذه المؤثرات على سيادة مفاهيم في التعامل ما
بين المنظمات على اختلاف اختصاصاتها و المجتمع الذي تتعامل معه.
أحياناً يعرف التسويق بأنه الجهود الواعية لتحقيق التبادلات
المرغوبة مع الأسواق المستهدفة (Kotler,1997:17). ولكن ما الفلسفة التي
يجب أن تكون دليلاً لهذه الجهود التسويقية، وما الأوزان النسبية التي يجب
أن تعطى لكل من اهتمامات المنظمة (الزبائن، المجتمع، الإنتاج، الأرباح)،
وما اوجه الصراع بين هذه الاهتمامات، وعلى أي حال فان الأنشطة التسويقية
يجب أن تنفذ من خلال فلسفة معمقة لكل من الكفاءة والفاعلية والمسؤولية
الاجتماعية.
وهناك اكثر من رأي أو تصنيف في التوجهات الإدارية للمنظمات شكلت
ثورة في النشاط الذي يمارسه التسويق في المنظمات خلال القرن الماضي،
وهناك خمسة مفاهيم يمكن للمنظمات من خلالها أن تختار الطريقة التي تتعامل
بها مع أنشطتها التسويقية وهي مفهوم الإنتاج، مفهوم المنتَج، المفهوم
البيعي، المفهوم التسويقي، والمفهوم الاجتماعي للتسويق (Kotler,
1997:17).
بينما يرى Pride أن هذه المفاهيم ومراحلها التاريخية تتحدد في ثلاث
مراحل كما يتضح من الشكل (1):
التوجه التسويقي التوجه نحو المبيعات
التوجه الإنتاجي
2000م 1950م
1900م 1850م
الشكل (1)
مراحل مفهوم التسويق
Pride & Ferrell, 2000:11 Source:
والمستشفيات شأنها شأن بقية منظمات الإعمال ممكن أن تكون متبنية
واحدة من التوجهات الإدارية المتقدم ذكرها. إلا أن كل من Payne 1988 &
Levitt 1960 ناقشا بان التوجهات الثلاثة الأولى: الإنتاج، المنتَج، البيع
هي اقل مستوى وأدنى من التوجه التسويقي Journal of Health Care)
(Management,1998:230.
أولاً: التوجه نحو الإنتاج Production
Orientation
تركز بعض المستشفيات في استمرارية عملية الإنتاج، التي يجب أن تتم
بسلاسة واستمرارية حتى إذا تم تجاهل حاجات الزبون لغرض ملاقاة متطلبات
العملية الإنتاجية، والرأي المرتبط بهذا التوجه ينص على الآتي: الطريقة
الوحيدة لتحسين ربحية المستشفى تتم عن طريق تقليل كلف الإنتاج و التسويق
(Journal of H.C.M, 1998:230).
وان هذا التوجه يقود المستشفى إلى أن يتعامل مع المرضى بمدخل كمي
(يتعامل معهم كعدد) في حين يفترض أن يتم الاهتمام بكل مريض بصورة منفردة
Individualized care.
وكمثال على هذا التوجه موجود فـي مستشـفى مدينة نيويورك New York
City Hospital إذْ يتم إعطاء مواعيد لمرضى العيادة الخارجية للعيون أما
في الساعة التاسعة صباحاً أو الواحدة ظهراً (يتم إعطاء المواعيد للمرضى
من دون مراعاة الجدولة الزمنية)، وبذلك سوف يقضي كثير من المرضى وقتاً
طويلاً في غرف الانتظار، حتى يضطر الأطباء إلى مضاعفة قدرتهم في فحص
المرضى (تقليل الوقت الضائع في أثناء الفحص ليتم بسرعة اكبر بما يوافق
استمرار العملية الإنتاجية حتى لو تم تجاهل حاجات المرضى).
ثانياً: التوجه نحو المنتَج Product
Orientation
أشار Levitt إلى أن كثيراً من المنظمات الصحية لا تخدم أسواقها
بدقة بسبب أن إداراتها متجهة نحو المنتَج، فالعديد من المنظمات لديها
التزام قوي بمنتجاتها وقيمتها حتى لو كان الزبائن يأتون في الدرجة
الثانية في فلسفة وأفكار تلك المنظمات. فالتوجه نحو المنتَج يقول: نحن
المجهزون ونحن نعرف ما هو الأفضل لك We are the providers and we know
what is good for you. فمثلاً وعلى الرغم من أن نصف نساء ميامي في دراسة
مسحية تبين لديهن كره شديد لصالات الولادة الجماعية، إلا أن بعض مستشفيات
ميامي مستمرة في الترويج عن مثل هذه الخدمات (Journal of H.C.M, 1998:
230)، لإيمانها بقيمة وجودة منتجاتها نتيجة توجهها بالمنتَج وليس
بالتسويق، فهي لا تدرك أصلاً بان منتجاتها الملتزمة بها بشدة أصبحت لا
تلبي حاجات ورغبات السوق. ولذلك فان التوجه نحو المنتَج يقود البعض إلى
اتهام التسويق بقصر النظر Marketing Myopia من خلال تركيزه على المنتَج
اكثر من حاجات الزبائن.
ولا غرابة في أن النتيجة المعتادة لمثل هكذا توجه هو الهبوط
والانكماش بدلاً من النمو، إذْ أن هذا التوجه يجد بان الاتصال واختيار
الأماكن المناسبة للتوزيع لملاقاة حاجات المستهلكين هي أشياء غير ضرورية!
كما إن تلك المنظمات التي تعشق منتجاتها ومؤمنة بقيمتها تقاوم بشدة تحوير
منتجاتها وتطويرها، ويجسد Kotler هذا التوجه بالمقولة الآتية: نحن نعرف
افضل منك ما هو الأفضل لك We know better than you what is good
for you (Kotler, 1987:29).
ثالثاً: التوجه نحو المبيعات Sales Orientation
تؤمن بعض المنظمات الصحية بأنها تستطيع زيادة حصتها السوقية
Market share من خلال زيادة الجهود البيعية اكثر من إيمانها بتغيير هذه
المنتَجات لجعلها اكثر جاذبية، وان مثل هذه المنظمات تزيد من ميزانية
الإعلان والبيع الشخصي والأشكال الأخرى من الترويج، وان هذا التوجه ربما
يوفر عدد اكبر من المرضى في الأمد القريب ولكن لا يضمن توفير مثل هذا
العدد في المستقبل البعيد. فالتوجه نحو المبيعات يعتمد على فلسفة إجراء
حملات ترويحية وإعلانية في السوق الخارجي وبالسرعة الممكنة، وعندما يتحسن
الطلب تطور تلك المنظمات عند ذاك استراتيجيتها لملاقاة هذا الطلب
(Journal of H.C.M,1998:230)، والبعض الآخر من المنظمات الصحية تتبنى
توجهاً نحو المبيعات من خلال تحقيق عدد كبير من التعهدات والعقود تاركة
الملاك التشغيلي للتعامل مع حالة إيجاد الموارد اللازمة لتقديم مثل تلك
الخدمات عندما يزداد الطلب. ويفترض هذا التوجه بان المهمة الرئيسة
للمنظمة هو تحفيز اهتمام مرضى المستشفى المحتملين على الخدمات والمنتَجات
الموجودة حالياً في المستشفى (Kotler,1987:30).
رابعاً: التوجه
التسويقي
Marketing Orientation
أدبيات الرعاية الصحية أشارت إلى أن تبني التوجه التسويقي هو الشيء
الأفضل للمستشــفيات Kotler 75, Kotler&Clarke 87, Narver&Slater 89
(Journal of H.C.M,1998:231). فالتوجه التسويقي يختلف كثيراً عن التوجه
نحو الإنتاج، المنتَج، المبيعات. فبعض المنظمات الصحية اكتشفت أن الطريقة
الحقيقية للنجاح لا تكمن في التركيز على الإنتاج أو المنتَج أو المبيعات،
ولكن في ملاقاة حاجات ورغبات الزبائن المتغيرة، وتعرفت تلك المنظمات
الصحية على حقيقة أن كل من الإنتاج والمنتَج والمبيعات ما هي إلا وسائل
لتقديم الرضا إلى الأسواق المستهدفة.
وقد عُرِفَ التوجه التسويقي على انه ذلك التوجه الذي تكون فيه
المهمة الرئيسية للمنظمة الصحية هي تحديد حاجات الأسواق المستهدفة
ورغباتها، وإشباع تلك الحاجات والرغبات من خلال تصميم المنتَجات،
الاتصالات، التسعير، وتسليم المنتَجات و الخدمات المنافسة والمناسبة
(Kotler, 1987:31).
ولا شك في أن التوجه التسويقي المستند إلى هذا التعريف يتطلب ما يأتي:
1- معرفة إدارة المنظمة الصحية بأولويات حاجات الزبائن ورغباتهم و أثرها
في تشذيب خطط المنظمة وعملياتها المختلفة، واستخدام بحوث التسويق للحصول
على المعلومات اللازمة لتحديد حاجات الأسواق المستهدفة الحاضرة
والمستقبلية.
2- تطوير مزيج خدمة جديد ملائم للسوق المستهدف، وتقليص أو إلغاء تلك
الخدمات التي لم تعد ملبية للحاجات.
3- تطوير الأنشطة الترويجية (العلاقات العامة، الإعلان، ترويج المبيعات،
البيع الشخصي) للاتصال مع السوق المستهدف.
4- تطوير استراتيجية تسعير ملائمة للخدمات الصحية التي من شأنها أن تكون
منافسة ومقبولة ومفضلة لدى المستفيدين منها.
5- تطوير وابتكار استراتيجية توزيع كفوءة للخدمات الصحية.
وقد لاحظ Cooper ان التسويق الصحي في الجانب العملي في المستشفيات
يترجم ويفسر بصورة ضيقة ويصبح مقتصراً ومرادفاً للترويج، في حين أن
التوجه التسويقي يركز في ملاقاة حاجات الزبون المتغيرة وإضافة خصائص
للخدمة كاستجابة لذلك(Journal of H.C.M,1998:230). وعليه فان التوجه
التسويقي في واقعه وأهدافه موجه أساساً نحو المستهلك Consumer-oriented
باعتبار أن المستهلك هو محور العملية التسويقية ومحركها الرئيسي.
وإذا كان المفهوم البيعي آنف الذكر يركز في حاجات البائع Seller’s needs
فان المفهوم التسويقي يركز في حاجات المشتري Buyers’ needs (إدريس،1996 :
71).
ويتمثل التوجه التسويقي في المستشفى من خلال الاستجابة الرقيقة
لموظف الاستعلامات بدءاً، ومساعدة مختلف العاملين في حل مشكلة المريض
انتهاءً، من حيث أن العاملين في هذا التوجه سيعملون كفريق عمل واحد Team
work.
خامسا: التوجه الاجتماعي للتسويق Societal Marketing
Orientation
تمتلك المنظمات الصحية أهدافاً رئيسة متمثلة بالجانب الإنساني
والفلسفي والتنظيمي وتعتمد أساساً على حاجات الإنسان، فضلاً عن أن
الطبيعة القدسية لمهنة الطب جعلت أنصار هذا التوجه الحديث والمتنامي في
وقتنا الحاضر إلى اعتبار أن التسويق نشاط فاعل ومؤثر، ينبغي أن يؤدي
دوراً ريادياً في عملية رفع مستوى رفاهية الأفراد في المجتمع، فمن
الطبيعي أن النشاط التسويقي من خلال توفيره للسلع والخدمات يقدم مردودات
إيجابية للمستهلك مثل إشباع حاجاته وتحقيق رضاه وسعادته.
ويعرف التوجه الاجتماعي للتسويق على انه: الأفكار التي يؤمن بها
رجال التسويق والمنعكسة آثارها على الأنشطة التي يزاولونها والمنصبة نحو
تحقيق الصالح العام للمجتمع، ودون تقيدها بفئة معينة من الأفراد (البكري،
2000: 97).
فرجال التسويق ينظرون إلى التوجه الاجتماعي بأنه عبارة عن
مسؤولياتهم في تبني حاجات ورغبات الزبون واهتمامات المجتمع، و أخذها
جميعا بالحسبان عند اتخاذ قراراتهم.
وان التوجه الاجتماعي للتسويق تتجاوز أبعاده مدى النشاطات التي تمارس ضمن
المنظمة على وفق التصور التقليدي للتسويق، إذ انه يتكامل مع المجتمع
بوصفه جزءاً منه.
ولكن التوجه الاجتماعي للتسويق يشكل أحياناً مشكلة للمنظمات الصحية
ذات التوجه التسويقي، والملتزمة بإرضاء حاجات الأسواق ورغباتها، ولعل
المشكلة تكمن في أن ما يحتاج إليه السوق ربما هو ما لا يرغب فيه، وما
يحتاج إليه المريض من المستشفى (علاج) هو عادة شيء معقول يتضمن نوعية
رعاية جيدة، في حين أن بحوث التسويق أظهرت في السنين الماضية بان مرضى
المستشفيات يرغبون (رغبات) في أمنيات متنوعة غير مرتبطة بالحاجة المعقولة
التي هي نوعية رعاية جيدة (Kotler,1987: 31). فهم يريدون إضافة إلى
العلاج، ابتسامة الملاك الطبي، وعطف الممرضات وحنانهن، وخيارات عريضة في
أنواع الأطعمة في وجباتهم الغذائية، واستجابة سريعة لنداءاتهم، بل
ويرغبون في أجهزة تلفاز ملونة في غرفهم، وعلى أية حال فان المستشفيات يجب
أن تلاقي حاجات السوق ومستوى معين من رغبات السوق معاً، شأنها شأن منظمات
الأعمال الأخرى مثل شركات الطيران التي توفر حاجة الأمان في النقل،
ولكنها توفر رغبات المسافرين المتمثلة في الخدمات المختلفة في أثناء
الرحلة كالطعام والشراب والنظافة أيضاً.
وهناك مشكلة مضافة أخرى في المنظمات الصحية تكمن في أن هناك رغبات
لا يمكن إشباعها، لتعارضها مع سلامة صحة المريض أو لتعارضها مع اهتمامات
المجتمع مثل (رغبة المريض بالتدخين). كما أن هناك حاجات لا يدركها المرضى
مـثل (الحــاجة إلى غـذاء متوازن داخل المستشفى) (Kotler, 1997: 27). وفي
كل من الحالات المتقدم ذكرها فان المستشفيات بتطبيقها المفهوم الاجتماعي
للتسويق تضغط وتكبت على بعض رغبات وحاجات المريض من اجل مصلحته.
ويفترض التوجه الاجتماعي للتسويق بان مهمة المنظمة هي تحديد حاجات
ورغبات واهتمامات الأسواق المستهدفة، وتقديم الرضا المرغوب بصورة اكثر
كفاءة وفاعلية من المنافسين، بالطريقة التي من شأنها أن تدعم المستهلك
والمجتمع وتحقق الرفاهية لهما(Kotler, 1997:27). وتجدر الإشارة إلى أن
مفهوم التوجه الاجتماعي للتسويق يتوجب فيه الموازنة بين ثلاثة معايير
أساسية (البكري، 2000: 98) هي:
1- حاجات ورغبات المستهلكين.
2- تحقيق الأرباح.
3- مراعاة مصلحة ورفاهية المجتمع. يوضحها الشكل (2).
المجتمع(سعادة الأفراد)
المنظمة (تحقيق الأرباح)
المستهلك (إشباع الحاجات)
الشكل (2)
أبعاد المفهوم الاجتماعي للتسويق
المصدر: البكري، 2000: 99
حصانة المريض Patient Charter
وفي هذه المرحلة من مراحل الفكر التسويقي (التوجه الاجتماعي
للتسويق ) ظهرت حقوق المستهلك، وأُسست جمعيات حماية المستهلك، وفي مجال
القطاع الصحي برز ما يسمى بحصانة المريض، التي يُعتَقد بأنها تمثل التحول
الأساسي باتجاه سيادة المريض، فكل مريض وفقاً لهذه الحصانة يتمتع بالحقوق
الآتية (Glynn,1995: 232):
1- تلقي الخدمة الصحية على أساس الحاجة الطبية السريرية، وبغض النظر عن
الإمكانات المادية للمستهلك الصحي.
2- الحصول على الخدمات الطبية الطارئة في أي وقت، والتمتع بخدمة سيارات
الإسعاف وأقسام الطوارئ في المستشفى.
3- الإحالة إلى طبيب استشاري مقبول من قبل المريض، عندما يرى الطبيب
الممارس General Practitioner (GP) أن الإحالة ضرورية.
4- إعطاء المريض التفسير الواضح لكل معالجة طبية مقترحة، فضلاً عن توضيح
المخاطر المحتملة والبدائل العلاجية الممكنة، ومن ثم يقرر المريض قبول أو
رفض العلاج.
5- له حق الاطلاع على سجلاته الطبية (الطبلة مثلاً)، وله حق التأكد من أن
العاملين في المستشفى يحافظون على سرية معلومات تلك السجلات.
6- له الحق في قبول أو عدم قبول المشاركة في البحوث الطبية، أو تدريب
طلبة كلية الطب.
7- إعطاء معلومات تفصيلية عن الخدمات الصحية المحلية (المقدمة في
المستشفى)، تتضمن المعايير النوعية والحد الأقصى لطول فترة الانتظار.
8- في حالة ورود شكوى حول الخدمة الصحية المقدمة، أياً كان مقدم هذه
الخدمة فيجب أن تدقق ويستلم مقدم الشكوى إجابة سريعة تحريرية من مدير
المستشفى أو المدير العام للسلطة الصحية الإقليمية.
أهمية التسويق في المنظمات الصحية
يمثل التسويق أهمية كبيرة لأي مستشفى يريد أن يبقى ويزدهر،
فالمستشفيات اليوم بحاجة إلى مداخل فاعلة في إدارتها، و التسويق هو أحد
هذه الأدوات التي تجعل المستشفيات تحقق أهدافها بصورة اكثر كفاءة وفاعلية
وبأقل كلفة ممكنة و مشكلات محتملة، فالتطبيق السليم لمبادئ التسويق يمكن
أن يساهم مساهمة كبيرة في استخدام موارد المستشفى الاستخدام الأمثل،
فضلاً عن أن التسويق يجهز إدارة المستشفى بأسلوب علمي من شأنه أن يجعل
الخدمات الصحية المقدمة اكثر جاذبية، ومن ثم يمكن المستشفى من جذب
الملاكات الطبية والتمريضية التي هي بحاجة إليهم، كما أن التسويق يعرّف
المستشفى على أسواقها والتغيرات التي تطرأ فيها، فتستطيع بذلك تقدير حجم
الطلب على خدماتها وجعلها في موقف افضل في اكتشاف الفرص التسويقية الممكن
استغلالها، ويحسن إمكاناتها في إشباع حاجات ورغبات زبائنها، ويعزز قدرتها
في الاستجابة لمتطلبات واهتمامات المجتمع، وبالتالي تحقيق أهدافها العامة
في البقاء والاستمرار والتطور والنمو والمسؤولية الاجتماعية.
وتبرز أهمية التسويق في المستشفيات من خلال المزايا والفوائد
المتحققة في استخدامه ويمكن حصرها بالآتي (Kotler,1987 :26-27):
أولاً: تحسين الرضا في السوق المستهدف.
يعمل عدد كبير من المستشفيات في بيئة تنافسية معقدة، هذا فضلاً عن
افتقارها للمهارات التسويقية اللازمة لتطوير وتحسين الرضا عن الخدمات
المقدمة إلى أسواقها ومرضاها.
وهذا ما ينتج عنه نسبة قليلة في عملية تكرار البيع والاستخدام للخدمات
الصحية من قبل المرضى، كما أن بعض من المستشفيات تعمل في بيئة يكون فيها
الطلب على الخدمة الصحية اكثر من العرض (القدرة على التجهيز للخدمة)، وان
مثل هذه المستشفيات تفقد الدافعية لإرضاء أسواقها وربما تقوم بتقديم
خدمات غير مرضية، قد يتقبلها المرضى إذا ما اعتقدوا بعدم وجود البديل.
في حين أن التسويق وفي كل الأحوال يشدد على أهمية قياس رضا الزبون،
وتلبية حاجات ورغبات المرضى، ويتجه نحو تقديم تحسيناً مستمراً في خدمة
الزبائن ورضاهم.
ثانياً: تحسين كفاءة الأنشطة التسويقية.
يركز التسويق كثيراً في نمط الإدارة العقلانية (Rational Management)،
والتنسيق من اجــل تطوير المنتَج والتسعير والاتصالات والتوزيع، إذْ أن
كثيراً من المستشفيات غير المتجهة بالتسويق تضع قراراتها بمعرفة غير
كافية مما ينتج عنه أما زيادة في الكلف أو أثر ضعيف لخدمة ذات كلفة
معينة، وبسبب أن مخرجات المستشفيات تتأثر بكل الأنشطة المباشرة وغير
المباشرة المرتبطة بالخدمة الصحية، فان التسويق يجهز الإدارة بمدخل علمي
يجعلها تنفذ الحد الأعلى من الكفاءة والفاعلية في الأنشطة التسويقية
فضلاً عن التنسيق المستمر فيما بينها.
ثالثاً: تحسين جذب واستغلال الموارد التسويقية.
المنظمات الصحية ومن خلال استخدامها للتسويق كمفهوم وعملية إدارية، فأنها
ستجاهد في محاولة إرضاء زبائنها والأسواق الصحية التي تتعامل معها، لغرض
جذب الموارد المختلفة (كالأطباء، الملاك التمريضي، المستخدمين،
المعلومات، الأموال، دعم المجتمع..الخ).
رابعاً: جعل المنظمة الصحية أكثر تحسساً لحاجات المجتمع الصحية، من خلال
التصاقها بالجمهور، إذ أن عملية استقصاء أراء المرضى وقياس درجة رضاهم هي
من صلب عمل وظيفة التسويق، فهي العنصر الرئيس لعملية تسيير التغذية
العكسية Feed back بين المرضى والمنظمات الصحية وهذا ما يمّكن المستشفى
من إن يكون اكثر تحسساً إلى حالة المنافسة في السوق، مما يساعده على
تطوير خدماته بما يواكب التغييرات والتطورات الحاصلة في البيئة.
خامساً: تحسين صورة المستشفى وجعلها في وضع متميز ولائق في السوق الصحي،
فبإدخال مفهوم التسويق في عمل المستشفيات فان ذلك يجعلها تنغمس أو تتجه
كلياً بأفكارها نحو جميع الأفراد. مما يجعلها بوضع لائق ومتميز في السوق،
فضلاً عن سعيها للبحث عن تلك الميزات التنافسية التي تتمكن من خلالها
تقديم افضل الخدمات للمحتاجين إليها.
سادساً: تمكين المستشفيات من أن تكون مرضية اكثر للمرضى والأطباء وللملاك
التمريضي والمستخدمين عموماً، ومن ثم زيادة ولائهم للمستشفى.
سابعاً: إيجاد نظام تسويقي يمكن المستشفيات من أن تضع السياسة السعرية
المناسبة للخدمات الطبية والصحية التي تقدمها.
ثامناً: تمكين إدارة المستشفى من خلق أنظمة اكثر فاعلية في توزيع وتقديم
الخدمات، وإيصالها إلى المستفيدين منها.
الانتقادات والعوائق في تنفيذ التسويق الصحي
إن أي عمل مهما بلغت أهميته ممكن أن تكون له معوقاته ومحدداته
الخاصة به، ويمكن أن يتعرض إلى انتقادات، وان التسويق شأنه شأن وظائف
الأعمال الأخرى له معوقاته وانتقاداته، فضلاً عن أن كلمة
تسويقmarketing تمتلك معنى إضافياً توحي إليها الكلمة نفسها علاوة على
معناها الأصلي، وهذا المعنى المضاف غالباً ما ينظر إليه من خلال وجهات
النظر السلبية، فقد تعود الأفراد والفلاسفة منذ القدم أن ينظروا إلى
التجار ورجال الأعمال على انهم عناصر غير منتجة اجتماعياً، وانهم مولعين
بالربح فقط. وللأسف لا يزال البعض يسقط هذه النظرة السلبية على رجال
التسويق في الوقت الحاضر، على الرغم من دخول التسويق مراحل متقدمة في
مفهومه الفكري تمخضت عن ظهور التوجه الاجتماعي للتسويق.
وفيما يأتي عرض لأهم الانتقادات التي تعرض لها التسويق الصحي:
1- ينظر البعض إلى التسويق على انه مضيعة للأموال وسبب في هدرها، إذْ يرى
بعض المهتمين بالقطاع الصحي في أمريكا أن عملية أنفاق المنظمات الصحية
أموالاً على الأنشطة الترويجية هي عملية بغيضة وغير صحية(Kotler,
1987:21)، وان الأموال يجب أن تصرف على الأنشطة التشغيلية الأكثر تماساً
مع المرضى.
في حين أن رجال التسويق ينظرون إلى التسويق على انه استثمار بعيد
الأمد، ولا يشترط تحقيق عوائد آنية، وعلى المنظمات الصحية أن لا تنفق
أموالها على أي نشاط ما لم تتأكد من أن تلك النفقات تحقق عوائداً للمنظمة
الصحية (مالية، تكنولوجية، فائدة اجتماعية..الخ)، فضلاً عن أن الأنشطة
الترويجية الهادفة إلى تثقيف المجتمع وزيادة الوعي الصحي لديه، لا تشترط
تحقيق عائد مالي آني للمستشفى.
2- يعتقد البعض بان التسويق ممكن أن يقلل من مستوى نوعية الخدمة الصحية
المقدمة، وهذا الاعتقاد نشأ بسبب الخوف من أن تقوم المنظمات الصحية
بالترويج والإعلان عن معلومات غير دقيقة عن خدماتها أو عن إمكاناتها
الحقيقية المتاحة، مما يسبب تفاوتاً بين نوعية الخدمة المتوقعة ونوعية
الخدمة المدركة (النوعية=الإدراك-التوقع).
في حين أن وظيفة التسويق المتخصصة والتي تقوم بالترويج عن
خدماتها، فأنها من الطبيعي أن تقوم بمتابعة مصداقية وملائمة خدماتها
المقدمة والمروج عنها.
3- يرى البعض أن النشاط التسويقي هو نشاط طفيلي Intrusive (متطفل على
حياة الناس)، وهذا ما تثيره وظيفة بحوث التسويق التي تتطلب استقصاء آراء
الناس والتدخل في حياتهم وسؤالهم عمّا يرغبون فيه وما لا يرغبون فيه.
وفي حقيقة الأمر أن وظائف بحوث التسويق في كل منظمات الأعمال
الأخرى غير الصحية تتضمن نوعاً من أنواع التطفل، إلا انه في وظيفة
التسويق الصحي قد ترتبط اكثر بخصوصيات الناس وأسرارهم، مثل قيام أحد
المستشفيات على سبيل المثال ببحث تسويقي يتطلب سؤال النساء أسئلة تتعلق
بحبوب منع الحمل Contraceptives، أو عن عدد حالات الإجهاض الولادية
السابقة، أو سؤال الأفراد عن مشكلاتهم المتأتية من احتسائهم الكحول…الخ.
4- ينظر البعض إلى التسويق على انه يدفع المنظمات الصحية إلى التنافس.
يفترض هذا التصور ان المستشفيات يجب أن تعمل كأخوات تساعد بعضها بعضاً.
وان التسويق هو مدعاة لزيادة حالة المنافسة بين المستشفيات مما ينعكس على
الأخلاق المهنية لمهنة الطب. فمثلاً عندما تمتلئ دار التمريض الخاص أو
الجناح الخاص لأحد المستشفيات، فمن المفترض أن يقوم المستشفى بإحالة
المريض الراغب في الرقود في الجناح الخاص حصراً إلى مستشفى أخر. إلا أن
هذا لا ينفي عدم وجود منافسة تماماً بين المستشفيات، فمثلاً مراكز زراعة
الأسنان في المستشفيات باعتبارها خدمات جديدة فأنها لا يتم أشغالها
بالشكل الأمثل، مما يسبب كلف وخسائر على عموم خدمات المستشفى وقد تصبح
كاهلاً ثقيلاً على ميزانية المستشفى، مما يتطلب القيام بحملات ترويجية و
إعلانية عن هذه الخدمات، فربما هناك كثير من المرضى الراغبين في خدمة
زراعة الأسنان، إلا انهم لا يعلمون بوجودها أصلاً. وحيث أن التنافس يحصل
عندما تقوم منظمتان أو اكثر بالبحث عن نفس الفرد أو الجماعة لتحقيق تبادل
معهم، فان التنافس ممكن أن يحدث بين المستشفيات بوجود التسويق أو
عدمه (Kotler, 1987:24).
5- يُنتَقد التسويق بأنه يسبب توليد طلب غير مسوغ على الخدمة الصحية.
يحدث الطلب غير المسوغ على الخدمة الصحية بصورة طبيعية وبشكل عام من لدن
الأفراد المصابين بالقلق النفسي Obsessive persons، وان هذا الرأي يفترض
أن التسويق والإعلان عن الخدمات الصحية يزيد من طلب أولئك على خدمات صحية
غير ضرورية، مما قد يربك عمل المستشفيات في مواسم ازدياد الطلب الحقيقي
على الخدمة الصحية. ويمكن معالجة مثل هذه الحالات بأسلوبين:
آ- تسعير الخدمات الصحية بأسعار معقولة تجعل المتمارضين Malingerers
يتحملون مسؤولية مالية معينة لقاء حصولهم على الكشف الطبي.
ب- متابعة حالة المرضى الراقدين في المستشفى باستمرار، لإسراع عملية خروج
أولئك الذين تحسنت حالتهم الصحية واكتسبت الاستقرار.
ولا بد من الإشارة إلى أن هذه المعوقات والانتقادات لا تحول دون
القيام بأنشطة تسويقية في المنظمات الصحية، أو تمنع وجود إدارات للتسويق
في المستشفيات، إذْ أن أي منظمة تنفذ أو تستحدث أي وظيفة لا بد لها دراسة
وتخطيط ومقارنة للفوائد والمحددات التي ستتمخض عنها على وفق منظور الكلفة-
الفاعلية، كما أن الجانب العملي للدراسات العلمية في العالم الغربي أثبتت
أن المستشفيات التي تطبق مفاهيم وتقنيات التسويق تكون ذات أداء أعلى في
الجوانب التشغيلية والإدارية(Journal of H.C.M, 1998:238) . فضلاً عن
دراسات متعددة أثبتت فاعلية التسويق في المستشفيات بجوانب الربحية، ورضا
المريض، والتزام وولاء ملاك المستشفى (Duncan,1998:261). وحيث أن كل عمل
معرض للانتقادات كما إشير إليه، فان وظيفة التسويق كونها الوظيفة الأحدث
في جانب القطاع الصحي ممكن أن تكون معرضة للانتقادات اكثر من غيرها.
فضلاً عن أن حالة عدم المعرفة المعمقة لماهية التسويق ومفهومه ، تكون
سبباً آخراً للانتقادات.
الاستنتاجات
توصل البحث من خلال التعمق في الجانب النظري للموضوع إلى عدد من
الاستنتاجات أهمها:
1- ثبت أن التسويق كمفهوم و وظيفة لا يقتصر تطبيقه على المنظمات الصناعية
أو التجارية فحسب، و إنما يشمل منظمات الخدمة أيضاً، ما دامت الأخيرة
تطبق مفاهيم إدارة العمليات نفسها كالتخطيط والتصميم للعمليات، وما دامت
هذه المنظمات تواجه أسواقاً ومجتمعاً وتسعى لملاقاة حاجات هذه الأسواق
والمجتمعات.
2- تبين أن المنظمات الخدمية وعلى صعيد المستوى العالمي، متأخرة نسبياً
عن المنظمات الصناعية في تطبيق أسس ومبادئ الإدارة عموماً و التسويق بشكل
خاص. فضلاً عن أن المنظمات الصحية هي الأخرى متأخرة في تطبيق أسس ومفاهيم
التسويق مقارنة بالمنظمات الخدمية الأخرى. إذ لم تطبق أسس ومفاهيم
التسويق الصحي في العالم المتقدم إلا في نهاية السبعينات وبداية
الثمانينات من القرن الماضي.
3- تبين أن التحدي الحقيقي في جانب القطاع الصحي، لا يكمن في إضافة وظيفة
التسويق إلى وظائف المستشفى أو في تحديد موقع تنظيمي لإدارة التسويق في
هيكليتها فحسب، و إنما في أن تكون كل وظائف المستشفى وبضمنها وظيفة
التسويق متجهة توجهاً تسويقياً يهدف إلى إشباع حاجات زبائن المستشفى
ورغباتهم.
4- تبين أن التطبيقات العملية للتسويق في جانب القطاع الصحي في العالم
المتقدم اليوم، قد انتشرت وبشكل كبير جداً بين المنظمات الصحية، إذ تشير
الدراسات المرجعية المعاصرة إلى أن ما لا يقل عن نصف عدد المستشفيات في
أمريكا تملك مشرفاً أو مسؤولاً عن إدارة الأنشطة التسويقية كحد أدنى.
5- كما تبين أن التطبيقات العملية للتسويق الصحي في العالم المتقدم، بدأت
تنحو منحاً مختلفاً عن طرق و أساليب التسويق المعروفة، إذ شاعت في
السنتين الماضيتين طرق تسويق الخدمات الصحية عبر البريد الإلكتروني
والانترنيت.
6- تبين أن التوجه نحو الإنتاج أو المنتج أو نحو المبيعات لا يلائم جانب
تسويق الخدمات في القطاع الصحي، وان أكثر ما يناسب المنظمات الصحية هو
مفهوم التوجه التسويقي والقيام بتحسين العلاقة بين مقدم الخدمة الصحية
والمريض.
التوصيات
1- ضرورة التزام الإدارات العليا في المستشفيات وإيمانها بوظيفة التسويق،
والعمل على جعل تلك الوظيفة مسؤولية جميع العاملين في المستشفى جنباً إلى
جنب مع مسؤولية إدارة التسويق (إن وجدت)، من خلال السمنارات والمحاضرات
والتدريب والتطوير. فضلاً عن ضرورة اهتمام تلك الإدارات بدراسة حاجات
الزبائن ورغباتهم وعدها أساساً مهماً في وضع التصاميم الخاصة بخدمات
المستشفى وطرق تقديمها.
2- تبني المستشفيات أسس المفهوم التسويقي الحديث و المستند إلى الأساليب
العلمية، وتحديد مدى الحاجة إلى الخدمات الصحية في ضوء بحوث السوق،
والقيام بحملات ترويجية على وفق أسس مدروسة، وتنويع الخدمات الصحية
المقدمة للمستفيدين منها، وعدم اقتصارها على الخدمات المقدمة حالياً في
المستشفى في محاولة لشمول اكبر عدد ممكن من المستفيدين.
3- تبني المستشفيات أنشطة ذات توجه اجتماعي في تسويق خدماتها الصحية،
لكونها العلامة المميزة للنجاح على الأمد البعيد، من خلال تحديد عدد من
أهداف المسؤولية الاجتماعية، وتوجيه أنشتطها لخدمة اكبر عدد من
المستفيدين، والسعي إلى تحسين صحة أفراد المجتمع ككل وتحقيق الرفاهية
لهم. فضلاً عن ضرورة قيام إدارات المستشفيات بالتفاعل والتعاون مع
المنظمات الجماهيرية (اتحاد النساء، مكاتب الطلبة والشباب...الخ)، لقيادة
حملات التوعية والتثقيف الصحي، وتقوية روابط المستشفى مع البيئة الخارجية
المحيطة بها.
4- تطوير آلية لدراسة الشكاوي والمقترحات في المستشفيات بشكل جدي، وضمان
تسجيلها وتوثيقها على وفق إجراءات محددة ودقيقة، والاستفادة من هذه
المقترحات لتطوير خدمات المستشفى بالاعتماد على وجهة نظر الزبون لها.
5- تغيير آلية منح المكافآت في المستشفى بحيث تصبح في خدمة التوجه
التسويقي، فمثلاً بدلاً من مكافأة الطبيب الذي يفحص اكبر عدد ممكن من
المرضى، تتم مكافأة ذلك الذي يقضي وقتاً كافياً في الاستماع والإصغاء
للمرضى، أو مكافأة الطبيب المفضّل لدى المرضى من خلال استقصاء مخصص
بهكذا أغراض.
6- بناء وتطوير نظام لتفعيل عملية الاتصال والتغذية العكسية مع البيئة
الخارجية للمستشفى، لاسيما مع المرضى، عبر المقابلات واللقاءات
والاستبيانات والعلاقات العامة لمعرفة درجة رضا المرضى عن الخدمة الصحية
المقدمة وقياسها باستمرار.
7-ضرورة الاطلاع والانفتاح على تجارب العالم المتقدم، وإجراء المقارنات
المرجعية بهدف اقتباس وتعلم تلك الأساليب والطرق الجديدة والمبتكرة في
مجال تسويق الخدمة الصحية، لمواجهة المتغيرات البيئية المعقدة،
والمشحونة بالتغيير، والسريعة في النمو التي توجهها المنظمات الصحية
المعاصرة.
المصادر:
أولا: المصادر العربية
1. إدريس، عبد الرحمن، و الغيص، منى راشد؛ إدارة التسويق/ مدخل
استراتيجي تطبيقي، الكويت، الفلاح للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1996م.
2. البكري، ثامر ياسر؛ إدارة التسويق، بغداد، مطبعة جامعة بغداد، الطبعة
الثانية، 1999م.
3. البكري، ثامر ياسر؛ التسويق والمسؤولية الاجتماعية، عمّان، دار وائل
للنشر، الطبعة الأولى، 2000م.
4. السيد علي، محمد أمين؛ أسس التسويق، عمّان، مؤسسة الوراق للنشر
والتوزيع، الطبعة الأولى، 2000م.
ثانيا: المصادر الأجنبية
آ-الكتب
1. Assael Henry; Marketing, principles and Strategies, Philadelphia,
Dryden press, 1998.
2. Detels Roger, Holland Water W., MeEwen James and S.Omen Gilbert;
Oxford Textbook of Public Health, Oxford, Oxford University press, 3rd
Edition, 1997.
3. Duncan W. Jack, Ginter Peter and Swayne Linda; Hand book of Health
Care Management, New York, Blackwell Publisher Inc., 1998.
4. Gilligan, Collin and Lowe, Robin; Marketing and Health Care
Organizations, Oxford, Radicliffe Medical press, 1995.
5. Glynn John J. and Perkins David A; Managing Health Care,
Challenge’s of the 90’s, London, WB Saunders Company Ltd. 1995.
6. Kotler Philip; Marketing for Non Profit Organizations, New Jersey,
Prentice Hall Inc., 1975.
7. Kotler Philip and N.Clarke Roberta; Marketing for Health Care
Organizations, New Jersey, Prentice Hall, 1987.
8. Kotler Philip; Marketing Management, Analysis, Planning,
Implementation and Control, New Jersey, Prentice Hall Inc., 9th
Edition, 1997.
9. Laneaster Geoff; Marketing, London, Macmillan press, 1997.
10. Pride William M. and Ferrell O.C.; Marketing, Concepts and
Strategies, Boston, Houghton Mifflin Company, 2000.
B- Journals and Periodicals
1. Patrica R. Loubeau and Robert Jantzen, The Effect of Managed Care
on Hospital Marketing Orientation, Journal of Health Care Management
43:3 May/June 1998, pp.229-238.