وبعد مقتل السلطان وتولى السلطان مصطفى الأول وكان لا يملك من أمره شيئا وصارت مقاليد البلاد في يد الإنكشارية وعمّت أرجاء الدولة الفوضى والاضطرابات وظلت ثمانية عشر شهرًا دون أن تجد يدًا حازمة تعيد للدولة أمنها وسلامتها.
واستمرارًا لهذا العبث قام الانكشارية بعزل السلطان مصطفى الأول وولوا مكانه ابن أخيه السلطان مراد الرابع بن أحمد الأول وكان حدثًا لا يتجاوز الثانية عشرة فصارت أمه السلطانة كوسم نائبة السلطنة تقوم بالأمر دونه لكن مقاليد الأمور كانت بيد الإنكشارية التي علا شأنها وازداد نفوذها واطمأنت إلى أن السلطنة في يد ضعيفة.
تم عزل السلطان مصطفى الأول بعد وعد لأمه عالمة سلطان بابقائه حياً واستلم العرش الأمير مراد ابن السلطان أحمد الأول.
عانت الدولة العثمانية في الفترة الأولى من ولاية السلطان مراد الرابع عدم الاستقرار واستمرار الاضطرابات والفوضى الداخلية التي تجاوزت عاصمة الخلافة إلى أطرافها حيث أشهر والي طرابلس الشام استقلاله وطرد الإنكشارية من ولايته وفعل الشيء نفسه أباظة باشا والي أرضروم واستولى على أنقرة وصادر إقطاعيات الانكشارية وكان يتحرك تحت دعوى المطالبة بثأر السلطان عثمان المقتول.
انتهت فترة نيابة السلطانة كوسم التي دامت نحو تسع سنوات وأصبح مراد الرابع طليق اليد في إدارة شؤون الدولة بعد أن ضرب بيد من حديد على الثائرين وقتل كل من ثبت أن له علاقة بالفتنة فسكنت الثورة واستقرت الأوضاع وبدأ السلطان في اتخاذ الإجراءات التي تعيد النظام إلى الدولة حتى يفرغ لاستعادة ما فقدته الدولة من أراضيها.
انكشفت المكاتبات للسلطان مراد وأراد أن يستأصل شأفته قبل أن يستفحل أمره ويوقع البلاد والعباد في ما لا تحمد عقباه فأوعز إلى والي دمشق فتقدم ذلك الأخير مع جيش فاق جيش الأمير فخر الدين عددا وعدة وخبرة فوقع في الأسر مع ابنيه وعند وصوله إلى إسطنبول حاول مراد الرابع الإبقاء على حياة أمير الدروز للمنجزات الحضارية التي كان قد خلفها في ولايته والخدمات السياسية التي أداها للأستانة إلا أن قيام ثورة حفيد فخر الدين جعلت الخليفة العثماني يأمر بقتله مع ولديه.
وما كاد السلطان يستقر في إسطنبول حتى عاود الصفويون القتال فاستردوا أريوان بقيادة الشاه صافي بعد حصار لها دام ثلاثة أشهر واستعادوا مدينة تبريز مع أجزاء كبيرة من أذربيجان.
عانت الدولة في الفترة الأولى من ولايته من عدم الاستقرار واستمرار الفوضى والمنازعات داخل الدولة وخارجها وكانت الأمور كلها في يد السلطانة كوسم وظل الأمر على هذا النحو من الفتن والقلاقل وثورات الإنكشارية حتى انتهت فترة نيابة السلطانة كوسم التي دامت نحو تسع سنوات وأصبح مراد الرابع طليق اليد في إدارة شئون الدولة فنجح في إعادة الأمن إلى الدولة التي كادت تمزقها الفتن والخلافات وضرب بيد من حديد على الخارجين عليه والثائرين وأنعش خزانة الدولة التي أرهقت في فترة الاضطرابات ومد في عمر الدولة نصف قرن من الزمان قبل أن تتناوشها أوروبا في حروب متصلة واستعان في تحقيق ذلك بكل وسائل الترهيب.
وشاء الله أنه كلما ولد ابن للسلطان مراد الرابع توفي بعد فترة ولم يعش له أي أمير من أولاده حتى يجعله وليًّا وعزم مراد خان على إصدار فرمان بقتل أخيه المتبقى إبراهيم لكن والدته السلطانة كوسم منعته حتى لا تنقرض سلسلة سلاطين آل عثمان وهكذا نجا إبراهيم من القتل وأصبح الوحيد من آل عثمان الذي بقي على قيد الحياة ولو قدر له أن يموت لانقطع النسل من جهة الرجال.
كان مراد الرابع ضخم البنية حيث اشتهر بقوته الجسدية وقدرة تحمله المشاق. ولما كان مولعا بالرياضة فقد شيد (العرش الحجري) حيث كان يجلس ويشاهد المباريات الرياضية وكان أيضا يشارك في الألعاب الرياضية من حين لآخر. وتسجل اللوحة الموجودة خلف العرش الرخامي أن السلطان نجح في رمي هراوة من البلوط لمسافة 263 قدم (80) متر تقريبا وهو يجري بفرسه بسرعة قصوى في شهر رمضان من عام (1636) وهو ما يدل على قوته البدنية المذهلة ومن بين الأمثلة الأخرى على قوته أنه رفع صولجانا وزنه 565 رطلا (256) كيلو وأنه صارع بعض المصارعين المحترفين في ذلك الوقت. وروي أيضا أنه في إحدى المرات رفع شخصا سمينا يسمى (سلاحدار أندرون) وحمله ودار به حول الحجرة السلطانية في القصر عدة مرات.
كان السلطان فارسا مميزا وراميا موهوبا يتقن استعمال أنواع كثيرة من البنادق. وكان مرتبطا بأحصنته بشكل كبير ويهتم اهتماما خاصا بالاسطبلات السلطانية.
وتروي المصادر أيضا أن السلطان مراد الرابع رمى سهما قبيل وفاته فاخترق إحدى البوابات الحديدية بقصر طوب قابي. وروي أنه ثقب درعا مصنوعا من جلد وحيد القرن كان قد أرسله شاه جهان حاكم الهند المغولية أثناء إقامته في الموصل على ضفاف نهر دجلة قبل حملته على بغداد. وكان يقال أن الدرع مضاد للسهام والرصاص لكن المصادر تسجل أن السلطان خرق ذلك الدرع فأحدث فيه ثقبين واضحين فيه أمام أعين المبعوث المغولي. ومما يتوافق مع تلك النادرة ماقيل عن سهام السلطان وكيف أنها كانت تصل إلى مدى أبعد من رصاص طلقات البندقية وأنه لم يكن هناك مادة يعجز رمحه عن اختراقها.
كان السلطان مهتما بالأماكن المقدسة فعندما هطلت أمطار شديدة على مكة في سنة (1639) فأغرقت المسجد الحرام وأرتفعت السيول بمقدار قامتين وأحدث ضررا كبيرا بالمسجد. ما إن وصلت أخبار السيل إلى السلطان حتى أجتمع بشيخ الإسلام وتسلم فتوى حول كيفية إجراء الإصلاحات. ثم عين القاضي محمد أفندي والمعماري الشهير رضوان آغا لإجراء الإصلاحات. وفي النهاية قام فريق من العمال المهرة تحت إشرافهما بإصلاح الأضرار التي أصابت الكعبة من جراء السيل وأجروا إصلاحات شاملة بحيث قاموا بفحص البنية الأساسية وقاموا بتحصين أساسات الكعبة. وكذلك فقد قامت الإصلاحات بأسلوب فريد حيث تم إحلال وتجديد الأجزاء والحجارة التي وقعت أو فقدت وظيفتها بإحلال أجزاء أخرى محلها أُحضرت من نفس المصدر الأول.
ويُعدّ السلطان مراد الرابع من اقوى سلاطين الدولة العثمانية نجح في إعادة النظام إلى الدولة وأعاد الانضباط إلى الجيش وأنعش خزانة الدولة التي أُنهكت نتيجة القلاقل والاضطرابات ومدّ في عمر الدولة نحو نصف قرن من الزمان وهي مرهوبة الجانب قبل أن تتناوشها أوروبا بحروبها المتصلة. واستخدم لهذا الغرض جواسيس وعيون نشرهم في كافة بقاع الدولة ليخبروه عن الفاسدين في كل الولايات وكان السلطان أثناء مروره على الولايات المختلفة خلال خروجه مع الجيش ينادي على الفاسدين والعصاة في كل ولاية بأسمائهم ويطلب مثولهم أمامه ثم يأمر بقطع رؤوسهم. وكان مما أمر به أن منع شرب الخمر منعاً باتاً.
سؤال يطرح نفسه في هذه الأيام ويتردد في مخيلة كل متابع للتطورات السياسية على الساحة التركية هل سيستطيع مرشح حزب العدالة والتنمية لرئاسة بلدية إسطنبول "مراد كوروم" إعادة أمجاد الإنجاز والتقدم في واحدة من كبرى البلديات بالبلاد بعد سنوات من الفشل والأزمات
03c5feb9e7