مبحث في مشكل التخلف: تكنولوجيا الجهالة .. ونحن
د.فهد العرابي الحارثي
يتفق الكثيرون من دارسي الحضارات على أن الثروات الطبيعية لا تكفي وحدها لصنع التقدم والرقي، فهم يرون أن دور هذه الثروات يأتي ثانياً، أي بعد الثروة البشرية المؤهلة. وقد يذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك، فيؤكدون بأن الثروة البشرية، وحدها، تستطيع أن تحقق "التفوق" مهما كانت الثروات الطبيعية متواضعة أو ربما معدومة، وهم يضربون على ذلك مثلاً حياً بالظاهرة اليابانية، المتميزة في التاريخ الإنساني كله، فاليابان أفقر من جارتيها الهند والصين في مواردها وثرواتها الطبيعية، ومع ذلك فاليابان ما تزال شيئاً آخر مختلفاً تماماً عن الهند أو حتى عن الصين، على الرغم مما تعيشانه هاتان الأخيرتان اليوم من انتفاضة ملفتة، مستيقظتان من تحت ركام التاريخ، والفقر، والتخلف، والانفجار السكاني الهائل. وهناك أمثلة أخرى، غير المثال الياباني، لدول استطاعت أن تحقق باستغلال ثرواتها البشرية مراكز متقدمة في مدارج الرقي الحضاري. ومن تلك الأمثلة سويسرا التي تشبه اليابان في شح ثرواتها الطبيعية. ومن تلك الأمثلة أيضاً الدنمارك التي غيرت اقتصادها من اقتصاد مبني على الزراعة التقليدية إلى اقتصاد مبنى على الزراعة الحديثة. وهكذا فإن التقدم أو التخلف لم يعودا، في عصر الانفجار التكنولوجي المعاصر، متوقفين على ما يتوفر لدى البلاد من ثروات طبيعية فقط، بل هما يتوقفان بالدرجة الأولى على ما يتوفر من قوى بشرية مؤهلة ومدربة تدريباً متقدماً.(1) أما الموارد الطبيعية بدون عقول تمدها بالحياة وتكسبها معناها فهي مجرد جماد ساكن غامض منغلق غير ذي أهمية. وهي تظل على هذه الحال من الجمود والانغلاق إلى أن يقترب منها الإنسان فيحولها بعبقريته إلى منتج من شأنه أن يسهم في تطوير الحياة. والإنسان غير قادر على أن يقوم بهذه المهمة إن لم يستحوذ على القدر اللازم من "المعرفة" وإن لم يواصل عنايته واهتمامه بتنمية تلك المعرفة. فالتقدم العلمي اليوم هو الفيصل الأول في مسائل التخلف، فهو الإبداع، وهو الاكتشاف، وهو الإنتاج، وهو إعادة تكوين المواد والأفكار لتشكل مستويات جديدة من الرفاه والرقي. والحياة الإنسانية الحقة المتقدمة، التي يعيشها أفراد المجتمع الغربي مثلاً، إنما يعود فضلها، بالدرجة الأولى، إلى أن المجتمع الغربي هو أول مجتمع استطاع أن يفيد من تقدمه العلمي والتكنولوجي لتحقيق ذلك النوع من الحياة لأفراده، ولبلوغ ذلك المستوى المتقدم في التفاعل مع الحضارة لشبابه. فالقوى البشرية المؤهلة والمثقفة هي التي، في قدراتها العقلية والتقنية والعلمية، تمثل قوة المجتمع الحقيقية، وطاقته الإنسانية المؤثرة والفعالة.(2)
كيف يُخلق المستقبل؟
إن إعداد الأجيال لـ "المهمة" الحضارية التي تنتظرهم هي مسؤولية تاريخية ملحة، وغير قابلة للتسويف أو المماطلة أو التلكؤ. وهي تأتي، في أهميتها وحساسيتها، قبل أي مسؤولية أخرى، مهما كان حجمها، ومهما كان مردودها المادي، أو غير المادي.
إن العقول المبدعة، المثابرة، الطموحة، هي التي تخلق المستقبل، وهي التي تُوجده على صورتها، وهي التي تفجر الثروة من العدم.. وفي الوقت ذاته فإن الثروة بدون تلك النوعية من العقول تشبه أموال السفيه، أو المال السائب، الذي لا حامي أو مرشد له، فيضيع ويتبدد، وهو حتماً يتعرض للاستغلال من غير أهله حتى آخر قطرة، أو حتى الرمق الأخير. ولهذا يتردد أن الغرب، بعد مآسي الحربين ومضاعفاتهما، استطاع أن يستأنف حضارته الجديدة على حساب ثروات العالم الثالث، فقد استغل جهل هذا العالم وإعاقاته العقلية والعلمية، فكان ما كان، فإذا صحا هذا العالم المسكين قليلاً ، وبدأ يأخذ من ثرواته القليل القليل، استكثرها عليه ذلك الغرب نفسه، وأخذ ينظر إليه بعين الحاسد والمستنكر والممتعض. ولهذا فقد كان من أولى مهمات الأجيال المؤهلة التي ندعو إلى الإلتفات إليها بكل ما هو متوخى من الاهتمام، حماية تلك الثروات من الاستغلال، وصيانتها من العبث، ثم تأتي بعد ذلك مسألة تطويرها وتثقيفها واستغلالها في التنمية الداخلية.
ولم تكن تنشأ الحروب والاجتياحات في معظمها إلاّ استجابة للأطماع، واتفاقاً مع الرغبة في زيادة النفوذ والتمكن من الثروات، طبيعية كانت أو غير طبيعية. وقد تكلف تلك الأطماع والرغبات مئات الآلاف من القتلى والجرحى والمعاقين، أما إذا تحققت بدون الحاجة إلى مثل تلك التكاليف الباهظة، أي بما يتوافر عليه أصحابها من الجهد، أو بعدم قدرتهم على التعامل مع معطيات مواردهم، فهذا هو غاية المنى. وقد كانت ثروات العرب مطمعاً دائماً للقوى الخارجية، التي أفادت في استغلال تلك الثروات من وسيلة الحروب والاجتياحات. ولكن أيضاً بذريعة جهلنا وضعف قدراتنا.
أن توفر الثروة الطبيعية مع العقول المتمكنة يمكن أن يجترح المعجزات، وقد قلنا قبل قليل إن اليابان ظلت معجزة بفضل عقول شبابها فقط، فما بالكم إذا ساند تلك العقول أدوات أخرى حاسمة، كتوفر الثروات والموارد الطبيعية.
والقدرات الوطنية لا يمكن الاستعاضة عنها بغيرها في بناء الحضارة، بل بدونها يمكن أن ينهار البناء، أو يبقي على الأقل بناءً زائفاً براقاً سرعان ما تتبدى من خلاله الخطيئة الكبرى، وهي أن الاعتماد كان يتركز فقط على الآخرين، وهؤلاء الآخرون لا يمكن أن يكتسبوا صفة الإخلاص التام، أو البقاء والاستمرار. إن دور القوى الوطنية المؤهلة، علمياً ومهنياً، هو دور لا يقوى الخبراء أو الأخصائيون الأجانب على تأديته. وإذا أعطي الأجنبي هذا الدور فمعنى ذلك أننا فقدنا زمام التاريخ، ورضخنا لإرادة خارجة عن إرادتنا.(3)
ومرة أخرى، فإن الثروات الطبيعية وحدها لا تكفي لبناء الحضارة، بل إن هذه الثروات تعدّ عبئاً تاريخياً ووطنياً، ثقيلاً جداً، ما لم نهيئ القنوات اللازمة لاستيعابها وصيانتها واستغلالها وتطويرها. وتلك هي مسؤولية الأجيال التي تخرجها الجامعات، والمؤسسات التعليمية المختلفة. وقد قال أحد الباحثين، قبل أن تأفل شمس القرن الماضي، بأن "المجتمع العربي يقف اليوم، موضوعياً، على عتبة انتقال جذري من حضارة القرن السادس عشر أو السابع عشر إلى حضارة القرن العشرين، لكنه في الوقت نفسه عاجز، ذاتياً، عن تحقيق هذا الانتقال. فالتغيير الاجتماعي الذي أصبح في متناول يدنا بسبب الطاقات المادية الهائلة، التي أصبحت في حيازتنا، لا يشكل حتمية تاريخية. وهذا التغيير يتطلب إرادة ذاتية، قادرة على استيعاب اللحظة التاريخية، والعمل بمقتضاها. من هنا كان دور مثقفي الجيل الجديد حاسماً، إذْ أنهم يمثلون القوة الذاتية الوحيدة في المجتمع العربي المعاصر التي يمكن لها حسب ما يتوفر لها من تأهيل عقلي وعلمي أن تملك الوعي والقدرة على تحقيق هذه المهمة التاريخية".(4) إن مهمتنا التاريخية لا تتعلق بالتغيير الذي يطال أنماط الاستهلاك أو لا يتجاوز بعض الاستعارات الثقافية السطحية، وإنما المقصود هو التغيير المتصل بالبنية الفكرية والسلوكية في عمقها: إعادة الاعتبار للإنتاج، وقيم العمل، وإعداد العمالة المدربة وفق التصور الأخير لسوق العمل في المشروع التنموي المستدام.
شهادات.. بلا أهداف
وصحيح أن الإرادة الذاتية القادرة على استيعاب اللحظة التاريخية، والعمل بمقتضاها، ليست بالمستوى الذي يرضي طموح المهتمين بمتابعة النمو البطيئ للحضارة العربية المعاصرة، ولكننا لا نريد أن نمضي بعيداً في هذه النظرة الغارقة في التشاؤم، إذ نلاحظ أن هناك دولاً حاولت، بنية طيبة، أن تهيئ بعض الأوعية المطلوبة واللازمة لتحضير الإرادة الذاتية المؤثرة في المسيرة الحضارية وهي ليست أكثر من القوى البشرية المؤهلة. وإن كانت هناك من ملاحظة على محاولات تلك الدول فهي ضرورة تقويم احتياجاتها الحقيقية، وضرورة إعادة ترتيب مناهجها، بحسب ما تتوصل إليه من نتائج ذلك التقويم. وهي قادرة على أن تفعل ذلك متى ما أحست فعلاً بأن هناك وقتاً كثيراً يضيع، وأن هناك أعداداً تتزايد، من غير تعقل، في أعداد "الموظفين" العاطلين المعطلين، و"أشباح العلماء" الذين مازالوا يظنون أن العلم ليس سوى التقعر أو التشدق بمحفوظات بليدة أكثر ملاءمة لبرامج المسابقات الموسمية في الإذاعة أو التليفزيون. وإذا كان الوضع يتبدى هكذا في مثل هذه الدول، وهي دول قد نتفاءل بها إلى حد مقبول، فإن الوضع هو على أسوأ حال في دول أخرى لم تظفر بشيء من أهداف.. إن كانت لها أهداف، ويظهر ذلك في نوعين من الدول المقصودة:
الأول: وهو ذلك النوع من الدول التي، في الوقت الذي تشكو فيه من كثافات سكانية عالية مثلاً، فإنها تنفق مواردها المحدودة على أنواع من التعليم الذي لم تعد تفيد منه، فلديها أعداد من القوى البشرية ذات المستوى العالي، من حيث الشهادات الكبيرة، وهي لا تحتاج إليها(5)، أو أنها في تخصصات ليست مطلوبة، أو غير ضرورية لسوق العمل الذي تغيرت ملامحه، وهي ستتغير أكثر فأكثر مع مرور الأيام والساعات، ولعل من أبرز ملامحه الجديدة الظاهرة لنا الآن هو أنه لم يعد سوق "شهادات" بل سوق "خبرات" فليس من المهم اليوم الدرجة العلمية التي يحملها طالب العمل، وإنما المهم هو نوعية "الخبرة" التي يتمكن منها في عالم يتشظى فيه الإنتاج، ويتجزأ فيه النشاط الإنساني عموماً، ويتحول إلى جزئيات تتكاثر وتتولد بسرعة مذهلة، فتنمو نتيجة لذلك قيم جديدة، وثقافة جديدة، واقتصاد جديد، يبشر بما يسمونه اليوم عصر "ما بعد الحداثة" أو ما بعد الصناعة.
والدكتور عبدالله النجار، رئيس المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا، يقول، مع بعض المجاملة، بأن المنظومة التعليمية في البلدان العربية بحالة لا بأس بها، ولكنها في حاجة إلى إجراء بعض التحسينات والتعديلات، إذ يوجد في العالم العربي أكثر من 10 ملايين خريج، منهم 700 ألف مهندس (فقط!)، وأن 30 إلى 40% من هؤلاء الخريجين يحملون شهادات علمية عليا، في الوقت الذي تصل فيه نسبة الخريجين ممن يحملون الشهادات العليا في الولايات المتحدة الأمريكية إلى 20% فقط.(6) ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة، أو الدول المتقدمة عموماً، لا تعطي لموضوع الشهادات العليا القدر نفسه من الاهتمام الذي توليه للتعليم الذي يهدف إلى تطوير المهارات والخبرات، ويؤهل للإنتاج، ولسوق العمل، وللإسهام في دفع عجلة التنمية والتطور. ففي أغلب الأحيان يكون طلب الشهادات العليا أقرب إلى الترف منه إلى الاندماج في المجتمع، والمشاركة الفعلية في نهضته. إن الجيل الذي يصنع أمريكا القوية اليوم وسيصنعها أكثر قوة غداً هو جيل الـ "بلاك بيري" الذي تحول عالمه إلى عالم من الأرقام والرموز وشاشات العرض، والتطبيب عن بعد، والتصنيع عن بعد، والتسوق عن بعد، وتكثيف الخبرات وتدفق المعلومات عن بعد كذلك. الجيل الذي غادر أو هو يغادر عصر الصناعة التقليدية إلى عصر التقنيات الجديدة ( ما بعد الحداثة).
أما النوع الثاني من الدول القاعدة عن النمو: فهو المتمثل في دول لم تستطع أن تفي بالحد الأدنى من الحاجات التربوية المطلوبة لشعوبها، فلا التعليم الابتدائي شاع وذاع (فهو لا يضم أكثر من 20% من فئة العمر المقابلة) ولا داء الأمية آخذ بالزوال، ولا التعليم الثانوي وسع أبوابه، ولا التعليم العالي فتح ذراعية للراغبين في ارتياده. وحدث ولا حرج عن رياض الأطفال، وأشكال التعليم غير النظامي، وتعليم المعاقين.(7) وبغض النظر عن الأسباب التي تعيق مثل هذه الدول عن أداء رسالتها والقيام بمسؤولياتها فإنها ليست هي التي تهمنا هنا لأننا سنعتبرها خارج الحساب بالكلية، فلا طريق إلى المعالجة وفق الحدود التي أخترناها لطرحنا هنا.
ومع ذلك فالتعليم في ذينك النوعين من الدول يشكو من آفتين: سوء التخطيط، كما في النوع الأول، وضعف الاهتمام بنشر التعليم وإشاعته كما في النوع الثاني. وهما آفتان خطيرتان نحن ندفع اليوم ثمنهما بكثير من الحسرة والحزن، فنحن لن نستطيع، بهذا المستوى من الاستعداد، أن نصون ثرواتنا، أو نستغل مخزوناتنا الطبيعية، أو ننشئ جيلاً أو أجيالاً لمرحلة "ما بعد الحداثة" قافزين هكذا على عصر الصناعة الذي مرّ من تحتنا دون أن نحس به. كما أن اليوم الذي سنحقق فيه شعار "نقل التكنولوجيا" أو استنباتها، ومن ثم تجاوز واقع التخلف الذي نعيشه، سيكون بعيداً.. بعيداً جداً. وهذا، من أجل عيون الأيدلوجيا، يعني أن تبعيتنا لـ "الآخر" ستتكرس، وهو، من أجل عيون مدخرات الأجيال، يعني أن الأخطبوط الاستهلاكي سيلفنا بأذرعته الطويلة أكثر وأكثر. وإن هذه الأشياء في النتيجة تفسد حتماً أي تطلعات لدينا إلى سيادة حضارية جديدة كالتي مرت في عصور الإسلام الأولى مثلاً!. كما أنها تعطل أي نية طيبة ترمي للاستقلال الذاتي، والخاص، والأصيل. فنحن اتباعيون، مسلوبون، منهوبون، جائعون ومحتاجون دائماً لكل ما تنتجه الأمم المتقدمة.
إن نموذج الدولة التي تتضخم فيها نسبة القوى البشرية ذات الشهادات العليا، دون حاجة واضحة إليها، مضافاً إليه نموذج الدولة التي تصب اهتماماتها على الكليات والمؤسسات التعليمية النظرية، تسهمان كلتاهما بفاعلية وتفانٍ في خلق القوة البشرية العبء التي لا مكان لها في المشروع التنموي الخلاق. وهما بما تفعلان تدفعان إلى تفاقم الأزمة في الجانب الآخر الملح، وهو الجانب الذي نحن في أمس الحاجة إليه، ونعني الجانب التكنولوجي، الجانب الذي سيجعلنا أكثر تواءماً مع عصرنا، وأكثر استجابة لشروطه. فالتقنية اليوم ليست ضرورية للمعامل والمختبرات فقط، بل هي ضرورية حتى لإنتاج الثقافة والأفكار والمعرفة، إنها راسخة في مجمل نواحي النشاط الإنساني. ولا حياة اليوم بلا تكنولوجيا، فراعي الأغنام أو مربيها إنما يحسب أرباحه بالحاسب الآلي الذي يحفظ فيه ملفات خاصة عن كل خروف أو نعجة. وميكانيكي السيارات ليس كما كان في السابق، أي مجرد (مفك ومفتاح) فهو اليوم إنترنت يعرض كل الخيارات، وهو أجهزة متقدمة تكشف في ثوان معدودة العلل التي تعاني منها المركبة التي بين يديه، وقد يتم الإصلاح عن طريق الربورت الذي خضع لبرمجة تجعله أكثر دقة من يد الإنسان الذي صنعه. والباحث أو الطالب أو المفكر يتمكنون من خيارات الحواسيب الذكية وغير الذكية بما لم يتوفر لأي إنسان في أي عصر من العصور السابقة. أمام هذا كله هناك جامعات عربية تخرج شباباً في تخصصات ليس لها ارتباط وثيق باحتياجات التنمية، بل ليس لها ارتباط بالزمن الذي نحن فيه من الأصل، مما أثقل كاهل الجامعات نفسها، ومن ثم مؤسسات التدريب التي تحاول إعادة تأهيل الخريجين في بعض التخصصات التي تقدمها مؤسسات التعليم العالي، في الوقت الذي يوجد فيه نقص واضح في مجالات أخرى ذات علاقة مباشرة بسوق العمل واحتياجات التنمية.(8) وليس هناك ما نحن أحوج إليه اليوم من الأيدي المدربة. ونعني التدريب الذي يدفع الشاب إلى الصفوف الأمامية في روحيّة عصره. وبناء عليه فإننا نتصور أن كثيراّ من معاهد التدريب ومؤسسات التعليم الفني عندنا تحتاج إلى أن تذهب إلى مكان المهملات، فهي بمعداتها وأجهزتها ومختبراتها واهتماماتها ومخرجاتها تعدّ خارج زماننا هذا، وهي تخرَّج مشكورة السباكين والكهربائيين والنجارين البدائيين وذلك حسبها؛ ولا نظن أن سباكينا ونجارينا الذين تخرجهم معاهدنا اليوم يستطيعون أن يجدوا لهم مكاناً في مدننا الذكية المقبلة، ففي الغد القريب جداً ستفيد تلك المدن من التقنيات المفاجئة ذات العلاقة بالبناء، إذْ ستهدي إلى أي خلل أو عطل في البنايات الضخمة، بل إن تلك البنايات، بفضل تلك التقنيات، ستصلح ذاتياً ما يطرأ فيها من أعطال. إننا في هذه الحالة نحتاج إلى العمالة التي تتعامل مع هذه التكنولوجيات القادمة، وتبرمّجها، وتراقب أداءها وتحلله وتعد نتائجه. وهذه العمالة لا تستطيع معاهدنا وكلياتنا التقنية بوضعها الحالي أن تنتجها، فهي أبعد ما تكون عنها استعداداً وإعداداً.
الاتجاه المعاكس للتوقعات
وبالنظر إلى توزيع الطلاب في البلدان العربية على فروع التعليم، نلاحظ أن الأرقام تشير بلا مواربة، إلى ضعف في أعداد الملتحقين بالدراسات العلمية والتكنولوجية، مما ينعكس مستقبلاً على واقع التطور التكنولوجي والعلمي في هذه البلدان. فنسبة الملتحقين بالدراسات الإنسانية والاجتماعية والإدارية والقانونية تبلغ 78% في حين تبلغ نسبة الملتحقين بالدراسات العلمية والتكنولوجية بين 25-30% فقط. (9)
وأوضح تقرير للبنك الدولي عن التعليم في العالم العربي، وبشكل مفزع، أن النسبة الأعلى من التخصصات التعليمية في العالم العربي مازالت في حقول العلوم النظرية، وهذا ما نراه منعكساً في ثقافة المجتمع العامة التي مازالت تعتبر أن "العالم" هو الشخص المتخصص في العلوم الشرعية والفقهية فقط، ولا يشمل مفهوم العالم، لأول وهله، العلوم الرياضية والفيزيائية والتطبيقية، كما أن مصطلح "الثقافة" يرتبط بأنماط الكتابة الأدبية مثل الرواية والشعر وليس الثقافة العلمية المنهجية، أو الثقافة في بعدها الاجتماعي أو الأنثروبولوجي. وفي هذا الصدد، ذكر التقرير أن 70% من طلاب الجامعات في الوطن العربي يدرسون في حقول العلوم الإنسانية، وتصل النسبة إلى 76% في السعودية!(10) وهذه نسبة ملفتة حقاً فهل 24% فقط من خريجينا يستطيعون أن يشبعوا احتياجاتنا التكنولوجية الراهنة أو المقبلة؟! هذا في الوقت الذي يكون فيه غالبية الـ 76% من خريجي التخصصات النظرية لا يستطيعون أن يوجدوا لأنفسهم فرصاً مقبولة للعمل. وهكذا ستتفاقم عندنا مشكلتان عوضاً عن واحدة، الأولى مشكلة البطالة "الجاهلة" والثانية مشكلة العوز الشديد في مجالات التكنولوجيات الجديدة التي هي سمة قرننا الجديد. ولا نحتاج إلى التأكيد على"أن التعليم التكنولوجي، في البلاد العربية عموماً، قاصر حتى الآن عن توفير الكم المطلوب من القوى البشرية اللازمة في التنمية الشاملة".(11)
ويذكر أحد الباحثين أن توزيع التخصصات، في السعودية مثلاً، يسير باتجاه معاكس للتوقعات، ومخالف لما تتطلبه التنمية المنشودة، إذ أن النمو في تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية يتسارع بنسبة أكبر من باقي التخصصات الأخرى، فقد ازدادت نسبة الطلاب في الدراسات الإنسانية والاجتماعية من 59.2% في العام 1985م إلى 77.3% في العام 1986م، في الوقت الذي انخفضت فيه نسبة الطلاب في العلوم الهندسية من 11.8% إلى 4.6%، ونسبة الطلاب في العلوم الطبية من 9.4% إلى 2.7%. وكذلك انخفضت نسبة الطلاب في العلوم الطبيعية من 8.2% إلى 6.5%، وفي العلوم الزراعية من 3% إلى 1.4%.(12) والوضع لا يختلف كثيراً بالنسبة للمبتعثين السعوديين في الخارج، من حيث التركيز على الدراسات النظرية في مرحلة البكالوريوس والدراسات العليا (الدبلوم والماجستير والدكتوراه) وهو ما يوضحه الجدول الآتي عن التوزيع النسبي لطلبة الدراسات العليا السعوديين المبتعثين في الخارج حسب مجال الدراسة.
جدول للعام الدراسي 1416هـ
التخصص دبلوم عالٍ ماجستير دكتوراه
العلوم الطبية ـــــــــــ 14.5 16.8
العلوم الهندسية ـــــــــــ 11.4 16.3
العلوم الزراعية ـــــــــــ 4.6 3.3
العلوم الطبيعية 32.8 24.5 22.0
القانون ـــــــــــ 2.0 1.7
الإنسانيات والاجتماعيات 47.5 40.8 38.3
أخرى 19.7 2.2 1.6
الإجمالي 100.0 100.0 100.0
وهكذا فالجدول يوضح أن نسبة المتخصصين في علوم الإنسانيات والاجتماعيات بلغت 47.5% من طلبة الدبلوم العالي، 40.8% للماجستير، 38.3% للدكتوراه، بينما ظلت النسبة في التخصصات العلمية والتطبيقية منخفضة، فهي لم تتجاوز في العلوم الطبية 14.5% للماجستير، 16.8% للدكتوراه، وكذلك الحال بالنسبة إلى العلوم الزراعية: الماجستير 4.6%، والدكتوراه 3.3%.(13)
تأمّل في الأرقام
ولننظر إلى حجم "الزيف" فيما يراه العرب من التحضر الذي أحرزوه في تاريخهم الحديث. فأي تحضر هذا إن لم يكونوا هم الذين صنعوه أنفسهم، بقواهم البشرية وبسواعد شبابهم المكتنزة بالمعرفة؟ أما إذا هم"يشترونه" بالسخي من أموالهم كما هو حاصل الآن فهذا ليس سوى تحضر مزيف. والخلاص مما نحن فيه هو إعادة النظر كلياً في أهداف تعليمنا وخططه وبرامجه ومناهجه، في الوقت الذي لابد أن نعكف فيه بصورة عاجلة على اجتثاث العاهات الظاهرة في نتائج إعداد الأجيال مثل تقليص أصحاب الشهادات العالية العبء، فلم تعد هناك أي ضرورة لتكديسهم. ولتتجه الأموال التي تنفق عليهم إلى معاهد التكنولوجيا الجديدة. ثم هل جربنا مرة واحدة أن نجري تقويماً لحاجتنا الفعلية لهذه الأفواج الغزيرة المتلاحقة من خريجي المؤسسات التعليمية النظرية مقارنة بمؤسسات التعليم التكنولوجي والتخصصات العلمية والتطبيقية الأخرى؟ هذا هو ما نريده الآن، عاجلاً ودون تريث، لأن فيه حلاً لمشكلات قائمة، ولأن فيه حسماً مصيرياً لمسيرة حضارية متعثرة، بل إنها موشكة على الانهيار.
صحيح أن الأرقام الإحصائية التي سترد هنا - على مستوى العالم العربي - تعود إلى ما قبل عشرين سنة من الآن، ولكن من الذي يقول بأن الحال قد تغيرت من حيث النسبة والتناسب (الاّ إلى الأسوأ ربما)، فلم نشهد أي شيء، أو أي حدث، أو أي إنجاز، يدفعنا إلى الاعتقاد بخلاف ذلك. لقد لوحظ أن من بين مليون وثلث(14) تقريباً من المنخرطين في التعليم العالي في العالم العربي لا يوجد إلا حوالي 200 ألف طالب وطالبة في فروع الهندسة والتكنولوجيا والزراعة. (15) أي أن نسبة الدارسين في التخصصات التكنولوجية لا تتعدى 16% فقط، ثلثان من هؤلاء يتخصصون في الهندسة، والثلث الباقي ينخرط في تخصصات زراعية. "وتختلف نسبة المنتمين إلى كل واحد من هذين المجالين اختلافاً كبيراً من قطر عربي إلى آخر، فبينما يدرس أكثر من الخمس بقليل دراسات هندسية في كل من العراق وسوريا، فإن هذه النسبة تتأرجح حول العشر فقط في كل من مصر والكويت وليبيا ولبنان والسعودية، وتتدنى إلى أقل من الواحد بالمائة في المغرب. وبالمثل فإن نسبة الدارسين في التخصصات الزراعية تصل إلى حوالي 9% من إجمالي الدارسين في التعليم العالي في العراق ومصر، وحوالي 7% في سوريا وليبيا، و 2% في السعودية".(16)
هذا فيما يتعلق بالتخصصات العلمية في التعليم العالي. أما بالنسبة إلى التعليم التكنولوجي الثانوي فالوضع يتشكل هكذا: حوالي ثلاثة ملايين تلميذ وتلميذة في المرحلة الثانوية، يبلغ عدد المنخرطين منهم في سلك الدراسة الفنية أقل من ثلاثة أرباع المليون، أي نسبة تقل عن الربع من إجمالي الدارسين في المرحلة الثانوية. وتتفاوت هذه النسبة من قطر عربي إلى آخر، فبينما تصل إلى 52% في مصر و 45% في البحرين فإنها تتدنى إلى أقل من 2% في المغرب و 2.4% في الإمارات، بينما تتأرجح حول نسبة 20% في العراق والصومال وسوريا وتونس. وإذا ما دققنا النظر لنتعرف على عدد التلاميذ الدارسين في التعليم الفني الصناعي والزراعي تضاءلت الأرقام والنسب فلا تصل إلاّ إلى أكثر قليلاً من المائة ألف تلميذ، أي حوالي 3% فقط من إجمالي الملتحقين بالتعليم الثانوي (لا تشمل هذه الأرقام جمهورية مصر العربية والتي قد تزيد هذا العدد ضعفاً أو ضعفين)، 90% منهم في التعليم الفني الصناعي.(17)
وفي إحصاءات ربما كانت أكثر حداثة حول التعليم الفني في الوطن العربي (العام 2000م) تظهر نسبة التعليم الفني إلى مجموع طلاب المرحلة الثانوية بحدود 30.2% فقط، وهناك تفاوت ضخم بين الدول العربية في هذا الصدد. "فقد بلغت نسبة التعليم الفني إلى مجموع التعليم العام في مملكة البحرين ومصر 50% لكل منهما، وهي أعلى نسبة في الوطن العربي. في حين بلغت النسبة من 20% إلى 30% في كل من تونس والعراق ولبنان وليبيا، ومن 10% إلى 20% في الأردن وجيبوتي والسودان والصومال وفلسطين واليمن، ومن 5% إلى 10% في الجزائر والمملكة العربية السعودية وعُمان، وأقل من 5.5% في كل من دولة الإمارات العربية المتحدة وقطر والمغرب وموريتانيا". ويلاحظ أن التعليم التجاري يحتل الدرجة الأولى من حجم التعليم الفني في الدول العربية، يليه التعليم الصناعي. أما التعليم الزراعـي فيحتل المرتبة الأخيرة من التعليـم الفني في دولتين عربيتين زراعيتين هما: مصر والعراق. (18)
إن هذه النسب الضئيلة في التعليم الفني هي التي تلح على ضرورة المراجعة، والتفكير في عمل شيء ما في هذا المجال. إن هناك من يشير بإصبع شجاعة إلى هذا القصور الواضح في العناية بهذا النوع من التعليم، ليس فقط من حيث النسب المتواضعة جداً التي تقابلها نسب مرتفعة من خريجي الكليات النظرية، ولكن أيضاً من حيث تدني القيمة في الأداء، وهم يعتبرون ذلك خللاً مقلقاً في التطور الصحيح للتعليم. وبغض النظر عما للتعليم التكنولوجي العالي من تأثير على مستوى نقل التكنولوجيا أو استنباتها فإن للتعليم التكنولوجي في المستويات الوسطى أهمية خاصة في البلدان العربية، أو بعضها على الأقل، إذ يجب الإسراع في تكثيف المنتسبين إليه والاهتمام بمستوى أدائهم، لأنهم هم الذين سيحلون معضلة الخلل القائم في العمالة المحلية أو العربية، والجميع متفقون على قصور التعليم التكنولوجي، كماً وكيفاً، عن تلبية حاجاتنا في هذا المجال كما ذكرنا في مكان سابق.
أي عامل نريد؟!
كيف يمكن أن نتصور التخطيط لمستقبل تكنولوجي دون التركيز، بشكل مباشر، على إعداد القوى البشرية الوطنية التي ستضطلع بهذه المهمة وستنفذها. ولعل من المحزن أن نذكر هنا بأن هذا النوع من التعليم في بعض البلدان ما ينفك يعيش على فتات الجامعات، أو على المتسربين من المراحل الأولى في التعليم الثانوي. فالفاشلون في تلك المراحل التعليمية هم الذين يلجأون إلى التعليم الفني على الرغم من حساسيته وأهميته، فالنظرة إلى التعليم الفني هي نظرة ما تزال تعاني من خلل كبير، ويتمثل هذا الخلل في أن هذا النوع من التعليم كأنما وجد أصلاً ليحل مشكلة الطلاب المتخلفين دراسياً، أو أولئك الذين لم يوفقوا في الحصول على "مجموع" مرتفع يؤهلهم لنوع "أفضل" من أنواع التعليم الأخرى. فالتعليم الفني هكذا ليس "هدفاً" من أجل تنمية قوى وطنية عاملة، مدربة، بل هو وسيلة لحل مشكلة الطلاب ضعيفي التحصيل. فنضيف إلى معضلة العزوف عن التعليم الفني، من حيث كونه لا يحقق "الوجاهة الاجتماعية" أو طموح الأسرة، اتخامه بذوي المعدلات العلمية الضعيفة. وهذا أمر زاد في تعميق مأزقه من حيث نظرة الشباب إليه، بل من حيث تقدير مدى أهمية لدى المجتمع بأسره. فإذا أضفنا إلى كل ذلك بأن ما يتلقاه التلميذ أو المتدرب في المعاهد أو الكليات الفنية ليس بذي بال من حيث صلته بالتطورات التكنولوجية الجديدة في العالم التي تعد هدفاً أساساً للمؤسسات التعليمة المثيلة في الدول المتقدمة يكون المأزق في هذه الحالة أكثر حدّة.
نحسب أن من الواجب أن يكون الالتحاق بالتعليم الفني إجراءً حضارياً، واهتماماً أولياً للشباب، ولأسرهم، وللقائمين على تسيير التعليم، فما يجب أن يحدث، هو أن يختار للتعليم الفني من بين الطلاب المتفوقين الراغبين في تنمية قدراتهم المهنية، ودعم معارفهم التقنية، فهؤلاء هم الأساس في سوق العمل وميادين الإنتاج. كما يجب التفكير في إيجاد الإغراءات اللازمة والمشجعة على الالتحاق بهذا النوع من التعليم، ولو احتاج الأمر فلتفرض قيود كثيرة على الالتحاق بمجالات التعليم الأخرى، كي يأخذ التعليم الفني نصيبه كاملاً غير منقوص. والغريب أن أجور الفنيين التي ارتفعت في بعض البلدان إلى مستويات تفوق بكثير مستويات أجور خريجي الجامعات، لم تفعل شيئاً يذكر في تصحيح الوضع المختل، وتشجيع الشباب على الالتحاق بالمعاهد أو الكليات التقنية والفنية.
وهناك جانب آخر أشار إليه بعض الباحثين، للحث على الاهتمام ببناء مجتمع العلم والتكنولوجيا، وهو أن تأكيد قيمة هذا الإنجاز يستجيب لواقع اقتصادي واجتماعي وسكاني خطير في البلاد العربية وسائر البلدان النامية، وهم يعنون بذلك ضآلة اليد العاملة الفعلية بالقياس إلى مجموع السكان (حوالي 26%فقط من السكان في البلاد العربية التي عرفت بفتوة السكان)، إلى جانب ضعف معدلات العمالة لدى المرأة العاملة. فالثورة العلمية، في أحدث صورها، على نحو ما تتجلى في الأوتوماتيه، والعمل الذاتي للآلة، تقلل من الحاجة للأيدي العاملة".(19)
ملاحظات مهمة
وبكل المقاييس، فإن الأطروحة التي يجب أن يدافع عنها الجميع، في هذه المرحلة بالذات، هي تكوين مجتمع التعليم التكنولوجي. فبغيره سنظل مشترين للحضارة، وبغيره لن نستطيع حماية ثرواتنا، وبغيره لن يتهيأ لنا "نقل التكنولوجيا" بالمفهوم الطموح الذي نريد، وستظل خطوط الإنتاج عندنا قاحلة من دمائنا، مفرغة من شبابنا، فهي إما معتمدة على عمالات أجنبية، أو يعلوها سحابات من الغبار الكثيف. والمفتاح هو دائماً بيد التعليم، فالتعليم يجب أن يكون هو الاهتمام الأول، وإلا فإن النتيجة ستبقى محصورة في تخريج أجيال أخرى من الموظفين، وأشباح العلماء الذين تعج بهم الشوارع والساحات العامة.
وتوصل أحد الباحثين إلى بعض الاستنتاجات والملاحظات حول واقع التعليم التكنولوجي في عالمنا العربي فذكر أموراً أهمها:
لم تضع البلدان العربية سياسات علمية تقنية واضحة وشاملة. وهي ما زالت حتى اليوم تتلمس طريقها إلى ذلك.
الموارد التي تخصصها البلدان العربية لأنظمة العلوم والتقنية مازالت محدودة نسبياً، وذلك من حيث الكم (الإنفاق) ومن حيث النوع (مستويات التأهيل والتعليم).
أنشطة العلم والتقنية العربية نشأت وتوسعت تحت ضغط المحاكاة السطحية لأنشطة العلم والتقنية في البلدان المتقدمة، ولكنها لم تتطور مع تطورات تلك الأخيرة.
البيئة المحيطة، الاقتصادية منها والاجتماعية، مازالت منخفضة المستوى علمياً وتقنياً واقتصادياً. وبالتالي فهي غير قادرة على التفاعل الشديد مع العلوم والتقنية.
إقامة أهم المشاريع الإنمائية تعتمد على التقنية المستوردة، وتتم، إلى حد كبير، بمعزل عن منظومات العلوم والتقنية العربية، الأمر الذي يفقد هذه الأخيرة عناصر أساسية ضرورية لتقدمها.(20)
"الشيخ وغاسل الصحون"
لا نظن أن العرب يجهلون، حتى الآن، مواطن الضعف في مشروعهم التنموي المترامي، فهي من الوضوح والشموخ بدرجة لا يمكن لأي عين أن تخطئها، وأبرزها أو أهمها القعود عن اللحاق بعلوم العصر وتقنياته، بالإضافة إلى عدم وضع الخطط والبرامج من أجل إعداد الأجيال لخوض غمار هذا التحدي الذي يهون أمامه أي تحدٍ آخر. ولا نعرف كيف يمكن أن نوفق بين هذه المعاينة والاهتمام الذي مازال على أشده بالتعليم النظري الذي يستوعب العدد الأكبر من الناشئة. ربما تكون العلة في مفهوم التعليم عندنا فهو ما فتئ يعاني من مشكلة عزله أو إبعاده عن مجالات التنمية، فالتعليم والتنمية وضعا في خطين متوازين مع الأسف، مما دفع إلى تضييق فرص إلتقائهما أو توافقهما، ولا نعرف كيف يمكن أن ينهض مشروع تنموي فعال ودائم دون توفر سواعد مؤهلة مدربة، ذات خبرة، تبنيه وترعاه ولا تنقطع عن تطويره؟ إن ما ينبغي تداركه عاجلاً هو أن لا نجعل دور التعليم يقتصر على كونه يمثل مجرد مرحلة من مراحل عمر الشاب، وعليه أن يعبرها كيفما اتفق، والمهم هو أن يختمها بإجازة أو "شهادة" كيلا يحسب في عداد الفاشلين أو المتخاذلين، أما ماذا سيفعل بعد ذلك فهذا أمر أقل أهمية أو هو ما لا يشغل البال كثيراً، فهو إن كان من البلدان العربية الفقيرة سيسافر في أرض الله الواسعة يغسل صحون، أو يسوق سيارات الأجرة، أو يرعى الأبل والماشية في إحدى دول الخليج، وهو إن كان من البلدان العربية "الغنية" فأهله قد علموه لكي يصبح "شيخاً" أو على الأقل "مديراً" بغض النظر عن نوع الشهادة التي يحملها أو مستواها!
وما يزال أهل البلدان الغنية يعطون لثرواتهم المفهوم الخاطئ، فهي جعلت لمحاربة "الفقر" بأهون وأسهل أسلحته، بمعنى "الإنفاق" أو الغرف من تلك الثروات مادامت متوفرة، وقد عزلت تلك الثروة أو أبعدت بالتالي عن مفهومها الموضوعي، المعقول والعاقل، وهي أنها الطريق إلى التمكين من مستويات أفضل في العلم وتحديات العصر الجديدة، لنكون أكثر ثقة في المستقبل، ولنكون أكثر وفاء للأجيال القادمة، ولنكسب تحديات اليوم، ولنستعد لمفاجآت الغد.
نحن لن نستطيع أن نجيب على السؤال الصعب لـ "المستقبل" إن لم نضع التعليم في مكانه الصحيح من "الحاضر".. هذا الحاضر الذي ينبغي أن نعرف ما الذي يشي به من نذر أو بشائر. والذي ندركه هو أن مجتمعاتنا قد تشبعت بالخريجين من أصحاب "الشهادات" لكنها مازالت تعيش جوعاً مضنياً في علوم العصر الجديدة التي حققت وتحقق تفوقاً مرموقاً لغيرنا من الأمم المتقدمة، أو الصاعدة في سلم التقدم. ولا سبيل لنا للحاق بتلك الأمم إلا بالشروع الفوري في الإنقلاب على مفاهيمنا التقليدية التي مازلنا نلصقها بالتعليم وبالثروة وبالمشروع التنموي برمته. وهذا الإنقلاب لابد أن يبدأ من الخروج من مأزق التعليم النظري الذي يستأثر بالنصيب الأوفر من الأجيال دون حاجة حقيقية إلى ذلك، نحن لا نقلل من أهمية التخصصات النظرية ولكننا ندعو إلى الترشيد، وإعادة ترتيب الأولويات، وكل ذلك من أجل أن نبني حضارتنا الجديدة، ومن أجل أن لا تتكرر عندنا فكرة الأجيال العبء، الأجيال المعطلة التي لا تفعل شيئاً وهي تنتظر أن نفعل لها كل شيء.
الهوامش
(1) انظر عبود، عبدالغني (د.)، الأيدلوجيا والتربية، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، ص115، وانظر أيضاً، عبدالدائم، عبدالله (د.)، بحث بعنوان، تطوير التربية العربية لمواجهة الصراع مع إسرائيل، مجلة المستقبل العربي، عدد85
(2) انظر شرابي، هشام، مقدمات لدراسة المجتمع العربي، ط2، الدار المتحدة للنشر، بيروت، 1975، ص140
(3) انظر السابق
(4) انظر السابق، ص 139
(5) انظر عبود، عبدالغني (د.)، الأيدلوجيا والتربية، دار الفكر العربي، القاهرة، مصر، ص125
(6) انظر عسكر، يحيى، صحيفة الوطن القطرية، أخذ في 2006م، www.alwatan.com/printit.asp?news=local3&tdate=20060503
(7) انظر عبدالدائم، عبدالله، (د.) بحث بعنوان، تطوير التربية العربية لمواجهة الصراع مع إسرائيل، مجلة المستقبل العربي، عدد 85
(8) انظر المنيع، محمد عبدالله (د.)، توضيح وتقويم العلاقة بين منجزات التعليم الجامعي والتنمية الشاملة في السعودية، ورقة مقدمة إلى الندوة الكبرى بجامعة الملك سعود، الرياض، المنعقدة في الفترة من 9 - 10/7/1420هـ، بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس المملكة العربية السعودية، ص31
(9) انظر مجلة الحرية، واقع التعليم الجامعي في الدول العربية مستهلكون، لا منتجين! http://www.alhourriah.org/extranews...Headlines=1534
(10) انظر محمد، أحمد أبو زيد، قراءة في تقرير البنك الدولي عن التعليم في العالم العربي، مجلة المعرفة، مارس 2008م.
(11) انظر الخولي، أسامة أمين، مجلة المستقبل العربي، عدد85.
(12) انظر سارة، ناثر، التربية العربية منذ 1950، إنجازاتها، مشكلاتها، تحدياتها، منتدى الفكر العربي 1990م، أما بيانات نسب عام 1416هـ فقد حسبت من إحصاءات التعليم العالي في المملكة العربية السعودية – وزارة التعليم العالي بالمملكة العربية السعودية، العدد التاسع عشر 1417هـ
(13) انظر وزارة التعليم العالي، إحصاءات التعليم العالي في المملكة العربية السعودية، العدد التاسع عشر1417هـ.
(14) في العام 1990 بلغ عدد الطلاب المسجلين في قطاع التعليم العالي العربي، 2,8 مليون طالب ثم ارتفع العدد إلى 6,2 مليون طالب في العام 2000 أي بزيادة 3,4 مليون طالب في فترة عشر سنوات. انظر حمادي، عبدالرحمن، التعليم العالي العربي. تصدير الأدمغة الثمينة والأيدي الرخيصة، مجلة المعرفة عدد138 أكتوبر 2006، سوريا http://www.almarefah.com/article.php?id=703
(15) في العام 1995-1996م يتخرج في الجامعات المصرية 300 مهندس سنوياً وتخرج من الجامعات العربية 24,000 مهندس في العام 1985م. انظر حمادي، عبدالرحمن، التعليم العالي العربي. تصدير الأدمغة الثمينة والأيدي الرخيصة، مجلة المعرفة عدد138 أكتوبر 2006، سوريا.
(16) انظر الخولي، أسامة أمين، مجلة المستقبل العربي، عدد85 ، وانظر العرب والعولمة، ط3 مركز دراسات الوحدة العربية، 4/2000م، عدد الجامعات العربية في العام 1950م عشر جامعات، وفي العام 1995م 175 جامعة، ص94.
(17) انظر الخولي، أسامة أمين، مجلة المستقبل العربي، عدد85.
(18) انظر شوباشي، عمر، التعليم الفني وآفاقه في الوطن العربي، مجلة الراية، عدد134، بيروت 1988م. وانظر أيضاً حمادي، عبدالرحمن، التعليم العالي العربي، تصدير الأدمغة الثمينة والأيدي الرخيصة، مجلة المعرفة عدد138 أكتوبر 2006، سوريا http://www.almarefah.com/article.php?id=703
(19) انظر عبدالدائم، عبدالله (د.)، بحث بعنوان، تطوير التربية العربية لمواجهة الصراع مع إسرائيل، مجلة المستقبل العربي، عدد 85.
(20) انظر عبدالدائم، عبدالله (د.)، مراجعة إستراتيجية تطوير التربية العربية. المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1995م، ص56.
منشورات الطليعة العربية في تونس