أيها القوميون، كفوا عن سلخ جلودكم

0 views
Skip to first unread message

ezzedine GOUTALI

unread,
May 28, 2012, 5:21:12 AM5/28/12
to Taliaat Tines
أيها القوميون، كفوا عن سلخ جلودكم
 
 
معتصم الحارث الضوّي
كاتب وإعلامي سوداني
 
 
منذ السويعات الأولى بُعيد اندلاع الانتفاضة الشعبية المجيدة في سورية في منتصف آذار/ مارس 2011، اتسمت مواقف الجماعات والأفراد المتمسكين بالنهج القومي من بعثيين وناصريين وقوميين مستقلين بالاستقطاب واتخاذ مواقف حدّية منها، فتراوحت المواقف بين التشنج في الدفاع عن النظام السوري، والتشنج المضاد في الاصطفاف بجانب الانتفاضة الشعبية، وبما يجعلُ هؤلاء وأولئك يغضون النظر، بل يكسرون –في بعض الأحيان- عُنُق الحقيقة منافحة عن الجهة التي يحتضنون آرائها، ويلتزمون مواقفها.
على العادة العربية غير الحميدة، أضحى الموقف من القضية السورية معيارا وسببا مباشرا للاتهام بالعمالة للغرب وإسرائيل ودول الخليج من ناحية إذا ما كان الشخص مؤيدا للانتفاضة، وللاتهام بموالاة الديكتاتورية والخنوع لإيران إذا ما المرء اصطف إلى جانب النظام.
هؤلاء وأولئك جانبوا الصواب، وضربوا عرض الحائط بقواعد العقل والمنطق، ومرة أخرى نقول: على الطريقة العربية غير الحميدة، كانت المواقف السياسية انفعالية وعاطفية، وبعيدة عن قراءة القضية بمقياس الحقائق ولغة الأرقام، فإنك لتجد من الغريب فعلا أن يستميت بعض القوميين من الموالين للنظام في الدفاع عنه إلى درجة تجعلهم ينافحون عنه بكل عنفوان يتنافى مع آرائهم المعلنة قبل سنوات قلائل، وفي غمرة ذلك ينفون بشدة كون النظام ممعنا في التنكيل والقتل، وذلك بسبب نظرية المؤامرة الضاربة أطنابها داخل رؤوسهم.
في الجهة المقابلة، فإن فئات من المدافعين عن الثورة الشعبية المجيدة تصدق كل ما تسمعه من أقاويل وإن كانت غير منطقية، أو تتسم باللامعقولية، أو يبدو على سيناريوهاتها طابع المبالغة الدراماتيكية بهدف استجداء العواطف، واستدرار التعاطف.
هنا يتبادر إلى الأذهان السؤال البدهي: هل بالإمكان إنكار نظرية المؤامرة؟!
الإجابة التي يستدعيها المنطق تقولُ: لا.
المؤامرة على سورية معلومة، ومعروفة منذ سنوات طويلة، ومن ينكر ذلك –في رأيي المتواضع- يحاول تغطية الشمس بإصبع!
إذن، أين تكمن المشكلة؟!
هل تكمن المشكلة في النيات؟!
أجزمُ بأن السواد الأعظم من هؤلاء القوميين القائلين بطهر سريرة النظام ونقائه من جهة، وأولئك القوميين الذين لا يكفون عن استمطار اللعنات عليه آناء الليل وأطراف النهار- يتفقون في عشقهم لسوريا، وإخلاصهم لشعبها، ورغباتهم الأكيدة في أن تستقر أوضاعها وتحقق الديمقراطية المنشودة.
يصبح إذن السؤال البدهي الجديد، إذن لم كل هذا التشرذم؟!
القضية هنا أضحت اختلافا في الرؤى ليس أكثر، فلا خلاف -أظنُ ذلك- على ضرورة إجراء إصلاحات عميقة في سورية تنال الجذور قبل الفروع، وتتناول بنيوية الدولة وهياكلها قبل تطبيقاتها التي استشرى فيها الفساد، ومعالجة قضية الفساد الإداري وغيرها من القضايا الخطيرة التي تؤثر بشكل يومي مباشر على حياة المواطن؛ ولكن هذا الخلاف في الرؤى يقودنا إلى نقطة الخلاف الجوهرية، ألا وهي المفاضلة بين الأولويات: هل الأولوية لعودة الأمن والاستقرار، وإعادة ترتيب البيت الداخلي لاحقا على مراحل؟ أم أن الثورة الشعبية ينبغي لها أن تهدم صرح النظام من أصله باعتباره بيتا آيلا للسقوط لا يجدي فيه الإصلاح، ولا تنفع في بقائه الحُقَن الاسمنتية، ولذا ينبغي هدمه وإعادة بنائه على أسس سليمة؟
حيثيات القضية ليست شائكة، فالمعطيات معروفة للجميع، والمعلومات متاحة لكل راغب، ولا عذر لمن لا يجيد أو يرغب في البحث باستخدام الوسائل الحديثة أو التقليدية المتوفرة ليتعرف بأم عينه على الحقيقة.. ولا شيء غير الحقيقة.
هنا نتوقف لمثال صارخ لما تقدم، إذ خرج علينا المناضل المخضرم إبراهيم علوش بمقالة بعنوان "إذا كنتَ قوميا عربيا" بتاريخ 29 نيسان/ أبريل 2012، ردا على مقالة الأستاذ عبد الحليم قنديل بذات العنوان، المنشورة على صفحات القدس العربي اللندنية بتاريخ 1 نيسان/ أبريل؛ وتضمنت مقالته عبارة "وكنت قد رأيت مقالة قنديل عند نشرها ولم اتجاوز السطور الأولى منها من شدة سخافتها وخوائها."
شعرتُ بالخجل وأنا أنقُلُ هذا الاقتباس، فحينما يتخاطب القوميون لا تكون الاتهامات بالسخف والخواء النعت الذي يستخدمونه فيما بينهم، وتظل لغة الاحترام الذي يستند إلى رفقة المبدأ، والتقدير الذي يتأسس على المنزلة الفكرية والتاريخ النضالي للكاتب- سائدة رغم اختلاف وجهات النظر بخصوص قضية جوهرية مثل سورية.
اختار الأستاذ علي الصرّاف أن ينهج نهجا ساخرا، فأصدر مقالة بعنوان "أن تكون قوميا عربيا- 10 نصائح" نشرها في ذات اليوم، أي 29 نيسان/أبريل ردا على الأستاذ إبراهيم علوش. حمل عليه فيها بلا رحمة، وسلقه بكلمات حِداد، وهنا أيضا إمعانٌ في الاستقطاب الحدّي، ولكنه مغلّف بسيلوفان ساخر؛ لعله يخفف من حدة الهجوم!
رأينا، إذن، ثلاث أمثلة صارخة على ما صنعته أزمة سورية من تكالب هجومي عنيف وأزمة في مستوى الخطاب بين المفكرين والكتّاب العرب، ونعني منهم بصفة خاصة الملتزمين بالنهج القومي.
عندما يتحول التحليل إلى عويل، والنقد إلى سلخ للجلود، والمقاربة إلى مناوشات لفظية، حينئذ علينا أن ندق أجراس الخطر، فإذا كان الكبار يفعلون هذا، فما الذي قد يقتدي به الصغار، وهم الذين يتخذون الأسماء اللامعة نماذج يحتذونها.
إذا كانت القضية السورية سببا لكل هذا الاستقطاب الحاد، والتشرذم المقيت، والتشظي البغيض، فكيف يمكن –يا ترى- لهؤلاء وأولئك أن يتفقوا على رؤى استراتيجية عقلانية تتصل بقضايا مصيرية أخرى، مثل الصراع العربي الصهيوني، والأمن القومي العربي (بصوره المختلفة؛ المائي والعسكري والعلمي والبيئي..إلخ)، وغيرها من القضايا طويلة الأجل، وذلك على النقيض من قضية سورية، والتي رغم التأكيد على وجود تبعات مستقبلية لها، إلا أنها مرحلية قصيرة الأجل بلا شك.
أيها القوميين.. كفوا أسهمكم المسمومة عن بعضكم، ودعوا جلبتكم تخفت قليلا، ولعلكم تنصتون قليلا إلى أصوات الشعوب؛ اسمحوا لها أن تحكم على مستقبلها بأيدي أبنائها وبناتها، وحينذاك ستعلمون أن تشنجكم واستقطاباتكم الحادة لن تُجدي فتيلا، ولن تُشفي غليلا، فالشعوب هي الباقية، أما الآراء المقولبة المتحجرة فهي إلى زوال بسواعد الجماهير التي تعشقُ الحرية، وتُدمِنُ الكرامة، ولا ترضى عن العزة بديلا... شاء من شاء، وأبى من أبى!
 
Reply all
Reply to author
Forward
0 new messages