حَرِصَ الصحابة على الالتزام بالطاعات والتنافس فيما بينهم على فعلها ابتغاءً لمرضاة الله ورسوله ومن الأدلّة التي جاءت تُثبت ذلك ما ورد في صحيح البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: (يَا رَسولَ اللَّهِ ذَهَبَ أهْلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجَاتِ والنَّعِيمِ المُقِيمِ. قالَ: كيفَ ذَاكَ قالوا: صَلَّوْا كما صَلَّيْنَا وجَاهَدُوا كما جَاهَدْنَا وأَنْفَقُوا مِن فُضُولِ أمْوَالِهِمْ وليسَتْ لَنَا أمْوَالٌ. قالَ: أفلا أُخْبِرُكُمْ بأَمْرٍ تُدْرِكُونَ مَن كانَ قَبْلَكُمْ وتَسْبِقُونَ مَن جَاءَ بَعْدَكُمْ ولَا يَأْتي أحَدٌ بمِثْلِ ما جِئْتُمْ به إلَّا مَن جَاءَ بمِثْلِهِ تُسَبِّحُونَ في دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا وتَحْمَدُونَ عَشْرًا وتُكَبِّرُونَ عَشْرًا)[١][٢] وكان الصحابة يُكثرون من الصيام وقيام الليل وقراءة القرآن كالصحابي الجليل أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- الذي كان يقوم اللّيل بالقرآن حتى وصف الرسول -صلى الله عليه وسلم- قراءته بقوله: (لقد أوتيَ مزمارًا من مزاميرِ آلِ داودَ).[٣][٤]
حرص الصحابة على تأديةِ الحقوق لأصحابها فتعاونوا على بِرِّ الله وتقواه قال -تعالى-: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)[٨] فقد كان عمر بن الخطاب حريصاً على تأديةِ الحقوق لجميع الناسِ كبيراً وصغيراً حيث كان يَصرفُ من بيت المال ما يكفي حاجات الناس وكان الصحابة يتعاملون فيما بينهم بالرحمة كما كانت رسالة الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- رحمةً للعالمين.[٩]
اتّصف الصحابة بصبرهم أمثال الصحابي بلال -رضي الله عنه- حيث بَقِيَ ثابتاً على التوحيد خلال تعذيبه مِن أميّة بن خلف حيث كان يُلقي بلالاً في وقت الظهيرة عند اشتداد حرِّ الشمس على رمال الصحراء ويَضعُ الصخرةَ على صدره ويَبدأ بتعذيبه حتى يتنازل عن توحيده لكنَّ صبرَه وثباتَه على التوحيد أكبُر وأعظم فكان يردّد قائلاً: "أَحدٌ أَحد"[١٠] ويُذكر أنَّ أحد الصحابة نطق بالشهادتين فضربه المشركين حتى سال الدم منه ثُمَّ وقع مغشياً عليه.[١١]
وآخر يُرمَى على أسياخِ الحديدِ المشتعلة فلا تنطفئ إلا من كثرةِ الشحم الذي يَسيل من ظهره وقد رُويَ عنهم شدّة تحمّلهم وصبرهم خلال الحصار فتحمّلوا الجوع والأذى في سبيل نَيل رضى الله والثبات على عقيدة التوحيد فكان قُوتُ الواحد منهم تَمرة واحدةً في اليوم يَنقعونها في الماء ويشربونه كما أنَّهم كانوا يَربِطون بطونهم بالحجارة المسطّحة حتى يَستقيم انحناء ظَهرهم من شدّةِ الجوع.[١١] وَقد صَلَ الحالُ بالصحابةِ الكرامُ في سريّة سيف البحر إلى أكلِ أوراق الشجر فأُصيبوا بقسوة العيش والضيق الشديد فإذا بالبحر يرمي على شاطِئه بحيوان يُدعى العنبر وهو نوعٌ من الحوت يمتاز بضخامته فقال لهم أبو عبيدة: لا تأكلوه خوفاً من الوقوع بالإثم لأنَّه لم يكن يعلم بحلِّ ميتة البحر حتى أَذن لهم بأكله اضطراراً.[١٢]
ويُذكر عن أبي هريرة -رضي الله عنه- شدّةَ صبره وتحملّه للجوع حتى وصل به الحال أنَّه كان يُصرعُ بجانب المنبر ولم يكن به داءٌ سوى الجوع فيُروى عنه أنَّه كان يَسأل كلَُ منْ مرَّ من الصحابة عن آيةٍ كان يعرفها إلاّ أنَّ قصدَه ليس الإجابة وإنَّما أن يُدعَى إلى تناول الغداء معهم حتى جاء الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعَرَف ما به فدعاه إلى بيته فوجدَ قدحاً من اللّبن فابتسمَ فقال له الرسول -عليه االصلاة لسلام- أن يُنادي أهلِ الصُفّة حتى يشاركوهم اللّبن وكانوا أربعمئة وخمسة عشر على إناءِ لبنٍ واحدٍ ولكنّ بركة رسول الله حلّت على هذا الإناء حتى شَرب الجميع وشَربَ أبو هريرة والرسول -عليه الصلاة والسلام- معهم.[١٢]
كان حالُ الصحابة الزهد في هذه الدنيا فقد ورد عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أنّه كان يقوم الليل كلّه وكان يردّد قوله: "يا دنيا غرّي غيري طلّقتك ثلاثاً" فكانت نظرتُه للدنيا وزخارفها نظرةً دونية فالدنيا فانية لا يُغريه ما فيها من المتاع.[١٣] فقد فَهِم الصحابة معنى الحياة الدنيا فعلموا أنّها ليست المَوطن وليست الغايةُ أو الهدف وإنَّما هي وسيلةٌ للوصول إلى إرضاء الله -تعالى- وتنفيدِ أوامره فكان كلُّ عملٍ يقومون به في هذه الدنيا ما هو إلا رغبةً في نيل رضى الله -عز وجل- فكسبهم للمال و زواجهم وجهادهم وعمارتهم للأرض و غير ذلك كانت من أجل تطبيق ما أمر الله به.[١٤]
وكانت حياتهم كلُّها طاعةً لله فالدنيا لا تساوي عند الله شيئاً لذلك لا يتشاحن الناس من أجلها وفي ذات الوقت لا يجوز تركُها كلّياً فعِمَارتُها طاعةً لله وهي الممرُّ إذ أنَّ الدنيا هي الطريق الموصل إلى الآخرة.[١٤] وكان الصحابةُ الكرام على حذرٍ دائمٍ من الاغترار بالدنيا ومتاعها ومما يُذكر في ذلك: قصةُ عزل خالد بن الوليد فقد رأى عمر بن الخطاب أنَّ بعض المسلمين بدأوا يحسّون أن النصر بسبب وجود خالد بن الوليد لانتصاراته المتتالية التي حقّقها وجَني الغنائم الكثيرة فتغيّر حال المسلمين بذلك فكان همَّ عمر الأكبر الحفاظ على عقيدة المسلمين لإثباتِ أنَّ النصر من عند الله حتى لو لم يكن خالدٌ على رأسِ الجيوش.[١٥]
فكانت القضية قضية دنيا وآخرة لا من أجِلِ المصالحَ الشخصية فنُقلت الخلافة إلى أبي عبيدة بن الجراح وعندما وصل الخبر إلى أبي عبيدة لم يُعلن عن هذا الأمر لعدم رغبته في أن يكون زعيماً فبقي الأمر على ما هو عليه إلى انتهاء المعركة بقيادة خالد بن الوليد ووصل الخبر إلى خالد بن الوليد فلم يعترض على أمر خليفة المسلمين وهذا يدلُّ على تواضعه وحُسن خُلقه فقال أبو عبيدة مخاطباً خالد بن وليد: وما سلطان الدنيا أريد وما للدنيا أعمل وكلُّنا في الله أخوة وخَطَب بالناس خطبةً يَمدح فيها خالدًا -رضي الله عنه- فهو صاحب لَقَب (سيف الله المسلول).[١٥]
كانت همَّة الصحابة عاليةً سواءً في طلب العلم أو الجهاد في سبيل الله مثل عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- حيث قال: (وَاللَّهِ لقَدْ أخَذْتُ مِن في رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بضْعًا وسَبْعِينَ سُورَةً واللَّهِ لقَدْ عَلِمَ أصْحَابُ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنِّي مِن أعْلَمِهِمْ بكِتَابِ اللَّهِ وما أنَا بخَيْرِهِمْ قَالَ شَقِيقٌ: فَجَلَسْتُ في الحِلَقِ أسْمَعُ ما يقولونَ فَما سَمِعْتُ رَادًّا يقولُ غيرَ ذلكَ)[١٦] كما عُرف أبو هريرة بكثرة روايته للحديث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وكَثرة ملازمته له وكَثرة حفظه لأحاديث رسول الله وكان يَحرص دائماً على طلب العلم من رسول الله.[١٧]
ومن الصحابة من كان يتّصفُ بحكمته في الدعوة إلى الله فقد أسلم على يدِ مصعب بن عمير وعبد الله بن مكتوم -رضي الله عنهم- رؤوساء الأوس والخزرج كما أنَّ المدينة فُتحت بالقرآن بتمهيدٍ للرسول من الصحابي مُصعب.[٤] كان الصحابة أشدُّ الناس حرصاً على بَذلِ كلِّ ما في وُسعهم من أجلِ نقلِ وتعليم الدّعوة والحفاظ عليها فعَملوا على حراسة الدين و مواجهة أعداء الله والتّصدي لكلِّ من يعتدي أو يَشقُّ وَحدتَهم كما عَملوا على نشر الدين إلى مَنْ بَعدهم من غير كتمان.[١٨]