ألف الإمام الشافعي كتابه الأم آخر حياته بعد أن انتقل إلى مصر ورجع عن كثير من أقواله السابقة (المذهب القديم) قال ابن كثير الدمشقي: ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْهَا [أي بغداد] إِلَى مِصْرَ فَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ في هذه السنة سنة أربع ومائتين. وَصَنَّفَ بِهَا كِتَابَهُ الْأُمَّ وَهُوَ مِنْ كُتُبِهِ الجديدة لأنها من رواية الربيع ابن سُلَيْمَانَ وَهُوَ مِصْرِيٌّ.[2]
الأم للشافعي هل فيه نقص وسقط وإذا أردت أن أقرأ الرسالة ومختصر المزني والأم... وجميع ما كتبه هذا الإمام فهل هي شاملة لكل كتبه وإملاءاته حيث أبحث عن قراءة كتب الشافعي فقط دون أتْباع المذهب ومن أين أقرأ كتبه التي كتبها والموجودة عند ترجمته في مناقب الإمام الشافعي للبيهقي أو توالي التأسيس.
تبلغ كتب الشَّافِعِيّ حوالي مائة وأربعين كتاباً ذكر مِنْهَا ابن النديم فِي الفهرست أكثر من مائة كما أن هناك قائمة أخرى ذكرها الحافظ ابن حجر فِي توالي التأسيس نقلاً عن البيهقي وَقُسِّمَتْ كتبه إِلَى قديمة وحديثة فالقديمة مِنْهَا ما كتبه فِي بغداد ومكة والحديثة مِنْهَا ما كتبه فِي مصر.
ويمكنك مراجعة أكثر هذه الكتب على موقع: islamport ويمكنك الاستفادة من خزانة الكتب والأبحاث: ملتقى أهل الحديث ملتقى الشافعية ومع أن كتب الشافعي تفيد أكثر كثيراً من كتب متأخري المذهب إلا أنها كُتبت في زمن وبيئة لم تعرفها ولم تشهدها وأصحابه هم أدرى الناس بمقاصده وعليها خرجّوا وفيها فروع فقهية نفيسة فلا تزهد فيها.
الإمام محمد بن إدريس القرشي المُطَّلِبِي الشافعي يلتقي نسبه مع النبي محمد صلى الله عليه وسلم في جده عبد مناف وهو ثالث الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة بعد الإمامين أبي حنيفة النعمان بن ثابت ومالك بن أنس. يوصف بأنه "عقل فقهي ومنهجي عبقري" وبأنه "مجدد القرن الثاني الهجري" ويعد أول من وضع لبنات علم أصول الفقه بكتابه "الرسالة". إمام في الفقه والحديث وعلم التفسير وأديب وشاعر ساد زمانه واستمر في المسلمين أثره وذكره.
ما إن بلغ سن التمييز حتى دفعت به والدته إلى التعليم رغم الفقر وضيق الحال فحفظ القرآن الكريم وهو ابن سبع سنين. ويقول عن هذه المرحلة: "ّكنت يتيما في حجر أمي ولم يكن لها مال وكان المعلم يرضى من أمي أن أخلفه إذا قام".
ظهرت عليه في وقت مبكر علامات النجابة والذكاء واتقاد العقل فوجَّهته والدته إلى إتقان تلاوة القرآن وتفسيره على أيدي شيوخ التفسير في المسجد الحرام وأقبل بعدها على حفظ الحديث النبوي وكان آية في الحفظ.
درس اللغة والنحو ولما لاحظ دخول الغريب من الكلمات والتعابير في حديث المسلمين الجدد من غير العرب اتجهت همته إلى اللغة وعمل بنصيحة الليث بن سعد إمام مصر بضرورة إتقان اللغة وأسرار بلاغتها وفنون آدابها وحفظ الشعر الذي سبق نزول القرآن الكريم لأنه يساعد على فهم معاني عدد من الآيات والأحاديث ونُصح بالخروج إلى البادية وتعلم كلام هذيل وشعرها فقد كانوا أفصح العرب وشعرهم غني بكنوز اللغة.
خرج إلى بادية لقبيلة هذيل قريبة من مكة فعاش مع أهلها سنوات عديدة فحفظ أشعارهم وأخبارهم وكلامهم وتعلم منهم اللغة والرماية والفروسية. وقد قال الشافعي عن هذه المرحلة "كانت همتي في شيئين: الرمي والعلم فصرت في الرمي بحيث أصيب من عشرة عشرة".
عاد بعدها إلى مكة وفي صدره إلى جوار القرآن الكريم والشعر والآداب والأخبار والأنساب ثروة هائلة من اللغة فتحت له مغاليق المعاني وأكسبته ذوقا أدبيا أتاح له إدراك لطائف البلاغة وأسرار البيان لدرجة جعلت الأصمعي يقول "صححت شعر هذيل على فتى من قريش اسمه محمد بن إدريس الشافعي".
بينما هو يسير ذات يوم على دابة تمثل ببيت شعر قال له كاتب والد مصعب بن عبد الله الزبيري مستنكرا "مثلك يذهب بمروءته في هذا أين أنت من الفقه قال فهزه ذلك وقصد مسلما بن خالد الزنجي مفتي مكة ثم قدم المدينة على مالك".
أقبل بعدها على أهل الحديث والتفسير من شيوخ مكة وعلمائها ومن بينهم مقاتل بن سليمان ومسلم بن خالد الزنجي الذي أذن له بالإفتاء وقال له "آن لك أن تفتي" لكنه تهيَّب مقام الفتيا واختار الرحلة لطلب مزيد من العلم.
كانت المدينة المنورة أولى منازله في الرحلة وقصد دار إمام دار الهجرة مالك بن أنس بعدما حفظ موطأه كاملا فلازمه يفيد من علمه ورحل بعدها إلى الكوفة بالعراق فتتلمذ على القاضي محمد بن الحسن الشيباني وأبي يوسف وأخذ من علمهما ونسخ كتبا عديدة وانتقل بعدها إلى بلاد فارس وغيرها فاستغرقت رحلته سنتين ازداد فيهما فقها وعلما بالأمصار وأحوال الناس وطباعهم.
كانت تلك أول وآخر وظيفة تقلدها الشافعي وتسببت له في محنة كادت تهلكه إذ جلب له حسن تدبيره وارتفاع ذكره بين الناس -شكرا وتقديرا لعلمه وعمله- المتاعب مع الوالي لما أبى أن يقره على مظالمه الكثيرة.
ولم ينج الشافعي من المحنة إلا باللطف الإلهي وفطنته وقوة حجته وشهادة شيخه القاضي محمد بن الحسن لصالحه عند الخليفة. وذكر الشافعي هذه المحنة في الجزء الأول من كتابه "الأم" وروى أنهم دخلوا على الرشيد وأمر بقطع رؤوسهم واحدا تلو الآخر إلى أن وصل دوره فقال "ثم قدمت ومحمد بن الحسن جالس معه فقال لي مثل ما قال للفتى (الذي مر قبله) فقلت: يا أمير المؤمنين لست بطالبي ولا علوي وإنما دخلت في القوم بغيا عليهم وإنما أنا رجل من بني المطلب بن عبد مناف من قصي ولي مع ذلك حظ من العلم والفقه والقاضي يعرف ذلك أنا محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. فقال لي: أنت محمد بن إدريس قلت: نعم يا أمير المؤمنين قال: ما ذكرك لي محمد بن الحسن. ثم عطف على محمد بن الحسن فقال: يا محمد ما يقول هذا هل هو كما يقول قال: بلى وله من العلم محل كبير وليس الذي رفع عليه من شأنه قال: فخذه إليك حتى أنظر في أمره".
وتذكر كتب التاريخ أن الرشيد أمر في أثناء الحوار مع الشافعي بفك الحديد عنه وأجلسه ثم أمر القاضي محمد بن الحسن الشيباني باصطحابه وإكرامه وقد أقنع القاضي الخليفة حتى رضي عنه واقتنع ببراءته وعقد له مجلسا لأهل العلم والفقه وعلوم أخرى ليختبره فأعجب والحضور بسعة علمه وحسن منطقه فأكرمه بالعطايا.
كانت للشافعي في هذه المرحلة مناظرات علمية مشهودة مع محمد بن الحسن وغيره وقد أعجب الرشيد بمنطق الشافعي وقوة حجته وبلغ صيته كل أهل العراق وتحدثت عنه كتب الفقه والحديث والتاريخ. وقد حاول محمد بن الحسن أن يجذبه إلى صف الخليفة الذي عرض عليه أن يوليه القضاء أو يجعله واليا على أي بلاد يختارها لكنه آثر البقاء بعيدا عن المناصب والصراع السياسي فاستعفاه واستأذنه في التفرغ للعلم إذ أقبل على علوم الرياضيات والفيزياء والعلوم الطبيعية وغيرها ثم استأذن في العودة إلى مكة.
03c5feb9e7